وهو سبب عام لا يكاد يخلو منه إنسان، ودخول الخطأ والوهم (^١)
والنسيان والكسل على الجنس البشري مما علم بالضرورة، فالوهم لا يخلو منه حتى كبار الأئمة الضابطين، وهذا واضح لنا من تعريف الحديث الصحيح: فهو الذي رواه عدل تام الضبط، عن مثله إلى منتهاه متصل السند، ولا يكون شاذًا ولا معللًا (^٢). فاشتراطنا لصحة الحديث عدم الشذوذ والعلة، دالٌ على أنَّ الرواة التامي الضبط يدخل في حديثهم الشذوذ والعلة، ولذا يقول الإمام أحمد: «ومن يعرى من الخطأ والتصحيف» (^٣)، ويقول الإمام مسلم: «فليس
_________________
(١) الوهَم: بفتح الهاء، الغلط أي ما أخطأ فيه المرء الصواب، وهو يراه صوابًا، مثال ذلك: من ناديته باسم: (أسعد) وأنت ترى اسمه (أسعد) وهو (أحمد)، فهذا وَهَم أي غلط. وهذا هو الذي يستعمله المحدّثون في عباراتهم. أما الوَهْم: بسكون الهاء، فإنَّه يقال فيما سبق الذهن إليه مع إرادة غيره، مثال ذلك: من ناديته باسم (أسعد) وأنت تريد أن تقول: (أحمد) فهذا وَهْم. ويختلف وزن الفعل لأحد المعنيين عن الآخر فالوَهَم بفتح الهاء، الفعل منه: (وَهِم يَوْهَم) أما الوَهْم بسكون الهاء، فالفعل منه: (وَهَمَ يَهِمُ)، والملاحظ في استعمال المحدّثين الجمع بين البابين، وهو ما يسميه الصرفيون: باب تداخل اللغتين، بأن يأخذوا ماضي الصيغة المفتوحة، ومضارع الصيغة الساكنة. وإنما آثر المحدّثون وغيرهم في مقام التخطئة لفظ (وَهِمَ) و(يَهِمُ) و(الوَهَم) و(الوَهَل) و(أوهام) على لفظ (غَلِطَ) و(يَغلَط) و(الغَلَط) و(أغلاط)؛ لوضوح المعنى في (غَلِط) ومشتقاته، وغموضه في (وَهِمَ) ومشتقاته، ولاشتراكه في المادة مع لفظ (الوَهْم) بالسكون، الذي هو أخفّ مدلولًا من (الوَهَم) بالفتح، فيكون ألطف جرحًا وآدب نقدًا. وهذا ديدن العرب في مقام التعبير عما يكره من قول أو فعل، بل هو ديدن القرآن فانظر ماذا استعمل القرآن للتعبير عن قضاء حاجة الإنسان (الغائط) وهو المكان المنخفض من الأرض، و(يأكلان الطعام) عند بعض المفسرين كنى به عن قضاء الحاجة وهو أول العملية … وانظر ألفاظه حين يتكلم عن اتصال الزوج بزوجته لقضاء الشهوة (الرفث) و(لامستم) و(فأتوهن) وغيرها .. وانظر: " الرفع والتكميل " للكنوي: ٥٤٩ - ٥٥٤ لمحققه أبي غدة حيث أبدع في عرض اللفظين.
(٢) انظر: " معرفة أنواع علم الحديث ": ٧٩ بتحقيقي، و" التقريب " المطبوع مع " التدريب " ١/ ٦٣، و" اختصار علوم الحديث ": ٧٧ بتحقيقي.
(٣) "معرفة أنواع علم الحديث ": ٣٨٣ بتحقيقي.
[ ١ / ٧٢ ]
من ناقل خبر، وحامل أثر من السلف الماضين إلى زماننا، وإنْ كانوا من أحفظ الناس، وأشدهم توقيًا وإتقانًا لما يحفظ وينقل - إلا الغلط والسهو ممكن في حفظه ونقله» (^١)، وقال ابن معين: «لست أعجب ممن يحدّث فيخطئ، إنما العجب ممن يحدّث فيصيب» (^٢).
وكثير من الرواة مع صدقهم وثبوت عدالتهم، كانوا كثيري الخطأ والوهم، لكن ذلك ليس الغالب على حديثهم، وحديثهم مقبول عند أئمة الحديث كما صنع الإمام مسلم حيث خرّج لأصحاب الطبقة الثانية (^٣)، ولكن ليس معنى ذلك أنَّ حديثهم كله مقبول دون تمييز، بل للأحاديث الصحيحة نصيب مما ترجح فيه للناقد أنَّ الراوي هنا قد ضبط حديثه وحفظه، ولكتب العلل نصيب آخر مما ترجح للناقد أنَّ فيه خطأ ووهمًا.
وقال الترمذي: «لَمْ يسلم من الخطأ والغلط كبير أحد من الأئمة مع حفظهم» (^٤)، فساق أمثلة من الروايات تدلل عَلَى تفاوت أهل العلم بالحفظ وتفاضلهم بالضبط وقلة الخطأ، ثُمَّ قَالَ: «والكلام في هَذَا والرواية عَنْ أهل العلم تكثر، وإنما بيّنا شيئًا مِنْهُ عَلَى الاختصار؛ ليُستدل بِهِ عَلَى منازل أهل العلم وتفاضل بعضهم عَلَى بعض في الحفظ والإتقان، ومن تُكلمَ فِيْهِ من أهل العلم لأي شيء تُكلمَ فِيْهِ» (^٥).
ولما كَانَ الخطأ في الرِّوَايَة أمرًا بدهيًا، وأنَّه لا يسلم إنسان مِنْهُ نجد الأكابر قَدْ وهمّوا الأكابر، فهذه أم المؤمنين عائشة ﵂ قَدْ وهّمت عددًا من الصَّحَابَة في عدد من الأحاديث، وَقَدْ جمع ذَلِكَ الزركشي (^٦) في جزءٍ أسماه
_________________
(١) " التمييز ": ١٧ المقدمة.
(٢) " تاريخ ابن معين " (رواية الدوري) (٥٢).
(٣) كما أشار في مقدمة كتابه ١/ ٣، وانظر: " تدريب الراوي " ١/ ٩٢.
(٤) " علل الترمذي الصغير " ٦/ ٢٤٠ آخر الجامع.
(٥) " علل الترمذي الصغير " ٦/ ٢٤٤ آخر الجامع.
(٦) هُوَ مُحَمَّد بن بهادر بن عَبْد الله الزركشي، أبو عَبْد الله الشَّافِعِيّ، بدر الدين: عالم بالفقه والأصول، مشارك في الْحَدِيْث والعربية، من مصنفاته " البحر المحيط " و" البرهان في علوم القرآن "، ولد سنة (٧٤٥ هـ)، وتوفي سنة (٧٩٤ هـ). انظر: " الدرر الكامنة " ٣/ ٣٩٧، و" شذرات الذهب " ٦/ ٣٣٥، و" الأعلام " ٦/ ٦٠.
[ ١ / ٧٣ ]
"الإجابة لما استدركته عائشة على الصحابة" (^١)، لذا قَالَ الإمام عَبْد الله بن المبارك: «ومن يسلم من الوهم، وَقَدْ وهّمت عائشة جَمَاعَة من الصَّحَابَة في رواياتهم للحديث» (^٢).
قال ابن عبد البر: «الوهم والنسيان لا يسلم منه أحد من المخلوقين ..» (^٣).
فإذا كان الرسول ﷺ وهو المؤيد بالوحي قد نسي (^٤)، فالنسيان في عوام الناس أولى، ومهما تثبّت الراوي، فالنسيان طارق ذهنه قادح حفظه، فهذا الأعمش على ما حباه الله من سعة الحفظ والتثبّت يقول: «سمعتُ من أبي صالح ألف حديث، ثم مرضتُ فنسيتُ بعضها» (^٥).
ومن أشكال النسيان ما يطغى على مرويات الراوي، فيحدّث بكل حال على ما يعلق في ذهنه، وهذا يقال فيه غالبًا: «مضطرب الحديث».
ومنه أنْ ينسى الراوي بعض الأحاديث فيذاكره بها تلميذه فلا يحفظها وينكرها، من ذلك ما جاء في " صحيح مسلم " عن عمرو بن دينار، عن أبي معبد مولى ابن عباس: أنَّه سمعه يخبر عن ابن عباس قال: ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ إلا بالتكبير. قال عمرو: فذكرت ذلك لأبي معبد فأنكره، وقال: لم أحدثك بهذا، قال عمرو: وقد حدثنيه قبل ذلك» (^٦).
_________________
(١) طبع مرارًا بتحقيق سعيد الأفغاني.
(٢) " شرح علل الترمذي " ١/ ١٥٩ ط. عتر و١/ ٤٣٦ ط. همام.
(٣) " التمهيد " ٤/ ٢٦٨.
(٤) لا يخفى أنَّ نسيانه ﷺ فيه أحكام شرعية.
(٥) " الكفاية ": ٣٨٣.
(٦) صحيح مسلم ٢/ ٩١ (٥٨٣) (١٢١) ومن النفائس والدرر التي سطّرها النووي في شرحه لصحيح مسلم ما قاله في ٣/ ٧٣ عقب (٥٨٣): «قوله: أخبرني هذا أبو معبد ثم أنكره. في احتجاج مسلم بهذا الحديث دليل على ذهابه إلى صحة الحديث الذي يُروى على هذا الوجه، مع إنكار المحدث له، إذا حدّث عنه ثقة، وهذا مذهب جمهور العلماء من المحدّثين والفقهاء والأصوليين، قالوا: يحتج به إذا كان إنكار الشيخ له لتشكيكه فيه أو نسيانه أو قال: لا أحفظه، أو لا أذكر أني حدثتُك به ونحو ذلك، وخالفهم الكرخي من أصحاب أبي حنيفة ﵄، فقال: لا يحتج به، فأما إذا أنكره إنكارًا جازمًا قاطعًا بتكذيب الراوي عنه، وأنه لم يحدثه به قط، فلا يجوز الاحتجاج به عند جميعهم؛ لأنَّ جزم كل واحد يعارض جزم الآخر، والشيخ هو الأصل فوجب إسقاط هذا الحديث، ولا يقدح ذلك في باقي أحاديث الراوي؛ لأنا لم نتحقق كذبه».
[ ١ / ٧٤ ]
ومنه أن ينسى الراوي بعض الأحاديث فيذاكره بها تلميذه فيحدث بها عن التلميذ، عن نفسه، من ذلك ما أخرجه الشافعي قال: أخبرنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمان، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة: أنَّ رسول الله ﷺ قضى باليمين مع الشاهد.
قال عبد العزيز: «فذكرت ذلك لسهيل، فقال: أخبرني ربيعة عني - وهو عندي ثقة - أني حدثته إياه ولا أحفظه» (^١).
فهذا يبين بجلاء شدة وثوق الشيخ بتلميذه، ويبين ورع الراوي الذي لم يتوان عن إظهار عدم حفظه لذاك الحديث، بل لم يستنكف الرواية عن تلميذه، مثل هذا الأمر لا تجده في غير هذه الأمة. وقد كتب بعض أهل العلم كراسًا في هذا المعنى (^٢).
«فالذهول والسهو لا ينفك عنهما البشر، وليس هذا مما يغضّ من رفيع مرتبة العالم وجلالة قدره، والعالم لا ينجو من السهو في المسائل العلمية، فكيف في التحرير والكتابة!» (^٣).
أيضًا «من طباع الناس أنَّ النفس البشرية لها إقبال وإدبار على حسب ما يعتريها من حزن أو فرح، أو مرض، أو قلة نوم وأرق، أو انشغال بالتفكير في أمر من الأمور، أو غير ذلك مما يجعل الراوي غير متهيئ ولا مُستجمع قواه للتحديث، وهذا ما يعبِّر عنه المحدِّثون بالكسل، وضده النشاط .. فربما ذكر المحدّث الحديث وهو في هذه الحال لمناسبة جرت لا على سبيل التحديث،
_________________
(١) " الأم " ٧/ ٦٢٧ ط. الوفاء.
(٢) انظر: " الكفاية ": ٣٨١.
(٣) مقدمة " ظفر الأماني ": ١٣.
[ ١ / ٧٥ ]
كفتوى، أو موعظة، أو سؤال عن ذلك الحديث .. فيذكر المحدث الحديث فينقص منه إما بإرساله وهو موصول أو بوقفه وهو مرفوع، أو يُسقط من سنده بعض رواته لا على سبيل التدليس، أو لا يسوق المتن بتمامه، أو غير ذلك مما يعتري الحديث من اختلاف … ربما أخذ بعض الرواة ذلك الحديث عن ذلك الشيخ في هذه الحال، فيرويه على ما فيه من نقص، وربما حدّث الشيخ بذلك الحديث في مجلس التحديث تامًا، فينشأ الاختلاف بين الرواة لهذا السبب، وربما لم يحدث الشيخ بذلك الحديث إلا في حال كسله، فيختلف مع أقرانه ممن شاركه في رواية ذلك الحديث، فنجد علماء الحديث يوفقون بين هذا الاختلاف بالإشارة إلى هذا السبب بعبارة يفهمها أهل الاختصاص» (^١).
وقد يصرّح العلماء بهذا السبب أحيانًا كقول ابن رجب: «وقال الأثرم - أيضًا - قال أبو عبد الله: ما أحسنَ حديثَ الكوفيين عن هشام بن عروة! أسندوا عنه أشياء. قال: وما أرى ذاك إلا على النشاط، يعني: أنَّ هشامًا ينشط تارة فيسند، ثم يرسل مرة أخرى» (^٢)، وقال الحافظ المنذري في توجيه حديثين: «ويمكن أنْ يقال: إنَّه تذكّر السماع بعد ذلك، فصرّح بالتحديث، أو أنَّ الراوي ينشط مرة فيسند، ويفتر مرة فلا يُسند، ويسكت عن ذكر الشخص مرة، ويذكره أخرى، لما يقتضيه الحال» (^٣).
هذه أهم آثار الضعف عند الإنسان، الخطأ والنسيان والكسل.