إنَّ الرعيل الأول من المتقدمين قد بلغوا في الحفظ والضبط والإتقان أقصى غاياته، وحفظوا الطرق ونقبوا أشد التنقيب؛ حتى بذلوا في خدمة السنَّة كل غال ونفيس. ومادامت السنة في صدورهم، ولعصر الرواية انتماؤهم، ولها ثبتت ملاحظتهم ومعايشتهم، فقد تأكد وعلى مرّ القرون - وبالنظر والموازنة والمقارنة - أنَّ أحكامهم في هذا الشأن أعلى الأحكام وأصحها؛ لشدة قربهم ومعاصرتهم للرواية، وقوة قرائحهم، وحفظهم مئات الألوف من الأسانيد، حتى أصبح السند الذي يشذ عن أحدهم عزيزًا نادرًا.
قال الذهبي: «وجزمت بأنَّ المتأخرين على إياس من أنْ يلحقوا المتقدمين في الحفظ والمعرفة» (^١).
ومع هذا الاتصاف بالحفظ التام والنظر الثاقب، امتازوا بالورع والديانة والمذاكرة بينهم في خدمة هذا الدين، عن طريق تنقية السنة من تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين.
وينبغي بادئ بدءٍ معرفة من هو المتقدم ومن هو المتأخر، فقد اختلف الباحثون في تحديد الفاصل بين المتقدم والمتأخر، لكنّ المشهور بين أهل العلم أنَّ المتقدمين من كانوا قبل سنة ثلاثمئة: «وهذا الرأي وجيه وله حظ من القوة، ففي تلك القرون عاش الجهابذة الذين كان لهم قصب السبق في حفظ السنة والذب عنها، وبيان صحيحها من معلولها، وكان لهم المؤلفات
_________________
(١) " تذكرة الحفاظ " ٣/ ٩٤٨.
[ ١ / ١١٧ ]
الضخمة في الحديث والرجال والعلل وغيرها، إلا أنَّه وجد بعد الثلاثمئة من الأئمة من سار على منهج المتقدمين وحذا على قواعدهم وطرائقهم، فهو ملحق بهم كالإمام الدارقطني والخطيب البغدادي وابن رجب وغيرهم» (^١).
ودار الأمر عند غيرهم بين المئة الرابعة والخامسة ليس غير. ومنهم من جعل المتقدمين أهل القرن الثاني إلى نهاية القرن الخامس الهجري، وجعل المتأخرين أهل القرن السادس إلى نهاية القرن الثالث عشر الهجري، ومن بعدهم من المعاصرين.
وهناك اتجاه آخر يقول: إنَّ هذا المنهج لا ينتهي بحدود الثلاثمئة ولا أقل ولا أكثر، فهو منهج تعرف ملامحه بالتطبيق العملي، والأصول المتبعة في طريقة الإعلال (^٢)، فالدارقطني أحد أصحاب منهج المتقدمين وهو بعد القرن الثالث.
وهناك أمور يمكن من خلالها معرفة منهج المتقدمين وهي:
١ - مداومة النظر في كتب الحديث والعلل.
٢ - فهم قواعد المصطلح التي قررها العلماء، ومعرفة أنَّ هذه المصطلحات أغلبية تقريبية.
٣ - التنبه على صيغ الجرح والتعديل واختلافها باختلاف اصطلاح الأئمة وطرقهم (^٣).
إنَّ الاختلاف الشديد في الحكم على الأحاديث والإعلال وغيرهما، هو نتيجة طبيعية للاختلاف في المنهج بين المتقدمين والمتأخرين.
وإنَّ مما يؤسف له أنَّ كثيرًا ممن ينتحل صناعة الحديث، ظن أنَّ هذه الصناعة قواعد مُطّردة كقواعد الرياضيات؛ فأصبح يعمل القواعد على ظواهر الأسانيد، ويحكم على الأحاديث على حسب الظاهر، بل ربما كان قصارى جهد أحدهم الحكم على الإسناد من خلال " تقريب " الحافظ ابن حجر أو ما أشبه ذلك، من غير مراعاة لما يلحق الرواية سندًا ومتنًا من ملابسات وعلل
_________________
(١) " مناهج المتقدمين في التعامل مع السنة تصحيحًا وتضعيفًا ": ٤.
(٢) انظر: مقال الشيخ سليمان العلوان: ٢.
(٣) انظر: مقال الشيخ عبد العزيز الطريفي: ٧ - ٨.
[ ١ / ١١٨ ]
وأخطاء واختلافات. وإننا لنلمح هذا كثيرًا حينما نجد تصحيحات المتأخرين تخالف إعلال المتقدمين، وبعد جمع طرق الحديث والنظر والتحليل مع الموازنة والمقارنة وإعادة الفكرة نجد الصواب مع المتقدمين، إنَّ ما فات المتأخرين كان بسبب إهمالهم لجمع الطرق، والفحص الشديد، وإعمال القواعد على ظاهرها، لكونها عامة مُطّردة باعتقادهم.
وإنَّ مما يفوت المتأخرين كثيرًا، قلة اهتمامهم بما يحف الرواية من اختلاف حال الثقة أو الصدوق أو الضعيف من حال إلى حال، ومن وقت إلى وقت، ومن مكان إلى مكان، وكما أنَّ حديث الثقة ليس كله صحيحًا، فكذلك حديث الضعيف ليس كله ضعيفًا بل منه ما يقوى، ومع أنا قد ابتلينا بكثرة تصحيح الأحاديث بمجرد النظر في الأسانيد أو إعمال القواعد، كذلك ابتلينا بالمبالغة في التصحيح بالشواهد والمتابعات، من غير بحث ونظر؛ خشية أنَّ تلك المتابعات والشواهد وهم وخطأ، فربما جاءنا طريق ضعيف من حديث أبي هريرة قوّيناه بسند آخر من حديث ابن عباس، مع أنَّ السند الثاني وهمٌ ناتج عن السند الأول.
ومن الأمثلة التي من خلالها يظهر لنا جليًا تباين منهج المتقدمين والمتأخرين حديث عيسى بن يونس، عن هشام بن حسّان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة مرفوعًا: «مَنْ ذرعَهُ القيءُ فليسَ عليه قضاءٌ، ومنِ استقاءَ فليقضِ».
أخرجه أحمد (^١)، والدارمي (^٢)، والبخاري (^٣)، وأبو داود (^٤)، وابن ماجه (^٥)، والترمذي (^٦)، والنسائي (^٧)، وابن الجارود (^٨)، وابن خزيمة (^٩)، والطحاوي (^١٠)،
_________________
(١) في " مسنده " ٢/ ٤٩٨
(٢) في " السنن " (١٧٣٦)
(٣) في " التاريخ الكبير " ١/ ٩٥ (٢٥١).
(٤) في " السنن " (٢٣٨٠).
(٥) في " السنن " (١٦٧٦).
(٦) في " الجامع الكبير " (٧٢٠).
(٧) في " الكبرى " (٣١٣٠) ط. العلمية و(٣١١٧) ط. الرسالة.
(٨) في " المنتقى " (٣٨٥).
(٩) في " صحيحه " (١٩٦٠) و(١٩٦١) بتحقيقي.
(١٠) في " شرح المعاني " ٢/ ٩٧ وفي ط. العلمية (٣٣٣٣) وفي " شرح المشكل "، له (١٦٨٠) وفي (تحفة الأخيار) (١٣٦٥).
[ ١ / ١١٩ ]
وابن حبان (^١)، والدارقطني (^٢)، والحاكم (^٣)، والبيهقي (^٤)، والبغوي (^٥) من طرق عن عيسى بن يونس، به.
وقد توبع عيسى بن يونس، تابعه حفص بن غياث عند ابن ماجه (^٦)، وابن خزيمة (^٧)، والحاكم (^٨)، والبيهقي (^٩).
هذا الحديث صححه المتأخرون منهم: ابن حبان، والحاكم فقال: «صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه»، والبغوي، وصححه أيضًا العلامة الألباني (^١٠)، والشيخ شعيب الأرناؤوط (^١١)، والدكتور بشار (^١٢)، بينما نجد جهابذة المتقدمين أعلوا هذا الحديث بالوقف، وعدوه من أوهام هشام بن حسّان، وأنَّ الصواب في الحديث الوقف. قال البخاري: «لا أراه محفوظًا» نقله عنه تلميذه الترمذي (^١٣)، وقال أبو داود: «سمعت أحمد يقول: ليس من ذا شيء، والصحيح في هذا عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر» (^١٤)، وقال البيهقي: «وبعض الحفاظ لا يراه محفوظًا» (^١٥)، ونقل الزيلعي عن " مسند إسحاق بن راهويه ": «قال عيسى بن يونس: زعم أهل البصرة أنَّ هشامًا وهم في هذا الحديث» (^١٦)، وقال الدارمي: «زعم أهل البصرة أنَّ هشامًا أوهم فيه، فموضع الخلاف هاهنا» (^١٧)، ووجه توهيم هشام بن حسّان: أنَّ الحديث
_________________
(١) في " صحيحه " (٣٥١٨).
(٢) في " السنن " ٢/ ١٨٤ ط. العلمية و(٢٢٧٣) ط. الرسالة.
(٣) في " المستدرك " ١/ ٤٢٦.
(٤) في " السنن الكبرى " ٤/ ٢١٩.
(٥) في " شرح السنة " (١٧٥٥).
(٦) في " السنن " (١٦٧٦).
(٧) في " صحيحه " عقب (١٩٦١) بتحقيقي.
(٨) في " المستدرك " ١/ ٤٢٦.
(٩) في " السنن الكبرى " ٤/ ٢١٩.
(١٠) في تعليقه على " صحيح ابن خزيمة " ٣/ ٢٢٦.
(١١) في تعليقه على " مسند أحمد " ١٦/ ٢٨٤.
(١٢) في تعليقه على " سنن ابن ماجه " ٣/ ١٧٢.
(١٣) " الجامع الكبير" عقب (٧٢٠).
(١٤) " السنن " عقب (٢٣٨٠).
(١٥) " السنن الكبرى " ٤/ ٢١٩.
(١٦) " نصب الراية " ٢/ ٤٤٩.
(١٧) " السنن " (١٧٢٩).
[ ١ / ١٢٠ ]
محفوظ موقوفًا، ورفعه وهم، توهم فيه هشام. قال البخاري: «ولم يصح، وإنَّما يروى هذا عن عبد الله بن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة رفعه، وخالفه يحيى بن صالح، قال: حدثنا يحيى، عن عمر بن حكيم بن ثوبان سمع أبا هريرة قال: «إذا قاء أحدكم فلا يفطر، فإنَّما يخرج ولايولج» (^١)، وهذا نظر عميق من البخاري في إعلال الرواية المرفوعة بالرواية الموقوفة، وإنَّ الوهم الذي دخل على هشام إنما كان بسبب رواية عبد الله بن سعيد المتروك، وقد وافق البخاريَّ على هذا الإعلال الإمامُ النسائيُّ فقد قال: «وقفه عطاء»، ثم ذكر الرواية الموقوفة (^٢)، وقد خالف الشيخ الألباني ذلك، فصحح الحديث (^٣) معتمدًا على متابعة حفص بن غياث - وهي عند ابن ماجه (^٤)، والحاكم (^٥)، والبيهقي (^٦) - لعيسى بن يونس قال: «وإنَّما قال البخاري وغيره: بأنَّه غير محفوظ؛ لظنهم أنَّه تفرد به عيسى بن يونس، عن هشام» (^٧).
قلت: وهذا بعيد جدًا؛ لأنَّه يستبعد عن الأئمة الحفاظ السابقين الذين حفظوا مئات ألوف من الأسانيد، أنهم لم يطلعوا على هذه المتابعة، فأصدروا هذا الحكم، بل إنَّ العلة عندهم هي وهم هشام، لا تفرد عيسى بن يونس كما صرّح به البخاري في تاريخه، وقد تقدم قول عيسى بن يونس في توهيم هشام، ونقله ذلك عن أهل البصرة، وإقرار الدارمي ذلك، ومما يدل على أنَّ المتابعة التي ذكرها الشيخ الألباني معروفة لديهم، أنَّ أبا داود الذي سأل الإمام أحمد بن حَنْبل عن حديث هشام، قد أشار إلى متابعة حفص لعيسى، إذ قال: «ورواه أيضًا حفص بن غياث، عن هشام مثله» (^٨).
إذن فإعلال جهابذة المحدثين ومنهم: أحمد والبخاري والدارمي
_________________
(١) "التاريخ الكبير " ١/ ٩٥ (٢٥١) ..
(٢) " السنن الكبرى " عقب (٣١٣٠) ط. العلمية.
(٣) في تعليقه على " صحيح ابن خزيمة " ٣/ ٢٢٩.
(٤) في " سننه " (١٦٧٦).
(٥) في " المستدرك " ١/ ٤٢٦.
(٦) في " السنن الكبرى " ٤/ ٤٢٩.
(٧) " إرواء الغليل " ٤/ ٥٢ (٩٢٣).
(٨) " سنن أبي داود " عقب (٢٣٨٠).
[ ١ / ١٢١ ]
والنسائي -وَهُمْ مَنْ هُمْ في الحفظ والإتقان -لا ينفعه ولا يضره تصحيح المتأخرين.
وبناءً على هذا الاختلاف ظهرت أسباب للتباين بين منهجي المتقدمين والمتأخرين، أو سمات يتسم كل منهج ببعض منها:
١ - إنَّ المتأخرين في نقدهم الحديث لا يحيطون بجميع أحوال الراوي، فالراوي ثقة كان أم غير ثقة، له حالات مخصوصة في شيوخه أو في روايته عن أهل بلد معين. بخلاف المتقدمين فهم يراعون أحوال الرواة الثقات في شيوخهم أو في روايتهم عن أهل بلد معين، أو إذا حدثوا من حفظهم (^١).
٢ - يغلب على منهج المتأخرين الاعتماد على ضوابط، جعلها كثير من المعاصرين طريقًا سهلًا يختصر عليهم عناء الحفظ، ويطوي عنهم بساط الاستقراء والتتبع والممارسة .. بخلاف المتقدمين فإنَّ أحكامهم تقوم على السبر والتتبع والاستقراء في التصحيح والتضعيف، والتوثيق والتجريح، والتعليل .. مع الحفظ وكثرة المدارسة والمذاكرة .. (^٢)
٣ - قعّد المتأخرون قواعد نظرية ثم طرّدوها، وقد يختلفون هم أنفسهم في هذه القواعد، أما المتقدمون فالقاعدة عندهم الترجيح بالقرائن عند الاختلاف بين الرواة في الوصل والإرسال، أو الرفع والوقف، أو الزيادة والنقص .. وهي مبنية على التأمل الدقيق في أحوال الرواة المختلفين والمتن المروي، وهذا الأمر يستدعي بحثًا دقيقًا، ونظرًا متكاملًا، وتأملًا قويًا، والمعينُ على ذلك سعة الحفظ، وقوة الفهم، والقرب من عصر الرواية (^٣).
٤ - من الأمور التي جعلت التباين كبيرًا بين منهجي المتقدمين والمتأخرين أنَّ المتأخرين قد بالغوا في تصحيح الأحاديث وتقويتها بالشواهد والمتابعات، حتى أسرف بعض المعاصرين، فقوّى الخطأ بالخطأ فصار عنده
_________________
(١) انظر: مقال الشيخ محمد بن عبد الله القناص: ٣.
(٢) انظر: مقال الشيخ ناصر الفهد: ٣.
(٣) انظر: مقال الشيخ محمد بن عبد الله القناص: ٣، ومقال الشيخ تركي الغميز: ١.
[ ١ / ١٢٢ ]
صوابًا، بخلاف المتقدمين فإنَّ تقوية الحديث بالمتابعات والشواهد له ضوابط، من أبرزها التأكد من كونها محفوظة وسالمة من الخطأ والوهم .. (^١).
٥ - المتأخرون - وبخاصة (^٢) المعاصرين - يُعلون رواية المدلس حتى لو لم
يثبت تدليسه في ذلك الحديث خاصة (^٣)، بخلاف المتقدمين فإنَّهم لا يُعلون رواية المدلس إلا إذا ثبت تدليسه، فالتدليس عند المتأخرين هو العنعنة، ومن ثم يحكمون على عنعنة المدلس بالضعف، أما المتقدمون فيفرقون بين العنعنة والتدليس، ولذلك لا يضعفون رواية المدلس بمجرد العنعنة (^٤).
٦ - ومما يختلف فيهِ الحال بين منهجي المتقدمين والمتأخرين، ما أحدث مؤخرًا من قولهم: «صحيح على شرط الشيخين»، أو «على شرط الشيخين»، أو «على شرط البخاري»، أو «على شرط مسلم»، وهذه البلية أول من أظهرها الحاكم في مستدركه، ثم انتشرت قليلًا بين المتأخرين حتى شاعت عندَ بعض عصريينا. وعند استخدامهم لهذه الطريقة أو المصطلح يشار به إلى أنَّ شرط الشيخين معروف لكل الناس. وهو أمر خلاف الواقع؛ لأنَّ من
_________________
(١) انظر: مقال الشيخ تركي الغميز: ٣، وقد أُلف في هذا الباب كتاب " الإرشادات في تقوية الأحاديث بالشواهد والمتابعات " للشيخ أبي معاذ طارق بن عوض الله بن محمد دل فيه على علم جم وفهم غائص. فلينظر.
(٢) وردت في القرآن في سورة الأنفال: ٢٥: «واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة». ولكنهم يستخدمونها بمعنى «لا سيما» وتأتي كما في الآية، أو «وخاصة» مع الواو، أو (وبخاصة) مع الواو والباء. واستخدامها مع الباء هو الأفصح، أما تخريج إعرابها كالتالي: ١. خاصة: تعرب حالًا منصوبة، وما بعدها مفعول به، وفي «خاصة» فاعل مستتر. = = … ٢. وخاصة مع الواو: تعرب مفعولًا مطلقًا أو نائبه، لفعل محذوف «أخص». ٣. بخاصة مع الباء: تعرب خبرًا مقدمًا وما بعدها مبتدأ مؤخرًا. انظر: " معجم الشوارد النحوية ": ٢٨٤ - ٢٨٥.
(٣) ولا نعني بهذا أننا لا نرد عنعنة المدلس مطلقًا، بل إننا نفرق بين مكثر في التدليس فنعل ما عنعن فيه، وبين مقل في التدليس احتمل الأئمة المتقدمون عنعنته كالسفيانين وهشيم وقتادة فنقبل عنعنة هؤلاء ونظرائهم ما لم يُزد رجل عند جمع الأسانيد أو يكون الحديث منكرًا أو نجد في بعض الطرق أخبرت أو نُبئت.
(٤) انظر: مقال الشيخ سليمان العلوان: ١.
[ ١ / ١٢٣ ]
حاول هذا لم يحاوله إلا عن طريق الاستقراء، كما فعل بعض من كتب في شروط الأئمة الستة أو الخمسة، وإنَّ الحق الذي نعتقدهُ، ولا يتخللهُ شك، أنا لا نستطيع الجزم بالطريقة التي تم بها انتقاء الشيخين البخاريِّ ومسلم أحاديث كتابيهما، فنحن لا نعلم كيف انتقى البخاري من حديث سفيان، أو الزهري، أو يزيد بن زريع، ولا ندري كيف انتقى من أحاديث سالم أو غيره من الثقات الأثبات، ثم إنا نجزم بأنهما لم يريدا استيعاب جميع ما رواه الثقة، بل ليس كل ما رواه الثقة صحيحًا.
إذن فصنيع الشيخين في أحاديث الثقات صنيع انتقائي وليس شموليًا، ونحن لا نعرف الأسس التي عليها انتقى الشيخان أحاديث هؤلاء الثقات.
وما دام الأمر كذلك: فإن قصورنا يكون أكثر وعجزنا يكون أكبر، أما طريقة انتقاء الشيخين من حديث مَنْ في حفظهم شيءٌ مثل: إسماعيل بن أبي أويس، والحسن بن ذكوان، وخالد بن مخلد القطواني ففيه رد لقول أبي الحسن المقدسي عمن أخرج له الشيخان: «هذا جازَ القَنْطَرةَ» (^١)؛ لأن بعض الضعفاء قد يصحّ حديثهم؛ لمتابعة الثقات لهم، لا لأنَّهم مُحْتَجّ بهم.
قالَ الحافظ ابن حجر: «وروينا في مناقب البخاري بسند صحيح، أنَّ إسماعيل أخرج لهُ أصوله، وأذن له أنْ ينتقي منها وأن يُعلِّم لهُ على ما يحدث به ليحدث به، ويعرض عما سواه، وهو مُشعر بأن ما أخرجه البخاري عنه هو من صحيح حديثه؛ لأنَّه كتب من أصوله، وعلى هذا لا يحتج بشيء من حديثه غير ما في الصحيح من أجل ما قدح فيه النسائي وغيره إلا إنْ شاركه فيه غيره فيعتبر فيه» (^٢).
وقال الزيلعي: «بل خرّج في الصحيح لخلق ممن تكلم فيهم، ومنهم جعفر بن سليمان الضبعي، والحارث بن عبيد الإيادي، وأيمن بن نابل الحبشي، وخالد بن مخلد القطواني، وسويد بن سعيد الحدثاني، ويونس بن أبي إسحاق السبيعي، وغيرهم، ولكن صاحبا الصحيح -رحمهما الله- إذا
_________________
(١) " الاقتراح ": ٢٨٣.
(٢) " هدي الساري ": ٥٥٧.
[ ١ / ١٢٤ ]
أخرجا لمن تكلم فيهِ، فإنهم ينتقون من حديثه …» (^١).
ومن الأضرار والمفاسد التي تنجم عن استخدام مصطلح: (على شرط الشيخين)، أو (على شرط أحدهما)، هوَ تصحيح جميع الأحاديث المروية عن الرجال الذينَ أخرجا لهم مجتمعينِ أو منفردينِ وهو أمر خطير، إذ ليس جميع الأحاديث التي رجالها رجال الشيخين ترتقي إلى هذه المرتبة، بل ربما كانَ منها ما هوَ مُعَلّ بعلل قادحة، سواء كانت ظاهرة أم خفية.
ومع كل ما ذكر: فإنَّ بعضهم يتساهل في مجرد كونهم من رواة الشيخين، ولا يبالي بكيفية تخريج الشيخين للرواة، أعني: برواية الواحد عن الآخر، كمن خلط في رواية هشيم، عن الزهري، وصحح على مقتضاها بأنَّها على شرط الشيخين، والصحيح أنَّ البخاري ومسلمًا لم يخرجا عن الزهري من طريق هشيم، وكذلك سماك، عن عكرمة، وأمثال ذَلِكَ كثير مما حصل فيهِ خطأ وخلط للمتأخرين غير قليل، قال الحافظ ابن عبد الهادي: «واعلم أنَّ كثيرًا ما يروي أصحاب الصحيح حديث الرجل عن شيخ معين لخصوصيته به ومعرفته بحديثه وضبطه له، ولا يخرجون حديثه عن غيره؛ لكونه غير مشهور بالرواية عنه، ولا معروف بضبط حديثه، أو لغير ذلك، فيجيء من لا تحقيق عنده فيرى ذلك الرجلَ المخرَّج له في الصحيح قد روى حديثًا عمن خُرِّج له في الصحيح من غير طريق ذلك الرجل فيقول: هذا على شرط الشيخين، أو: على شرط البخاري، أو: على شرط مسلم؛ لأنهما احتجا بذلك الرجل في الجملة، وهذا فيه نوعُ تساهلٍ؛ فإنَّ صاحبي الصحيح لم يحتجا به إلا في شيخ معين لا في غيره، فلا يكون على شرطهما ..» (^٢).
ومن أعظم المفاسد لاستخدام مصطلح «على شرط الشيخين»، أننا سنقوم بإلغاء مبدأ الانتقاء، ثم نقوم بتصحيح أحاديث مَنْ في حفظهم شيءٌ من رجال الصحيحين؛ لذا ربما أتى المتأخر فصحح أحاديث هؤلاء وغيرهم بحجة
_________________
(١) " نصب الراية " ١/ ٣٤١.
(٢) " الصارم المنكي ": ٢٥٦.
[ ١ / ١٢٥ ]
أنهم على شرط الشيخين، وهذا بلا شك مخالف لصنيع المتقدمين؛ بل هوَ نسف لقواعدهم.
٧ - هناك أمور أخرى مما اختلف فيه المتأخرون عن المتقدمين مثل الانقطاع، فالمتأخرون يحكمون على كل حديث منقطع بالضعف، بخلاف المتقدمين فإنَّهم يولونه عناية كبيرة.
وكذا رواية المجهول، فالمتأخرون يردون مجهول العين ويقبلون مجهول الحال في الغالب ولهم في ذلك كلام، أما المتقدمون فلا يقبلونه مطلقًا ولا يردونه مطلقًا ولا يجعلون مجرد الجهالة علة للحديث. وهكذا رواية المبتدع، فالمتأخرون - ولاسيما المعاصرين (^١) - لا يقبلون رواية المبتدع، بخلاف المتقدمين فهم يقبلون روايته مطلقًا (^٢).
هذا والنتائج المترتبة على الاختلاف بين منهجي المتقدمين والمتأخرين عظيمة، وهي خطر على سنة النبي ﷺ.
وتجدر الإشارة إلى أنَّ هناك دعوة إلى نبذ قواعد المتأخرين في مصطلح الحديث والأخذ من كتب المتقدمين (^٣)؛ لأنَّ الإخلال بمنهج المتقدمين مرده إلى قصورٍ في الفهم أو تركه على سبيل القصد والتعمد، وهذا أيضًا غلوٌ وإسراف؛ إذ لا بد من الإفادة من جهود المتأخرين والمعاصرين، وإنَّ من لوازم الإبداع العلمي هو أن يبدأ الإنسان من حيث انتهى غيره، لا أن يبدأ من حيث بدؤوا مع ضرورة الموازنة والمقارنة بين كلام المتقدمين والمتأخرين.
إذن لزمنا أن نتبع المنهج العلمي الذي سار عليهِ جهابذة هذا الفن من أهل الحديث من العلماء الأوائل أصحاب القرون الأولى الذين حفظوا لنا
_________________
(١) في الاسم الواقع بعد (ولا سيما) أعاريب، فإن كان نكرة جاز فيه ثلاثة وجوه: (الرفع، والجر، والنصب)، أما إنْ كان ما بعدها معرفة جاز فيه وجهان: (الرفع، والجر) ويمتنع النصب؛ لأنَّ التمييز لا يكون معرفة. انظر: " معجم الشوارد النحوية ": ٣٣٤.
(٢) انظر: مقال الشيخ سليمان العلوان: ٢ - ٣.
(٣) انظر: مقال الشيخ عبد الكريم الخضير: ٢.
[ ١ / ١٢٦ ]
تراث سنة نبينا ﷺ، إذ إنَّهم حفظوا لنا السنة برمتها في صدورهم ودواوينهم.
ثم إنهم قد رسموا لمن جاء بعدهم طريقًا واضحًا بينًا سليمًا، يمتاز بالدقة والنظر التام.
فعلى المتأخرين أنْ يلتزموا أقوال المتقدمين، وطريقة سردهم للأحكام، ونقدهم لطرق الحديث ومتونه، على أن لا يغفل عن جهود الآخرين من المتأخرين والمعاصرين، والله وليُّ التوفيق.
وإنَّ مما يؤكد لنا صحة منهج المتقدمين، أنهم جمعوا الأحاديث وسبروا الطرق، وحكموا على المتون والرجال بعد معاودة النظر والمذاكرة والبحث والموازنة والمقارنة والنظر الثاقب بعين الإنصاف. ثم بعد كل هذا الجهد، عرضوا هذه الأحكام وتلكم النتائج على ما حفظوه من ثروة هائلة من تراث هذه الأمة. وهذه الثروة تتمثل بحفظ الجم الغفير من المتون والأسانيد المتكررة التي بلغت مئات ألوف من الأسانيد وعشرات الألوف من المتون، حتى انتهوا إلى أحكامهم الصحيحة التي توصلوا إليها بعد إفراغ جهدهم، فكانت أحكامهم صادرة نتيجة دراسات وأبحاث قلَّ نظيرها مع دقة الميزان النقدي الذي تمتعوا به؛ لكثرة حفظهم للأحاديث، واعتيادهم عليها، واختلاطها بدمهم ولحمهم، بل إنَّ ما يحكمون عليهِ من الأحاديث لم يكونوا يعرضونه على ما حفظوه من أسانيد فحسب، بل يعرضونه كذلك على ما رزقهم الله به من معرفة واسعة في الفقه، قال علي بن المديني: «التفقه في معاني الحديث نصف العلم، ومعرفة الرجال نصف العلم» (^١)، فهم لم يكونوا محدّثين فقط بل كانوا فقهاء محدّثين، والفقه عندهم ضروري؛ إذ كيف يحكمون على الحديث، وعدم المخالفة القادحة شرط، والمخالفة ليست قاصرة على مخالفة الحديث لحديث آخر، بل هي أوسع، فمن ذَلِكَ المخالفة لآية أو إجماعٍ أو قاعدةٍ متفق عليها، وما أشبه ذَلِكَ من المخالفات.
_________________
(١) أخرجه: الرامهرمزي في " المحدّث الفاصل " (٢٢٢)، ومن طريقه الذهبي في "سير أعلام النبلاء" ١١/ ٤٧ - ٤٨.
[ ١ / ١٢٧ ]
وإنَّ من أوجب الواجب على المتأخرين أنْ يحاولوا فهم كلام المتقدمين في الإعلال، ومع هذا ليس كل أحد منا يستطيع أنْ يعلل أحكامهم، ويفهم سبب ما ذهبوا إليه، إلاَّ من رزقه الله فهمًا واسعًا واطلاعًا كبيرًا، واعتاد على معاودة النظر في كلام الأئمة المجتهدين من أهل الحديث، ثم أمعن النظر في كتب العلل والرجال والتخريج، مع ممارسته النقد والإعلال.
ولما كانَ الأمر كذلك، وجب تقديم منهج المتقدمين على المتأخرين. ولا سيما عندَ اجتماع كبرائهم على أمر في التصحيح والتضعيف والتجريح. وأقوال المتقدمين ثمينة غالية لا ينبغي التفريط بها وإهمالها بحجة الاكتفاء باتباع القواعد التي في كتب المصطلح.
ورُبّ سائلٍ يسأل: متى يسعنا مخالفة المتقدمين؟
وجوابه: أننا يحق لنا ويسعنا أنْ نخالف المتقدمين إذا اختلفوا، وتباينت وجهات نظرهم، فعندها ننظر إلى الأدلة والأسباب والقرائن والمرجحات، ونعمل الرأي والاجتهاد نحو طريقتهم بجنس مرجحاتهم وقرائنهم وقواعدهم التي ساروا عليها.
هذا مع إيماننا العميق بأنَّ التصحيح والتضعيف من الأمور الاجتهادية التي تباينت فيها القدرات العلمية، والمكانة التي يتمثل بها الناقد، مع المقدرات الذهنية وظهور المرجحات والقرائن لكل واحد.
أخيرًا أقول: إنَّ المتقدمين هم الأصل وعليهم المعوّل، وإنَّ المتأخرين عالة عليهم في هذا العلم.