إنَّ من أنواع التحمل ما يكون سببًا في وقوع العلة، والمذاكرة هي نوع من أنواع تحمّل الحديث، فعن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: «تذاكروا الحديث؛ فإنَّ الحديث يهيج الحديث» (^٢)، وعن علي ﵁، قال: «تزاوروا وأكثروا ذكر الحديث؛ فإنَّكم إنْ لم تفعلوا يندرس الحديث» (^٣)، وعن ابن مسعود ﵁، قال: «تذاكروا الحديث؛ فإنَّ حياته المذاكرة» (^٤).
وللمذاكرة فوائد عظيمة، فبها ينشرح صدر المحدّث للتحديث، وتذكر فيها غالب طرق الحديث الواحد وغير ذلك.
ولكن يحصل فيها نوع من التساهل قال ابن رجب: «والمذاكرة يحصل فيها تسامح، بخلاف حال السماع أو الإملاء» (^٥)، وقال الذهبي: «إذا قال: حدثنا فلان مذاكرة، دلّ على وهن ما؛ إذ المذاكرة يتسمح فيها» (^٦) فيجب الحذر عند تحمل الحديث في المذاكرة، لذلك كان الجهابذة يمنعون الناس
_________________
(١) " الكواكب النيرات " (٣٩).
(٢) " معرفة علوم الحديث ": ١٤٠ ط. العلمية و(٣٦٠) ط. ابن حزم.
(٣) " معرفة علوم الحديث ": ١٤١ ط. العلمية و(٣٦١) ط. ابن حزم.
(٤) " معرفة علوم الحديث ": ١٤١ ط. العلمية و(٣٦٢) ط. ابن حزم.
(٥) " شرح علل الترمذي " ١/ ٤٤٢ ط. عتر و٢/ ٦٤٦ ط. همام.
(٦) " الموقظة ": ٦٤.
[ ١ / ١٠٤ ]
من تحمّل أحاديثهم إنْ كان ما تحمّلوه مذاكرة - إلا بعد إعلامهم - قال الخطيب: «إذا أورد المحدّث في المذاكرة شيئًا أراد السامع له أنْ يدونه عنه، فينبغي له إعلام المحدّث ذلك؛ ليتحرى في تأدية لفظه وحصر معناه» (^١)، وكره جماعة من المحدّثين التحمل عنهم حال المذاكرة، نقل الخطيب عن عبد الرحمان بن مهدي، قال: «حرام عليكم أنْ تأخذوا عني في المذاكرة حديثًا؛ لأني إذا ذاكرت، تساهلت في الحديث» (^٢)، وقال ابن المبارك وتابعه أبو زرعة وإبراهيم بن موسى على قوله: «لا تحملوا عني في المذاكرة شيئًا» (^٣).