وهو آفة عقلية تورث فسادًا في الإدراك، وتصيب الإنسان في آخر عمره، أو تعرض له بسبب حادث لفقد عزيز أو ضياع مال، ومن تصبه هذه الآفة لكبر
_________________
(١) " الكامل " ٥/ ٤٩.
(٢) " التقريب " (٢٧٨٧).
(٣) " الجرح والتعديل " ٧/ ٤٣١ (١٧٣٩).
(٤) انظر: " العلة وأجناسها ": ١٦٠.
(٥) انظر: " سير أعلام النبلاء " ١١/ ٥٤٣.
[ ١ / ٨٥ ]
سنه يقال فيه: اختلط بأخرة (^١).
وهو غير التخليط، فالأخير خلل يعرض في ضبط الراوي في حال الصحة وليس لطارئ معين، من ذلك ما نقله ابن أبي حاتم عن أبيه في أحمد بن عبد الرحمان قال: «كتبنا عنه، وأمره مستقيم، ثم خلط بعد، ثم جاءني خبره أنه رجع عن التخليط، قال: وسئل أبي عنه بعد ذلك، فقال: كان صدوقًا» (^٢)
ويجدر بالذكر أنَّ الاختلاط قد يكون علة ظاهرة، لكن وقت سماع الراوي ممن اختلط ربما كان خفيًا، وهو العلة الخفية.
واستطاع جهابذة المحدّثين تحديد الفترة الزمنية الَّتِيْ دخل فِيْهَا الاختلاط عَلَى هَذَا الرَّاوِي، كَمَا حددوا اختلاط إسحاق بن راهويه (^٣) بخمسة أشهر، فَقَالَ أبو داود (^٤): «تغيّر قَبْلَ أن يموت بخمسة أشهر، وسمعتُ مِنْهُ في تِلْكَ الأيام
_________________
(١) يقال: (تغيّر بآخِرِهِ) بمد الهمزة وكسر الخاء والراء بعدها هاء. و: (تغيّر بآخِرَة) بمد الهمزة أيضًا وكسر الخاء وفتح الراء، بعدها تاء مربوطة، و: (تغيّر بأَخَرَة) بفتح الهمزة والخاء والراء، وبعدها تاء مربوطة. وكلها معناها: اختلّ ضبطه وحفظه في آخر عمره. انظر: " قواعد في علوم الحديث ": ٢٤٩.
(٢) " الجرح والتعديل " ٢/ ١٨ - ١٩ (٩١).
(٣) إسحاق بن إبراهيم بن مُحَمَّد الحنظلي، المروزي، أَبُو يعقوب المعروف بابن راهويه، الإِمَام الحَافِظ الكبير، محدث خراسان سكن نيسابور، قرين أحمد بن حنبل، ولد سنة (١٦١ هـ)، وَقِيْلَ: (١٦٦ هـ)، ومات سنة (٢٣٨ هـ)، لَهُ " المسند ". انظر: " حلية الأولياء " ٩/ ٢٣٤، و" سير أعلام النبلاء " ١١/ ٣٥٨، و" طبقات الفقهاء ": ١٠٨. قال الفيروزأبادي في " تحفة الأبيه فيمن نسب إلى غير أبيه " المطبوع ضمن " نوادر المخطوطات ": ١١٣: «إسحاق بن راهويه بفتح الهاء والواو ثم ياء مثناة تحتية، ويقال: بضم الهاء وسكون الواو وفتح الياء، وهذه قليلة، وهما لغتان في كل اسم خُتم بـ (وَيْه) كسيبويه وعمرويه وبحرويه وغيرها، ويجوز فيه البناء والإعراب: هذا راهويهِ، ورأيت راهويهِ، ومررت براهويهِ. وهذا راهويهٌ، ورأيت راهويهًا، ومررت براهويهٍ. ولك أنْ تعربه غير منصرف فتقول: هذا راهويهُ، ورأيت راهويهَ، ومررت براهويهَ».
(٤) هُوَ سليمان بن الأشعث بن شداد الأزدي السجستاني صاحب السنن، قَالَ إبراهيم الحربي: أُلين لأبي داود الْحَدِيْث كَمَا ألين لداود الحديد، ولد سنة (٢٠٢ هـ)، وتوفي سنة (٢٧٥ هـ). انظر: "وفيات الأعيان " ٢/ ٤٠٤، و" سير أعلام النبلاء " ١٣/ ٢٠٣، و" العبر " ٢/ ٦٠.
[ ١ / ٨٦ ]
ورميت به» (^١). وكذلك حددوا وقت اختلاط جرير بن حازم (^٢)، قَالَ أبو حاتم (^٣): «تغيّر قَبْلَ موته بسنة» (^٤). وحددوا وقت اختلاط سعيد بن أبي سعيد المقبري (^٥)،
قَالَ ابن سعد (^٦): «ثقة، إلا أنَّه اختلط قَبْلَ موته بأربع سنين» (^٧).
_________________
(١) " تاريخ بغداد " ٦/ ٣٥٥ وفي ط. الغرب ٧/ ٣٧٤. وانظر: "تهذيب الكمال" ١/ ١٧٨ (٣٢٦)، و" ميزان الاعتدال " ١/ ١٨٣ (٧٣٣)، و" المختلطين ": ٩ (٦)، و" الاغتباط ": ٣ (٨)، و" الكواكب النيرات ": ٨٩ (٤).
(٢) هُوَ جرير بن حازم بن زيد الأزدي، أبو النضر البصري: ثقة لَكِنْ في حديثه عن قتادة ضعف وله أوهام إِذَا حدّث من حفظه. انظر: " الجرح والتعديل " ٢/ ٤٣٦ (٢٠٧٩)، و" سير أعلام النبلاء " ٧/ ٩٨، و" التقريب " (٩١١).
(٣) هُوَ الإمام البارع مُحَمَّد بن إدريس، أبو حاتم الرازي الحنظلي ولد سنة (١٩٥ هـ)، وتوفي سنة (٢٧٧ هـ). انظر: " تاريخ بغداد " ٢/ ٧٣ وفي ط. الغرب ٢/ ٤١٤، و" سير أعلام النبلاء " ١٣/ ٢٤٧، و" العبر " ٢/ ٦٤.
(٤) " الجرح والتعديل ٢/ ٥٠٥ (٢٠٧٩)، وانظر: " المختلطين " ١٦ (٨)، و" الاغتباط ": ٤٦ (١٧)، و" الكواكب النيرات ": ١١١ (١١).
(٥) الإِمَام المحدّث الثقة: أبو سعد سعيد بن أبي سعيد كيسان الليثي، مولاهم، المدني المقبري، كَانَ يسكن بمقبرة البقيع ونسب إِلَيْهَا. توفي سنة (١٢٥ هـ) وَقِيْلَ: سنة (١٢٣ هـ) وَقِيْلَ غَيْر ذَلِكَ وَكَانَ من أبناء التسعين. انظر: " تهذيب الكمال " ٣/ ١٦٦ (٢٢٦٨)، و" سير أعلام النبلاء " ٥/ ٢١٦، و" ميزان الاعتدال " ٢/ ١٣٩ (٣١٨٧).
(٦) مُحَمَّد بن سعد بن منيع، الحَافِظ، أبو عَبْد الله وَقِيْلَ: أبو سعد، البصري، كاتب الواقدي، سكن بغداد وظهرت فضائله، وَكَانَ كَثِيْر الْحَدِيْث والرواية كَثِيْر الكتب صنف كتابًا كبيرًا في طبقات الصَّحَابَة والتابعين والخالفين إِلَى وقته، توفي سنة (٢٣٠ هـ). انظر: " تاريخ بغداد " ٥/ ٣٢١ وفي ط. الغرب ٣/ ٢٦٦، و" تهذيب الكمال " ٦/ ٣٢٠ (٥٨٢٨)، و" تاريخ الإسلام ": ٣٥٥ وفيات (٢٣٠ هـ).
(٧) " الطبقات الكبرى " (القسم المتمم): ١٤٧. وانظر: " سير أعلام النبلاء " ٥/ ٢١٧، و" المختلطين ": ٣٩ (١٧)، و" الاغتباط ": ٦١ (٤٤). وذكر الحافظ في "هدي الساري": ٥٧٥: أنَّ الواقدي زعم أنَّ المقبري اختلط قبل موته بأربع سنين، وقال: «وتبعه ابن سعد ويعقوب بن شيبة وابن حبان وأنكر ذلك غيرُهم ..».
[ ١ / ٨٧ ]
فالاختلاط قد يطرأ على كثير من رواة الحديث النبوي، مما يؤثر على روايته فتصبح فيها علة، ومعرفة المختلطين من غيرهم أمر شاق على علماء العلل، فكان المحدّثون يسمعون الحديث من الراوي مرارًا حتى يعرفوا هل خلط فيه أو لا، قال حماد بن زيد: «ما أبالي من خالفني إذا وافقني شعبة؛ لأنَّ شعبة كان لا يرضى أنْ يسمع الحديث مرة» (^١) أي: يعاود صاحبه مرارًا. ومما يذكر في معاودة الراوي والسماع منه، ما حصل لمروان بن الحكم: أنَّه استدعى أبا هريرة ﵁ وأجلس كاتبه أبا الزعيزعة خلف السرير دون أنْ يعلم أبو هريرة، وجعل يسأله وأبو الزعيزعة يكتب، فلما حال الحول، دعا مروان أبا هريرة وأجلس أبا الزعيزعة من وراء حجاب، وجعل يسأله عما سأله عنه سابقًا من ذلك الكتاب، فأجاب دون تقديم ولا تأخير (^٢).
وأحيانًا كان الناقد يدخل على الراوي ليختبره فيقلب عليه الأسانيد والمتون، ويلقنه ما ليس من روايته، فإنْ لم ينتبه الشيخ لما يراد به، فإنَّه يعد مختلطًا ويعزف الناس عن الرواية عنه (^٣). قال الدكتور همام عبد الرحيم
: «ولكن بصيرة الناقد ويقظة المجتمع ليس لهما تلك القدرة التي تحدد ساعات بدء الاختلاط، إذ الاختلاط حالة عقلية تبدأ خفية ثم يتعاظم أمرها بالتدريج، وبين الخفاء والظهور يكون المختلط قد روى أحاديث تناقلها الثقات عن
الثقات، وما دروا أنهم أخذوها عن الثقة ولكن في اختلاطه» (^٤).
وَقَدْ قسّم الْمُحَدِّثُوْنَ المختلطين من حَيْثُ تأثير الاختلاط في قبول
_________________
(١) " الجرح والتعديل " ١/ ١٥٦ المقدمة.
(٢) انظر: " المستدرك " ٣/ ٥١٠، و" تاريخ دمشق " ٧١/ ٢٥٣، و" سير أعلام النبلاء " ٢/ ٥٩٨، و" الإصابة " ٦/ ٢٧٧ (١٠٦٦٧) وانظر ترجمة أبي الزعيزعة في " تاريخ دمشق " ٢٢/ ٦٢.
(٣) انظر المثال على ذلك: " المحدّث الفاصل " (٤٠٨).
(٤) مقدمة " شرح علل الترمذي " ١/ ١٠٥ ط. همام.
[ ١ / ٨٨ ]
مروياتهم عَلَى ثلاثة أقسام، قَالَ العلائي (^١): «أما الرُّوَاة الَّذِيْنَ حصل لَهُم الاختلاط في آخر عمرهم فهم عَلَى ثلاثة أقسام:
أحدها: من لَمْ يوجب ذَلِكَ لَهُ ضعفًا أصلًا، وَلَمْ يحط من مرتبته؛ إما لقصر مدة الاختلاط وقلَّتِهِ كسفيان بن عيينة (^٢)، وإسحاق بن إبراهيم بن راهويه، وهما من أئمة الإسلام المتفق عليهم؛ وإما لأنَّه لَمْ يروِ شيئًا حال اختلاطه، فسلم حديثه من الوهم كجرير بن حازم (^٣)، وعفّان بن مُسْلِم (^٤)، ونحوهما.
ثانيها: من كَانَ مُتَكلَّمًا فِيْهِ قَبْلَ الاختلاط، فَلَمْ يحصل من الاختلاط إلا زيادة في ضعفه؛ كابن لهيعة (^٥)، ومحمد بن جابر السُّحيمي (^٦)، ونحوهما.
ثالثها: من كَانَ محتجًا بِهِ، ثُمَّ اختلط، أو عُمِّر في آخر عمره، فحصل الاضطراب فِيْمَا رَوَى بَعْدَ ذَلِكَ، فيتوقف الاحتجاج بِهِ عَلَى التمييز بَيْنَ ما حدّث بِهِ قَبْلَ الاختلاط عما رَوَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ» (^٧).
_________________
(١) هُوَ خليل بن كيكلدي بن عَبْد الله العلائي الدمشقي، محدث فاضل، ولد في دمشق سنة (٦٩٤ هـ)، وتوفي في القدس سنة (٧٦١ هـ)، من مصنفاته " جامع التحصيل " و" نظم الفرائد " وغيرهما. انظر: " شذرات الذهب" ٦/ ١٩٠، و" الأعلام " ٢/ ٣٢١ - ٣٢٢.
(٢) ينظر في هَذَا " مَعْرِفَة أنواع علم الْحَدِيْث ": ٤٩٧ بتحقيقي، مع التعليق عَلَيْهِ.
(٣) انظر: " الجرح والتعديل " ٢/ ٤٣٧ (٢٠٧٩).
(٤) هُوَ أبو عثمان، عفان بن مُسْلِم بن عَبْد الله الصفار البصري سكن بغداد: ثقة، توفي سنة (٢١٩ هـ)، وَقِيْلَ: (٢٢٠ هـ). انظر: " الثقات " ٨/ ٥٢٢، و" تهذيب الكمال " ٥/ ١٨٧ (٤٥٥٣)، و" تهذيب التهذيب " ٧/ ٢٣٠.
(٥) هُوَ أَبُو عَبْد الرحمان المصري، عَبْد الله بن لهيعة بن عقبة الحضرمي الفقيه، قاضي مصر: صدوق، احترقت كتبه فحدّث من حفظه فأخطأ، توفي سنة (١٧٤ هـ). انظر: " تهذيب الكمال " ٤/ ٢٥٢ (٣٥٠١)، و" العبر " ١/ ٢٦٤، و" التقريب " (٣٥٦٣).
(٦) هُوَ مُحَمَّد بن جابر بن سيار السحيمي الحنفي، أَبُو عَبْد الله اليمامي، أصله كوفيٌّ، وَكَانَ أعمى، قَالَ عَنْهُ البخاري: ليس بالقوي، يتكلمون فِيْهِ، رَوَى مناكير، توفي سنة بضع وسبعين ومئة. انظر: " تهذيب الكمال " ٦/ ٢٥٩ - ٢٦٠ (٥٦٩٩)، و" سير أعلام النبلاء " ٨/ ٢٣٨، و" التقريب " (٥٧٧٧).
(٧) كتاب " المختلطين ": ٣.
[ ١ / ٨٩ ]
وهكذا تدخل العلة في الحديث النبوي بسبب اختلاط بعض الرواة، لكن العلماء عالجوا هذه القضية بوساطة الرواة عن المختلطين، وقسموهم إلى أربعة أقسام:
١ - الذين رووا عن المختلط قبل اختلاطه.
٢ - الذين رووا عنه بعد اختلاطه.
٣ - الذين رووا عنه قبل الاختلاط وبعده ولم يميزوا هذا من هذا.
٤ - الذين رووا عنه قبل اختلاطه وبعده وميزوا هذا من هذا.
فمن روى عن المختلط قبل الاختلاط، قبلت روايته عنه، ومن روى عنه قبل الاختلاط وبعده وميز ما سمع قبل الاختلاط قُبِلَ، ولم يقبل ما سمع بعد الاختلاط، ومن لم يميز حديثه أو سمع بعد الاختلاط لم تقبل روايته (^١).
ولعل الحافظ العراقي كَانَ أشمل في بيان الحكم من غيره، إِذْ قَالَ: «ثُمَّ الحكم فيمن اختلط أنَّه لا يقبل من حديثه ما حدّث بِهِ في حال الاختلاط، وكذا ما أبهم أمره وأشكل، فَلَمْ ندرِ أحدّث بِهِ قَبْلَ الاختلاط أو بعده؟ وما حدّث بِهِ قَبْلَ الاختلاط قُبِلَ، وإنما يتميز ذَلِكَ باعتبار الرُّوَاة عَنْهُمْ، فمنهم من سَمِعَ مِنْهُمْ قَبْلَ الاختلاط فَقَطْ، ومنهم من سَمِعَ بعده فَقَطْ، ومنهم من سَمِعَ في الحالين، وَلَمْ يتميز» (^٢).
ونقد الذهبي على ابن القطان قوله في هشام بن عروة وانتقده عليه حين رماه بالاختلاط قال: «هشام بن عروة، أحد الأعلام، حجة إمام، لكنْ في الكبر تناقص حفظه، ولم يختلط أبدًا، ولا عبرة بما قاله أبو الحسن بن القطان من أنَّه وسُهيل بن أبي صالح اختلطا وتغيّرا. نعم، الرجل تغير قليلًا، ولم يبق حفظه كهو في حال الشبيبة، فنسي بعض محفوظه أو وهم، فكان ماذا! أهو معصوم من النسيان! ولما قدم العراق في آخر عمره حدث بجملة كثيرة من العلم، في غضون ذلك يسير أحاديث لم يجوّدها، ومثل هذا يقع لمالك
_________________
(١) انظر: " العواصم والقواصم " لابن الوزير ٣/ ١٠١ - ١٠٢.
(٢) " شرح التبصرة والتذكرة " ٢/ ٣٢٩ بتحقيقي.
[ ١ / ٩٠ ]
ولشعبة ولوكيع ولكبار الثقات، فدع عنك الخبط، وذر خلط الأئمة الأثبات بالضعفاء والمخلطين، فهشام شيخ الإسلام، ولكن أحسن الله عزاءنا فيك ياابن القطان» (^١).
فقد فرّق الذهبي بين الخطأ والاختلاط، وأنَّ هذا الذي يحصل ليس اختلاطًا وإنَّما هو نسيان أو خطأ لم يسلم منه كبار الحفاظ الثقات كشعبة ومعمر ومالك … .