النقاد في روايته، أو إذا كانت روايته عن غير أهل بلده، أو في روايته عن بعض الشيوخ؛ لذا كانت معرفة الرواة وكمائن الضعف والقوة من أساسيات علم العلل، وفي ذلك قال ابن رجب: «اعلم أنَّ معرفة صحة الحديث وسقمه تحصل من وجهين: أحدهما: معرفة رجاله وثقتهم وضعفهم، ومعرفة هذا هيّن؛ لأنَّ الثقات والضعفاء قد دُوِّنوا في كثير من التصانيف، وقد اشتهرت بشرح أحوالهم التواليف. والوجه الثاني: معرفة مراتب الثقات، وترجيح بعضهم على بعض عند الاختلاف، .. وهذا هو الذي يحصل من معرفته وإتقانه وكثرة ممارسته الوقوف على دقائق علل الحديث …» (^١). ولأهمية هذه النقطة،
أطنب ابن رجب بذكر الأمثلة التي ساقها للبيان.
الثاني: الجمع بين الروايات المختلفة: وهذا إذا أمكن الجمع، والناظر في كتابي هذا سيجد خير مثال على هذا حديث ذي اليدين - من رواية الزهري - فقد رواه الزهري عن راويين ثم عن ثلاثة حتى وصل في إحدى الروايات إلى خمسة رواة، وقد كنت أظن أنَّ الزهري اضطرب في ضبط اسم شيخه، حتى تبين لي غير ذلك، ثم إنَّه اضطرب في غير هذا الموضع وقد بينته بما يثلج صدور المنصفين، أما في حال انعدمت إمكانية الترجيح فيكون الحديث مضطربًا.
٤ - التأمّل في كيفية تحمّل الراوي للحديث من شيخه، أهو سماع أم عرض أم إجازة أم غير ذلك، ومن صيغ الأداء ما تثبت سماع الراوي من شيخه، كحدثنا وأخبرنا (^٢) وسمعت وقال لنا .. وهذه الصيغ صريحة بوقوع اللقاء، وحصول المشافهة بين الشيخ وتلميذه، إلا أنَّ جمعًا من أهل العلم تكلم في رواية بعض الرواة عن بعض الشيوخ بسبب أخذهم عنهم بطرق التحمل المختلف في صحة الرواية بها كالإجازة والمناولة والوجادة من غير
_________________
(١) " شرح علل الترمذي " ٢/ ٤٦٧ ط. عتر و٢/ ٦٦٣ ط. همام.
(٢) الفرق بين حدثنا وأخبرنا، أنَّ حدثنا لا يجوز إطلاقها إلا لما سمعه من لفظ الشيخ خاصة، أما أخبرنا فلما قُرئ على الشيخ. انظر: " النكت الوفية " ٢/ ٥١ بتحقيقي.
[ ١ / ١١٠ ]
عرض على الشيخ ومن غير مقابلة بأصله والتوسع فيها، كذلك فإنَّ بعض الرواة أخذ عن شيخه سماعًا ومناولة، أو سماعًا ووجادة، فلم يتميز ما أخذه سماعًا عن غيره، فتكلم الأئمة في روايته عن ذلك الشيخ لهذا الأمر، فمن ذلك ما ذكره ابن رجب عن الإمام أحمد أنَّه قال: «موسى بن عقبة ما أُراه سمع من ابن شهاب، إنما هو كتاب نظر فيه» (^١)، كما نقل عن يحيى بن معين أنَّه قال: «الأوزاعي في الزهري ليس بذاك، أخذ كتاب الزهري من الزبيدي» (^٢)، ونقل المزي عن عمرو بن علي أنَّه قال: «سمعت معاذ بن معاذ - وذكر صالح بن أبي الأخضر - فقال: سمعته يقول: سمعتُ الزهري وقرأتُ عليه، فلا أدري هذا من هذا! فقال يحيى - وهو إلى جنبه -: لو كان هذا هكذا كان جيدًا، سمع وعرض، ولكنَّه سمع وعرض ووجد شيئًا مكتوبًا، فقال: لا أدري هذا من هذا» (^٣)،
ونقل ابن أبي حاتم عن أبي زرعة أنَّه قال فيه: «ضعيف الحديث، كان عنده عن الزهري كتابين: أحدهما: عرض والآخر: مناولة، فاختلطا جميعًا، فلا يعرف هذا من هذا» (^٤)، وقال الذهبي: «وكان ابن جريج يروي الرواية بالإجازة وبالمناولة ويتوسع في ذلك، ومن ثم دخل عليه الداخل في روايته عن الزهري؛ لأنَّه حمل عنه مناولة وهذه الأشياء يدخلها التصحيف، ولا سيما في ذلك العصر، لم يكن حدث في الخط شكل ولا نقط» (^٥).
فهذه بعض صيغ الرواية التي ضعّف أهل العلم أحاديث الرواة عن الشيوخ بسببها، ولعل سبب التضعيف أنَّ الراوي إذا لم يقرأ أحاديثه على الشيخ، فمن المحتمل أنْ يدخل عليه التحريف أو التصحيف، وهذا من الاحتياط الذي لزم هذه الأمة في تلقّي أحاديث نبيها ﷺ.