من الأسباب القادحة في حديث الثقة التصحيف والتحريف، وهو: «أن يُقرأ الشيءُ على خلاف ما أراد كاتبه، أو على غير ما اصطلحوا عليه، ويكون بمخالفة الراوي للثقات في النقط» (^٢).
والفارق بين التصحيف والتحريف، أنَّ التصحيف يكون في إهمال الحروف أو إعجامها: أي نقطها، كجعل السين المهملة شينًا معجمة، والذال المعجمة دالًا مهملة، أما التحريف فيكون بتغيير شَكْل - أي حركات وسكنات - الحروف، دون تغيير الحروف (^٣).
«وليعلم أنَّ التصحيف والتحريف قد يطلق كل منهما على ما يشمل هذين النوعين، بل قد يطلق كل منهما على كل تغيير يقع في الكلمة ولو مع عدم بقاء صورة الخط فيها» (^٤)
يقول الخطّابي: «فَحَقَّ على طالب الحديث أنْ يَرفق في تأمُّل مواضع الكلام، ويُحسِن التأني لمحنة اللفظ، ومعرفة ما يليق به من المعنى؛ ليستوضح به قصده، ويصيبَ جهته، فإنَّ قومًا أغفلوا تَفقُّد هذا الباب فلحقتهم سمةُ
_________________
(١) " ميزان الاعتدال " ٤/ ٣٠١ - ٣٠٢ (٩٢٣٣).
(٢) " التنبيه على حدوث التصحيف ": ٣.
(٣) انظر: " نزهة النظر ": ٧٧، و"شرح شرح نخبة الفكر ": ٤٨٩ - ٤٩٠، و"تدريب الراوي" ٢/ ١٩٥، و" توجيه النظر " ٢/ ٥٩٢.
(٤) " توجيه النظر " ٢/ ٥٩٢.
[ ١ / ٩١ ]
التحريف، ولزمتهم هُجنةُ التقصير، وصاروا سُبة على أهل الحديث، تُنثى (^١) زلاتهم، وتذكر عثراتهم» (^٢).
فسبب وهم الراوي هو تشابه الرواة في الأسامي والكنى والألقاب والأنساب وغيرها ..
وأكثر الأسماء اشتباهًا ما تقاربت عصور أهله، واتفقت صورها، واختلفت حروفها. فيقلب اسمًا إلى اسم آخر أو يصحفه، وأشده إذا اشتبه عليه ضعيف بثقة: «وهذا في الغالب يحصل بسبب اتفاق راويين في الاسم واسم الأب، أو كون اسميهما على وزن صرفي واحد، مع اتفاق اسمي أبويهما كما في عبد الرحمان بن يزيد بن تميم، وعبد الرحمان بن يزيد بن جابر، فالأول ضعيف، والثاني ثقة، وكذا واصل بن حيان، وصالح بن حيان، فالأول ثقة والثاني ضعيف» (^٣)، وهذا تحقيق مقولة الحاكم ﵀: «ومن تهاون في معرفة الأسامي أورثه مثل هذا الوهم» (^٤).
ومن بُعد نظر بعض المحدّثين امتناعهم عن تحديث من لا يفرّق بين المشتبه من الأسماء، ولا يميز بين المتشابه من الكنى، كما حصل مع سعيد بن أبي مريم فيما نقله الرامهرمزي بسنده إلى عثمان بن سعيد الدارمي، قال: «كنا عند سعيد بن أبي مريم بمصر، فأتاه رجل فسأله كتابًا ينظر فيه، أو سأله أن يحدثه بأحاديث فامتنع عليه، وسأله رجل آخر في ذلك فأجابه، فقال له الأول: سألتك فلم تجبني، وسألك هذا فأجبته، وليس هذا حق العلم! أو نحوه من الكلام، قال: فقال سعيد بن أبي مريم: إن كنت تعرف الشيباني من السيباني، وأبا جمرة من أبي حمزة، وكلاهما عن ابن عباس حدثناك
_________________
(١) أي: تنشر كما في " اللسان " مادة (نثث) وهذا من بديع كلام الخطابي؛ إذ هو معنى ما بعده أتى به مع عدم التكرار.
(٢) " غريب الحديث " ١/ ٥٧.
(٣) " علل ابن أبي حاتم " ١/ ١٥١ ط. الحميّد (المقدمة).
(٤) " معرفة علوم الحديث ": ١٧٨ ط. العلمية وعقب (٤٤٢) ط. ابن حزم.
[ ١ / ٩٢ ]
وخصصناك كما خصصنا هذا» (^١).
لهذا ولغيره فقد شمر العلماء عن ساعد الجد فصنفوا كثيرًا من الكتب في هذا الجانب عُرفت بكتب المتفق والمفترق، والمؤتلف والمختلف.