لا يُبحثُ في عين الراوي من حيث ضبطه وعدالته فقط، وإنما يُبحث فيما يتركه الراوي من مصنفات وما دُسّ في تلك المصنفات من غير حديثه، ومعرفة الأصيل من الدخيل، فكان ذلك بحق مما يجدر الافتخار به لهذه الأمة؛ لهذا كانت المصنفات محط أنظار النقاد وفي حيز اهتمامهم، مثلما كان دأب سلف الأمة بيان صحيح الأحاديث من سقيمها، فكانوا يقابلون أصولهم ويقارنونها؛ لأنَّ بعض من لا يؤمَن مكره، أباح لنفسه التلاعب بكتب الناس، وإدخال ما ليس منها فيها.
وقد ابتُلي كثير من الرواة بأربّائهم وورّاقيهم، مثل حماد بن سلمة كان لا يحفظ، ويقال: إنَّ ابن أبي العوجاء كان ربيبه وكان يدس في كتبه (^٣)، وقصة سفيان بن وكيع مع ورّاقه مشهورة (^٤).
وممن اشتهر بهذا الفعل الشائن خالد بن نجيح، فإنَّه كان يدخل على الثقات ما ليس من حديثهم، وكم من حديث أدخله على عبد الله بن صالح كاتب الليث وقتيبة بن سعيد وابن أبي مريم وغيرهم (^٥).
وجدير بالذكر أنَّ الإدخال على الشيوخ يكون في الغالب بغير علم الراوي الذي أُدخل عليه الحديث في كتابه، ويختلف موقف الراوي الذي
_________________
(١) " شرح علل الترمذي " ٢/ ٧٢٥ ط. عتر و٢/ ٨٤١ ط. همام.
(٢) " فتح المغيث " ١/ ١٩٠ ط. العلمية و١/ ٣٠٤ ط. الخضير.
(٣) انظر: " تهذيب التهذيب " ٣/ ١٣.
(٤) انظر: " تهذيب التهذيب " ٤/ ١١١ - ١١٢.
(٥) انظر: " الجرح والتعديل " ٣/ ٣٥٠ (١٦٠٥)، وما سيأتي نقله عن البخاري.
[ ١ / ٩٥ ]
أُدخل عليه من الأحاديث المدخلة «فبعضهم يرجع عن تلك الأحاديث ويتركها، ويغضب على من فعل ذلك، فهؤلاء لا يؤثر فيهم ذلك الفعل، ويضعف بعضهم عن ذلك فيسقط حديثهم» (^١).
ونقل الحاكم عن البخاري أنَّه قال: «قلت لقتيبة بن سعيد: مع من كتبتَ عن الليث بن سعد حديث يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل؟ فقال: كتبته مع خالد المدايني. قال البخاري: وكان خالد المدايني يدخل الأحاديث على الشيوخ» (^٢).