لغة: التفهيم، واصطلاحًا: «أن يروي المحدّث شيئًا لشيخ يوهمه أنَّه من روايته، وليس كذلك» (^٣) أو «أن يقول له القائل: حدثك فلان بكذا، ويُسمّي له من شاء من غير أنْ يسمعه منه، فيقول: نعم، فهذا لا يخلو من أحد وجهين، ولا بد من أحدهما ضرورة: إما أنْ يكون فاسقًا يُحدِّث بما لم يسمع، أو يكون من الغفلة بحيث يكون ذاهل العقل مدخول الذهن ومثل هذا لا يُلتفت إليه؛ لأنَّه ليس من ذوي الألباب ..» (^٤) أو بمعنى آخر أنْ يعسر عليه اسم فيقول له أحد: هو فلان، فيقول: نعم، ويحدّثه به، وهذا الذهول من دواعي خفة الضبط، وهو من نقائض صحة الحديث، بل ربما يلقن الشيخ بعض المناكير والأحاديث الباطلة من حيث لا يعلم، فَيقِرّ بها فيكون ذلك سببًا لرد روايته، أو يكون الراوي عرضة للتشويه من حيث العدالة.
ومن عُرف به، لم يصلح حديثه للاعتضاد، وإن كان غير متهم؛ لأنَّ هذا الخلل يفضي إلى طرح حديثه وعدم اعتباره؛ ولأنَّه مظنة رواية الموضوع … (^٥).
_________________
(١) " علل الحديث " ١/ ١٢٩ ط. الحميّد (المقدمة).
(٢) " معرفة علوم الحديث ": ١٢٠ ط. العلمية و(٢٩٥) ط. ابن حزم.
(٣) " العلة وأجناسها ": ١٧٤.
(٤) " توجيه النظر إلى أصول الأثر " ٢/ ٥٧٣.
(٥) " الإرشادات في تقوية الأحاديث بالشواهد والمتابعات ": ٤٤٣.
[ ١ / ٩٦ ]
وقد عرّف أحد الباحثين (التلقين) بأنَّه: «إدخال شيء في حديث الراوي ليس من مروياته سواء في حفظه أو كتابه دون علمه فيحدث به»، وانتقد عليه قوله صاحب " العلة وأجناسها " فقال: «وعلى تعريفه ملاحظات» ذكرها ثم قال: «وكأنَّه عرّف التلقين القادح فقط»، وصوّب تعريفه وذكر مثالًا له (^١).
والفارق بين التلقين والإدخال على الشيوخ، أنَّ الأول يكون مشافهة وبعلم المُلقَّن، أما الثاني فيكون في الكتاب وبغير علم الراوي المدخَل عليه.
ومن أسباب قبول التلقين: ضعف الراوي، وعلو منزلة المُلقِّن واشتهاره بالحفظ، والاعتماد على الكتاب ثم التحديث من الحفظ … (^٢).
ويجدر بالذكر أنَّ التلقين وسيلة مهمة في امتحان الرواة، والحكم عليهم بها شائع، جوّزه جماعة من العلماء فاستفادوا منه في معرفة عدالة الراوي وضبطه. كما سقط في الامتحان جماعة من الرواة فتكلم فيهم النقاد (^٣). وخير ما يتمثل به قصة رفسة أبي نعيم ليحيى بن معين فيما نقله الخطيب بسنده، عن أحمد بن محمد بن الجراح أبي عبد الله، قال: «سمعت أحمد بن منصور الرمادي يقول: خرجت مع أحمد بن حنبل ويحيى بن معين إلى عبد الرزاق، خادمًا لهما، فلما عُدنا إلى الكوفة قال يحيى بن معين لأحمد بن حنبل: أريد أختبر أبا نعيم. فقال له أحمد بن حنبل: لا تريد، الرجل ثقة. فقال يحيى بن معين: لا بد لي. فأخذ ورقة فكتب فيها ثلاثين حديثًا من حديث أبي نعيم، وجعل على رأس كل عشرة منها حديثًا ليس من حديثه، ثم جاؤوا إلى أبي نعيم فدقوا عليه الباب فخرج، فجلس على دكان طين حذاء بابه، وأخذ أحمد بن حنبل فأجلسه عن يمينه، وأخذ يحيى بن معين فأجلسه عن يساره، ثم جلست أسفل الدكان، فأخرج يحيى بن معين الطبق فقرأ عليه عشرة أحاديث، وأبو نعيم ساكت، ثم قرأ الحادي عشر، فقال أبو
_________________
(١) انظر: " العلة وأجناسها ": ١٧٣ - ١٧٤.
(٢) انظر: " علل الحديث ١/ ١٢٣ ط. الحميّد (المقدمة).
(٣) انظر: " الجرح والتعديل " لإبراهيم اللاحم: ٥٣ - ٦٢.
[ ١ / ٩٧ ]
نعيم: ليس من حديثي اضرب عليه، ثم قرأ العشر الثاني، وأبو نعيم ساكت، فقرأ الحديث الثاني، فقال أبو نعيم: ليس من حديثي اضرب عليه، ثم قرأ العشر الثالث، وقرأ الحديث الثالث، فتغيّر أبو نعيم وانقلبت عيناه، ثم أقبل على يحيى بن معين، فقال له: أما هذا - وذراع
أحمد بن حنبل في يديه - فأورع من أنْ يعمل مثل هذا، وأما هذا، يريدني، فأقلّ من أنْ يفعل مثل هذا، ولكن هذا من فعلك يا فاعل، ثم أخرج رجله فرفس يحيى بن معين، فرمى به من الدكان، وقام فدخل داره، فقال أحمد ليحيى: ألم أمنعك من الرجل، وأقل لك إنَّه ثبت، قال: والله لرفسته لي أحب إليَّ من سفري!» (^١).
قال أبو حاتم جوابًا عن سؤال ابنه عن حديث رواه هشام بن عمّار: «رأيت هذا الحديث قديمًا في أصل هشام بن عمّار عن حاتم هكذا مرسل، ثم لقنوه بأخذه عن جابر فتلقن، وكان مغفلًا» (^٢)، وقال الإمام أحمد عن
عبد الرزاق: «كان يلقن فلقنه وليس هو في كتبه، وقد أسندوا عنه ما ليس في كتبه» (^٣)، ونقل الخطيب عن الحميدي بسنده قال: «ومن قَبِلَ التلقين ترك حديثه الذي لقن فيه وأخذ عنه ما أتقن حفظه، إذا علم ذلك التلقين حادثًا في حفظه لا يعرف به قديمًا، وأما من عرف به قديمًا في جميع حديثه، فلا يقبل حديثه ولا يؤمَن أن يكون ما حفظه مما لقن» (^٤).