الإمام أحمد ﵀ رباني الأمة في وقته وعالمها وفقيهها وحافظها وعابدها وزاهدها، وشهرة فضائله ومناقبه تغني عن الإطالة فيها، وقد أفرد العلماء التصانيف لمناقبه؛ فمنهم من طول ومنهم من قصر، ومن أراد المزيد فليراجع ترجمته مبسوطة في المصادر المعروفة. وما يهمنا هنا هو منهجه ومعرفة مخارج إطلاقاته التي عرفها أصحابه وسار عليها هذا الإمام ﵀.
كما هو معروف أن منهج الإمام أحمد في المسائل الفقهية يعتمد على الكتاب والسنة والإجماع وعمل الصحابة والتابعين.
فالإمام أحمد كثيرًا ما يعتمد في منهجه على العمل بالحديث وإن لم يصح. وقد قال ابن رجب وابن تيمية وغيرهما: إن الإمام أحمد يأخذ بالحديث الضعيف إن لم يكن في الباب غيره أحب إليه من الرأي، وهذا ظاهر.
ولكني وجدت من خلال الاستقراء والتتبع لكتب الإمام أحمد أنه ﵀ قد يأخذ بالحديث الضعيف على العمل الفقهي، وإن كان في الباب حديث صحيح فيأخذ به أيضًا ويكون له في ذلك روايتان.
قال الخلال (١): وأبو عبد اللَّه يحتاج من يقلد مذهبه أن يعرفه من رواية جماعة؛ لأنه ربما روى عنه المسألة الواحدة جماعة حتى يصبح قوله فيها العشرة ونحوهم؛ لأنه ربما يسأله عن المسألة الواحدة جماعة حتى يقول لا أدري وإنما يعني: لا أدري ما أختار، ويسأل عن تلك بعينها، فيجيب بالاختلاف لمن قال لا ونعم، ولا ينفذ له قول، ويسأل عن تلك المسألة
_________________
(١) "أحكام أهل الملل" (١/ ٢١٤).
[ ١٤ / ١٣ ]
أيضًا في وقت آخر، فيحتج للجميع ويعلق مذهبه، ويسأل عن تلك أيضًا في وقت، فيجيب بمذهبه من غير احتجاج للمسألة إذا كان قد تبين له الأمر فيها، ويسأل عن تلك أيضًا ويحتج عليه، ويسأل عن مذهبه وعن الشيء ذهب إليه، فيجيبهم فيصبح مذهبه في تلك المسألة في ذلك الوقت وفي مسائله ﵀ مسائل يحتاج الرجل أن يتفهمها ولا يعجل، وهو قد قال: ربما بقيت في المسألة ذكر بعضهم من العشر سنين إلى الثلاث سنين. بينت هذا كله في هذا الموضوع. أعني: لمن يقلد من مذهب أبي عبد اللَّه شيئًا ألا يتعجل وأن يستثبت.
ونفعنا اللَّه وإياكم، ونسأله التوفيق فإنه لطيف.
فقد كان أبو عبد اللَّه رجلا لا يذهب إلا في الكتاب والسنة وقول الصحابة والتابعين وكان يحب السلامة والتثبت فيما يقول ويدفع الجواب فإذا أجاب لم يجب إلا بما صح.
قلت: منهج الإمام أحمد في المسائل الفقهية يعتمد على الكتاب والسنة والإجماع وعمل الصحابة والتابعين.
فهو كثيرًا ما يعتمد في منهجه على العمل بالحديث وإن لم يصح.
قال الأثرم: كان أبو عبد اللَّه، ربما كان الحديث عن النبي -ﷺ- وفي إسناده شيء، فيأخذ به إذا لم يجئ خلافه أثبت منه مثل حديث عمرو بن شعيب وإبراهيم الهجري، وربما أخذ بالحديث المرسل إذا لم يجئ خلافه.
ذكر ابن رجب في "شرح علل الترمذي" (١) قال: ظاهر كلام أحمد أن المرسل عنده هو نوع الضعيف، لكنه يأخذ بالحديث إذا كان فيه ضعف ما لم يجئ عن النبي -ﷺ- خلافه أو عن الصحابة.
_________________
(١) (٢١٣ - ٣١٣).
[ ١٤ / ١٤ ]
ومن ثم كان لزاما على من يطلب الفقه على مذهب الإمام أحمد أن يدرس الحديث أولا دراسة وافية لفهم كتب العلل وإطلاقات الإمام أحمد وغيره؛ لأن الإمام أحمد قد يحتج بحديث ويعمل به ويقول: (أذهب إليه)، وفي مكان آخر يضعفه ويصفه بالنكارة.
مثال: نقل ابن رجب في "شرح البخاري" (١): قال الإمام أحمد في حديث عائشة ﵂: "النساء شقائق الرجال". قال: هذا منكر، وقال: أذهب إليه.
وأيضا نقل ابن رجب في "شرح علل الترمذب" (٢)، والخلال في "الجامع لأحكام أهل الذمة" (٣).
قول الإمام أحمد، في حديث معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر أن غيلان أسلم وعنده عشر نسوة، قال: ليس بصحيح والعمل عليه، وكان عبد الرزاق يقول: عن معمر عن الزهري مرسلا.
قال ابن القيم في "الفروسية" (٤): روى الإمام أحمد حديث علي: أن العباس سأل رسول اللَّه -ﷺ- في تعجيل صدقته قبل أن تحل فرخص له في ذلك (٥).
قال الأثرم: سمعت أبا عبد اللَّه، ذكر له هذا الحديث، فضعفه وقال: ليس ذلك بشيء، هذا مع أن مذهبه جواز تعجيل الزكاة.
وأيضا نقل ابن القيم عن الإمام أحمد في حديث عائشة: "لا نذر في
_________________
(١) (١/ ٣٤١ - ٣٤٢).
(٢) (٣١٣ - ٣١٤).
(٣) ١/ ٢٥٣.
(٤) ص ١٩٨ - ١٩٩.
(٥) رواه أحمد ١/ ١٠٤، وأبو داود (١٦٢٤)، والترمذي (٦٧٨)، وابن ماجه (١٧٩٥).
[ ١٤ / ١٥ ]
معصية وكفارته كفارة اليمين" قال: هذا حديث منكر، مع أنه رواه وبنى عليه مذهبه واحتج به.
قلت: ذكر ابن قدامة في "المغني" (١) قول الإمام أحمد في حديث ابن عمر ﵄ "العرب بعضهم لبعض أكفاء إلا حائكًا أو حجامًا" قيل للإمام أحمد: كيف تأخذ بهذا وأنت تضعفه؟ قال: العمل عليه.
وأشد من هذا فقد يضعف الحديث بالإعراض عنه فقط وإن لم يتكلم عليه ويذهب إلى آثار الصحابة. مثال ذلك: في مسألة القصر في السفر:
نقل ابن قدامه في "المغني" (٢): قال الأثرم: قيل لأبي عبد اللَّه: في كم تقصر الصلاة؟ قال: في أربعة بُرُد.
قيل له: مسيرة يوم تام؟ قال: لا، أربعة برد -ستة عشر فرسخا- مسيرة يومين.
قال ابن قدامة: وهو قول ابن عباس وابن عمر، وإليه ذهب مالك والليث والشافعي وإسحاق.
قلت: وفي الباب حديث أخرجه مسلم (٣) من طريق شعبة عن يحيى بن يزيد الهنائي قال: سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة؟ فقال: كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال -أو ثلاثة فراسخ، شعبة الشاك- صلي ركعتين.
قلت: ويحيى بن يزيد الهنائي ليس من أصحاب أنس، وهو مقل جدًّا أو ليس له في الكتب الستة إلا هذا الحديث عن أنس. وقد قال فيه ابن معين:
_________________
(١) ٩/ ٣٩٥.
(٢) ٣/ ١٠٥.
(٣) رواه مسلم (٦٩١).
[ ١٤ / ١٦ ]
صُويلح. وقال أبو حاتم: شيخ. [أكثر ما تطلق عند أبي حاتم على الجهالة] قال الحافظ في "التقريب": مقبول. قال الذهبي في "الميزان": لا بأس به.
قلت: فمثل هذا الراوي لا يتحمل أحاديث الأحكام، والتي قال فيها الإمام أحمد: إذا جاءت أردنا رجالا هكذا، وضم يده ورفع الإبهام؛ كناية عن الرواة الثقات الأثبات وممن ضعف الحديث من أجل يحيى بن يزيد الهنائي:
ابن عبد البر في "الاستذكار" (١) فقد قال: يحيى بن يزيد الهنائي شيخ من أهل البصرة ليس مثله ممن يحتمل هذا المعنى الذي خالف جمهور الصحابة والتابعين، ولا هو ممن يوثق في ضبط هذا الأصل.
ومما سبق تبين لك أن الإمام أحمد لم يحتج بهذا الحديث لما عرفت، وأعرض عنه وأخذ بآثار الصحابة، وقد تكون آثار الصحابة أيضًا ضعيفة ويعمل بها الإمام أحمد فلينتبه لذلك.
فالعمل الفقهي قد يقترن بصحة الحديث، وقد لا يقترن في مذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵀.
مثال آخر: قال الإمام أحمد، عندما سئل عن حديث مالك بن الحويرث: أنه رأى النبي -ﷺ- يصلي فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدًا (٢).
قال: الإمام أحمد: صحيح. وقال مرة: ليس لهذا الحديث ثان. يعني: لم ترو هذِه الجلسة في غير هذا.
وقال مرة: أكثر الأحاديث ليس فيها ذكر شيء من ذلك.
قلت: يشير الإمام أحمد إلى جلسة الاستراحة أنها لم تُرْوَ في حديثٍ غير
_________________
(١) ٦/ ٩٤.
(٢) أخرجه البخاري برقم (٨٢٣).
[ ١٤ / ١٧ ]
هذا. ولكن قد رويت -أي: جلسة الاستراحة- في حديث المسيء صلاته، فلما أعرض عنها ولم يذكرها، فهل يقال: إنه لم يقف على حديث المسيء في صلاته؟ هذا أمر فيه بعد؛ لشهرة هذا الحديث عند العوام، فحسبك بإمام أهل السنة. هذا وقد اختلف في هذا الحديث على عبيد اللَّه العمري. فقد رواه القطان وأبو أسامة بدونها ورواه ابن نمير عنه بإثباتها، والراجح واللَّه أعلم عدم ثبوتها؛ فقد قال الحافظ في "الفتح" (١): أشار البخاري إلى أن هذِه اللفظة وهم، فقد قال عقب الحديث: قال أبو أسامة في الأخير: حتى تستوي قائمًا، ويمكن أن يحمل إن كان محفوظًا على الجلوس للتشهد.
قال ابن رجب في "الفتح": فهذِه اللفظة قد اختلف فيها في حديث أبي هريرة فمن الرواة من ذكر أنه أمره بالجلوس بعد السجدتين ومنهم من ذكر أنه أمره بالقيام بعدهما وهذا هو الأشبه، فإن هذا الحديث لم يذكر أحد فيه أن النبي -ﷺ- علمه شيئًا من سنن الصلاة المتفق عليها، فكيف يكون قد أمره بهذِه الجلسة؟ فهذا بعيد جدًّا (٢). قال: ثم وجدت البيهقي قد ذكر هذا، وذكر أن أبا أسامة اختلف عليه في ذكر هذِه الجلسة الثانية بعد السجدتين قال: والصحيح عنه أنه قال بعد ذكر السجدتين: "ثم ارفع حتى تستوي قائمًا". قال البيهقي: وقد رواه البخاري في "صحيحه" عن إسحاق بن منصور عن أبي أسامة، وذكر رواية ابن نمير ولم يذكر تخريج البخاري لها، ولم يذكر يحيى بن سعيد في روايته السجود الثاني ولا ما بعده من القعود أو القيام.
قال: والقيام أشبه بما سيق الخبر لأجله من عدِّ الأركان دون السنن، واللَّه أعلم.
_________________
(١) ٢/ ٢٧٩ (٧٩٣).
(٢) ٥/ ٤٨٢ (٨٢٣).
[ ١٤ / ١٨ ]
قال ابن رجب: وهذا يدل على أن ذكر الجلسة الثانية غير محفوظ عن يحيى.
[قلت]: مما سبق يتبين سبب إعراض الإمام أحمد عن هذِه الزيادة، لضعفها وعدم ثبوتها، فقال في حديث مالك بن الحويرث بأنها لم ترو هذِه الجلسة في غير هذا.
فإعراض الإمام أحمد عن هذا الحديث ونفيه له يدل على ضعفه عنده وإن لم يضعفه تصريحًا.
قال ابن القيم في "الفروسية" (١): ومذهبه -يعني: الإمام أحمد- وهو ألا يقدم على الحديث الصحيح شيئًا البتة لا عملا ولا قياسًا ولا قول صاحب، وإذا لم يكن في المسألة حديث صحيح، وكان فيها حديث ضعيف وليس في الباب شيء يردُّه عمل به، فإن عارضه ما هو أقوى منه تركه للمعارض القويِّ، وإذا كان في المسألة حديث ضعيف وقياس قدَّم الحديث الضعيف على القياس.
وليس الضعيف في اصطلاحه هو الضعيف في اصطلاح المتأخرين، بل هو والمتقدمون يقسمون الحديث إلى صحيح وضعيف، والحسن عندهم داخل في الضعيف بحسب مراتبه، وأول من عرف عنه أنه قسمه إلى ثلاثة أقسام أبو عيسى الترمذي ثم الناس تبع له بعد، فأحمد يقدم الضعيف الذي هو حسن (٢) عنده على القياس ولا يلتفت إلى الضعيف الواهي الذي لا يقوم به حجة، بل ينكر على من أحتج به وذهب إليه، فإن لم يكن عنده
_________________
(١) ص ٢٠٢ - ٢٠٣.
(٢) قلت: كلام ابن القيم ﵀ ليس على إطلاقه؛ لأن الحسن عند الإمام أحمد وغيره له صور وأشكال كثيرة جدًا، ولا يعني بذلك الضعيف هو الحسن عنده، فقد أطلق الحسن على النكارة والشذوذ والمخالفة، وحتى على الراوي المتروك، =
[ ١٤ / ١٩ ]
في المسألة حديث أخذ فيها بأقوال الصحابة ولم يخالفهم. وإن اختلفوا رجح من أقوالهم ولم يخرج منها، وإذا اختلفت الصحابة في مسألة ففي الغالب بختلف جوابه فيها ويخرج عنه فيها روايتان أو أكثر، فكل مسألة عن الصحابة فيها روايتان إلا وعنه فيها روايتان أو أكثر وهو أتبع خلق اللَّه تعالى للسنن مرفوعها وموقوفها. أ. هـ
- ومما أكثر الكلام حوله إطلاق الإمام أحمد لفظ المنكر، فقد ذهب جمع من أهل العلم المتأخرين والمعاصرين على أن النكارة عند الإمام أحمد على مجرد التفرد.
فقد قال الحافظ ابن حجر في "هدي السارب" في ترجمة محمد بن إبراهيم التيمي -صاحب حديث "الأعمال بالنيات" بعد ذكر قول الإمام أحمد: يروي أحاديث مناكير.
قال: المنكر أطلقه أحمد بن حنبل وجماعة على الحديث الفرد الذي لا متابع له.
ويتضح قول الحافظ أكثر في "النكت" (١) قال: فقد أطلق الإمام أحمد والنسائي وغير واحد من النقاد لفظ المنكر على مجرد التفرد، لكن حيث لا يكون التفرد في وزن من يحكم لحديثه بالصحة بغير عاضد يعضده.
فقول الحافظ هنا قريب من طريقة الإمام أحمد، ولكن عند الإمام أحمد حتى ولو كان المتفرد من الثقات أو من كبار الثقات بقرائن أهمها الوهم والخطأ.
_________________
(١) = وعلى العمل الفقهي، وعلى الناحية اللغوية، وعلى طيب الكلام، وفي الأمر تفصيل واسع، وأيضًا سبق قول الإمام أحمد على حديث "النساء شقائق الرجال"، ووصفه بالنكارة، ثم عمل به، فليس الضعيف الواهي يترك في كل الأحيان.
(٢) ص ٢٧٤.
[ ١٤ / ٢٠ ]
فقد توقف الإمام أحمد في زيادة: (من المسلمين) في زكاة الفطر الذي أخرجه البخاري (١) من حديث ابن عمر ﵄ أن رسول اللَّه -ﷺ- فرض زكاة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير على كل حر أو عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين.
والمتفرد بها مالك بن أنس، فلم يقبله، حتى توبع الإمام مالك فقبلها. وهو مذهب يحيى بن سعيد وغير واحد من النقاد.
قال مسلم في مقدمة "الصحيح": وعلامة المنكر في حديث المحدث: إذا ما عرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضا، خالفت روايته روايتهم، أو لم تكد توافقها، فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك: كان مهجور الحديث، غير مقبولِهِ ولا مستعملِهِ.
قال الذهبي في "الموقظة" (٢): قد يسمي جماعة من الحفاظ الحديث الذي ينفرد به مثل هشيم بن غياث منكرا، فإن كان المتفرد من طبقة مشيخة الأئمة أطلقوا النكارة على ما انفرد به مثل عثمان بن أبي شيبة وأبي سلمة التبوذكي، وقالوا: هذا منكر.
قال أيضا في "الميزان" (٣) في ترجمة علي بن المديني: إن تفرد الصدوق ومن دونه يعد منكرًا.
وفي "مسائل ابن هانئ" (٤) للإمام أحمد: قيل له: هذِه الفوائد التي فيها المناكير، ترى أن يكتب الحديث المنكر؟ قال المنكر أبدًا منكر -قيل له: فالضعفاء؟ قال: قد يحتاج إليهم في كل وقت. كأنه لم ير بالكتاب عنهم بأسًا.
_________________
(١) "صحيح البخاري" (١٥٠٤).
(٢) انظر "الموقظة" ص ٧٧.
(٣) "ميزان الاعتدال" ٤/ ٦٠ - ٦١ (٥٨٧٤).
(٤) "مسائل ابن هانئ" (١٩٢٤ - ١٩٢٥).
[ ١٤ / ٢١ ]
قال ابن رجب في "شرح علل الترمذي" (١) عن الإمام أحمد أنه قال: لا تكتبوا هذِه الأحاديث الضرائب؛ فإنها مناكير وعامتها عن الضعفاء.
قال ابن رجب في "شرح الترمذي" (٢): ولم أقف لأحد من المتقدمين على حد المنكر من الحديث وتعريفه إلا على ما ذكره أبو بكر البرديجي الحافظ -وكان من أعيان الحفاظ المبرزين- في العلل: أن المنكر هو الذي يحدث به الرجل عن الصحابة أو عن التابعين عن الصحابة، لا يعرف ذلك الحديث وهو متن الحديث إلا من طريق الذي رواه فيكون منكرًا، ذكر هذا الكلام في سياق ما إذا انفرد شعبة أو سعيد بن أبي عروبة أو هشام الدستوائي بحديث عن قتادة عن أنس عن النبي -ﷺ- وهذا كالتصريح بأنه كل ما ينفرد به ثقة عن ثقة ولا يعرف المتن من غير ذلك الطريق فهو منكر، كما قاله الإمام أحمد في حديث عبد اللَّه بن دينار عن ابن عمر عن النبي -ﷺ- في النهي عن بيع الولاء وهبته؛ حيث قال: لم يتابع عبد اللَّه بن دينار عليه، وإن الصحيح ما روى نافع عن ابن عمر (٣) أن النبي -ﷺ- قال: "الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ".
وكذا قال أحمد في حديث مالك، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: أن الذين جمعوا الحج والعمرة طافوا حين قدموا لعمرتهم وطافوا لحجهم حين رجعوا من منى قال: لم يقل هذا أحد إلا مالك وقال: ما أظن مالكا إلا غلط فيه لم يجئ به أحد غيره، وقال مرة: لم يروه إلا مالك ومالك ثقة.
_________________
(١) "شرح علل الترمذي" ١/ ٤٠٨ - ٤٠٩.
(٢) "شرح علل الترمذي" ١/ ٤٥٠ - ٤٥١.
(٣) رواه البخاري (٢٥٣٥)، ومسلم (١٥٠٦/ ١٦).
[ ١٤ / ٢٢ ]
قال ابن رجب: ولعل أحمد إنما استنكره لمخالفته للأحاديث في أن القارن يطوف طوافًا واحدًا.
ثم قال ابن رجب: قال البرديجي بعد ذلك: فأما أحاديث قتادة الذي يرويها الشيوخ مثل حماد بن سلمة وهمام وأبان والأوزاعي، ينظر في الحديث، فإن كان الحديث يحفظ من غير طريقهم عن النبي -ﷺ- أو عن أنس بن مالك من وجه آخر لم يدفع، وإن كان لا يعرف عن أحد عن النبي -ﷺ- إلا من طريق عن أنس إلا من رواية هذا الذي ذكرت لك كان منكرًا.
وقال: إذا روى الثقة من طريق صحيح عن رجل من أصحاب النبي -ﷺ- حديثًا لا يصاب إلا عند الرجل الواحد لم يضره أن لا يرويه غيره إذا كان متن الحديث معروفًا ولا يكون منكرًا ولا معلولًا.
وقال في حديث رواه عمرو بن عاصم عن همام عن إسحاق بن طلحة عن أنس أن رجلا قال للنبي -ﷺ-: إني أصبت حدًّا فأقمه عليَّ -﵁-. . الحديث. هذا عندي حديث منكر وهو عندي وهم من عمرو بن عاصم.
قال ابن رجب في "شرح علل الترمذي" (١): وأما أكثر الحفاظ المتقدمين فإنهم يقولون في الحديث إذا تفرد به واحد وإن لم يرو الثقات خلافه أن لا يتابع عليه ويجعلون ذلك علة فيه اللهم إلا أن يكون ممن كثر حفظه واشتهرت عدالته وحديثه كالزهري ونحوه، وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضًا، ولهم في كل حديث نقد خاص وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه.
قال المعلمي في "الأنوار الكاشفة" (٢): والأئمة كثيرًا ما يخرجون الراوي بخبر واحد منكر جاء به فضلها عن خبرين أو أكثر ويقولون: الخبر
_________________
(١) ١/ ٢٥٢ - ٢٥٣.
(٢) ص ١٤.
[ ١٤ / ٢٣ ]
الذي تمتنع صحته أو تبعد منكرًا أو باطلًا، وتجد ذلك كثيرًا في تراجم الضعفاء والعلل.
قلت: تطلق النكارة على معان منها الوهم والخطأ، وما لا أصل له، وعلى غير الصحيح وعلى الضعيف والشديد الضعف، وعلى الكذب وعلى رواية الثقة والصدوق بقرائن والمجهول والمتروك وغير ذلك.
قلت: وتطلق النكارة في المرتبة الأولى على الوهم والخطأ، فعلى سبيل المثال: في "علل عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل" قال: سألت أبي عن حديث حدثناه الفضل بن زياد الذي يقال له: الطَّسِّي قال: حدثنا إسماعيل ابن عياش، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي -ﷺ- "لا يقرأ الجنب والحائض شيئًا من القرآن".
فقال أبي: هذا باطل أنكره على إسماعيل بن عياش. يعنى: أنه وهم من إسماعيل بن عياش (١).
- وفي "الضعفاء" للعقيلي (٢): قال الأثرم: قلت لأحمد: تحفظ عن عبد اللَّه بن رجاء، عن عبيد اللَّه، عن نافع عن ابن عمر "تلحلال بيَّن"، فقال: هذا منكر ما أرى هذا بشيء، وقال لي أبو عبيد اللَّه: إن ابن رجاء هذا زعم أن كتبه كانت ذهبت، فجعل يكتب مات حفظه ولعله توهم هذا. ثم حسن أحمد أمر عبد اللَّه.
- وفي كتاب "العلل ومعرفة الرجال" (٣) رواية المروذي: قلت لأحمد: تعرف عن الوليد، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة،
_________________
(١) "علل عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل" (٥٦٧٥).
(٢) "الضعفاء" للعقيلي ٢/ ٢٥٢.
(٣) (٢٦٨).
[ ١٤ / ٢٤ ]
عن النبي -ﷺ-: متي كُتبت نبيًّا؟ قال: هذا منكر هذا من خطأ الأوزاعي، وهو كثيرًا ما يخطئ عن يحيى بن أبي كثير.
قال الحافظ في "التهذيب" (١) في ترجمة الفضل بن دلهم: قال الأثرم عن أحمد: ليس به بأس إلا أن له أحاديث. قلت: هو واسطي؟ قال: نعم، لا أعلم أحدًا روى عن وكيع عنه. قال: وسمعت أبا عبد اللَّه ذكر حديثه عن الحسن، عن قبيصة بن حريث، عن سلمة بن المحبق حديث: "خذوا عني". فقال: هذا حديث منكر. يعني: أنه أخطأ فيه؛ لأن قتادة وغيره رووه عن الحسن عن حطان بن عبد اللَّه الرقاشي عن عبادة.
- وقال أيضًا في حديث عائشة: في ترك الوضوء من القبلة: هذا منكر. نقله ابن رجب في "شرح علل الترمذي" (٢). وقال مره: نرى أنه غلط؛ فإن عروة المذكور في الحديث هو عروة المزني ولم يدرك عائشة، ورواه أيضًا إبراهيم التيمي عن عائشة، ولا يصح سماعه من عائشة.
- وفي "العلل" (٣) رواية عبد اللَّه بن أحمد: قال في حديث البراء بن عازب -﵁- في قوله تعالى: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ [الأنعام: ٩٩]. قال: نضجه حين ينضج.
قال الإمام أحمد: ليس هذا من حديث أبي إسحاق هذا يؤكل، كأنه أنكره من حديث عمار أنه وهم والحديث حدثنا به إبراهيم الهروي.
- وفي "العلل" رواية عبد اللَّه، و"المنتخب لابن قدامة من علل الخلال"، و"فضائل الصحابة" لأحمد (٤): ذكر حديث أبي بكر: "ما نفعني
_________________
(١) ٤/ ٤٩٢.
(٢) (٣٤٨).
(٣) (٥٧٠٤ - ٥٧٠٥).
(٤) "العلل" رواية عبد اللَّه (٢٥٣٢)، و"المنتخب من علل الخلال" لابن قدامة (١٠٧)، و"فضائل الصحابة" لأحمد ٧٩ - ٨٠.
[ ١٤ / ٢٥ ]
مال ما نفعني مال أبي بكر" فأنكره الإمام أحمد إنكارًا شديدًا وقال: هذا خطأ، ثم قال: ثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-.
- وذكر الخطيب في "تاريخ بغداد" (١) حديث عمران بن الحصين -﵁-: رأيت النبي -ﷺ- راكبًا وتحته -أو قال- عليه قطيفة من أرض الجزيرة. فأنكرها الإمام، فقيل له: تراه وهم؟ فقال: ينبغي أن يكون كذلك.
- وفي "المنتخب لابن قدامه من علل الخلال"، و"تاريخ بغداد" ذكر حديث ابن مسعود -﵁-: "إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ"؛ قال أحمد: هذا حديث منكر (٢)، ومرة: أخطأ فيه الأعمش (٣).
- وفي "ضعفاء العقيلي"، و"العلل" رواية عبد اللَّه (٤): ذكر حديث جابر -﵁-: كان النبي -ﷺ- يشهد مع المشركين مشاهدهم. قال الإمام أحمد: هذا الحديث منكر جدًّا أو موضوع، أو كأنه موضوع. وقال: نراه يتوهم. يعني: عثمان بن محمد بن أبي شبية.
وأطلق أيضًا الأئمة النكارة على الوهم والخطأ وإن كان المتفرد ثقة.
قال أبو داود في "السنن" (٥): حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الحَنَفِيِّ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ ابن جُرَيْج، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا دَخَلَ الخَلَاءَ وَضَعَ خَاتَمَهُ.
_________________
(١) "تاربخ بغداد" ٢/ ٨٠.
(٢) "المنتخب لابن قدامة من علل الخلال" (١١).
(٣) "تاريخ بغداد" ٣/ ٢٧٣.
(٤) "ضعفاء العقيلي" ٣/ ٢٢٢ و"العلل" رواية عبد اللَّه (١٣٣٣).
(٥) "سنن أبي داود" ١/ ٢٥.
[ ١٤ / ٢٦ ]
قَالَ أَبُو دَاوُد: هذا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ عَنْ ابن جُرَيْجٍ، عَنْ زِيَادِ ابْنِ سَعْدٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ ثُمَّ أَلْقَاهُ. وَالْوَهْمُ فِيهِ مِنْ هَمَّامٍ وَلَمْ يَرْوِهِ إِلَّا هَمَّامٌ.
قال ابن عبد البر (١) في "التمهيد": احتجوا بحديث عبد الرزاق، عن الثوري، عن سليمان الشيباني، عن يزيد بن الأصم، عن ابن عباس، أن رجلًا سأل النبي -ﷺ- فقال: أحج عن أبي؟ قال: "نعم، إن لم تزده خيرًا لم تزده شرًا".
قال أبو عمر: أما هذا الحديث فقد حملوا فيه على عبد الرزاق؛ لانفراده به عن الثوري من بين سائر أصحابه، وقالوا: هذا حديث لا يوجد في الدنيا عند أحد بهذا الإسناد إلا في كتاب عبد الرزاق أو في كتاب من أخرجه من كتاب عبد الرزاق ولم يروه أحد عن الثوري غيره وقد خطئوه وهو عندهم خطأ فقالوا: هذا لفظ منكر لا تشبهه ألفاظ النبي -ﷺ- أن يأمر لما لا يدري هل ينفع أم لا ينفع.
[قلت]: وكثيرًا ما تجد في هذا الكتاب من إطلاقات الإمام أحمد النكارة على الوهم والخطأ وإن كان المتفرد ثقة وإن لم يخالف، وتطلق النكارة أيضًا على رواية الضعيف.
أمثلة على ذلك:
- ففي "سنن البيهقي" و"نصب الراية" و"زاد المعاد" (٢) قول الإمام أحمد في حديث عمرو بن العاص -﵁-: لا تلبسوا علينا سنة نبينا -ﷺ-، عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرًا.
_________________
(١) ٩/ ١٢٩.
(٢) "سنن البيهقي" ٧/ ٤٤٨، و"نصب الراية" ٣/ ٥٥٠، و"زاد المعاد" ٥/ ٧٢٢.
[ ١٤ / ٢٧ ]
قال أحمد: منكر.
وقال: ضعيف لا يصح.
- وفي "سنن أبي داود" (١): قال الإمام أحمد في حديث علي: لَئِنْ بَقِيتُ لِنَصَارى بَنِي تَغْلِبَ لَأَقْتُلَنَّ المُقَاتِلَةَ، وَلَأَسْبِيَنَّ الذُّرِّيَّةَ، فَإِنِّي كَتَبْتُ الكِتَابَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّبِيِّ -ﷺ- عَلَى أَنْ لَا يُنَصِّرُوا أَبْنَاءَهُمْ. أنكره إنكارا شديدا، ومرة ضعفه.
- وفي "فتح الباري" (٢) لابن رجب: سئل الإمام أحمد عن حديث ابن عمر ﵄ في الضربتين في التيمم قال: هذا حديث منكر. وقال مرة: أحاديث الضربتين ضعاف جدًا.
- وفي "الضعفاء" للعقيلي و"تلخيص الحبير" (٣): قول الإمام أحمد على حديث عائشة ﵂: أنه كان يأمر بالغسل من الجنابة والحجامة ومن غسل الميت ويوم الجمعة.
قال: ذاك حديث منكر. وقال مرة: ضعيف.
- وفي "فتح الباري" لابن رجب، و"التلخيص الحبير" (٤): قول الإمام أحمد على حديث أبي هريرة -﵁-: "الجمعة على من آواه الليل إلى أهله" أنكر أشد الإنكار ومرة ضعفه. وتطلق النكارة على الكذب.
الأمثلة:
- في "المنتخب" لابن قدامة، و"الضعفاء" (٥) للعقيلي: حديث علي بن أبي طالب -﵁-: "اللهم وال من والاه وعاد من عاداه"، قال الإمام أحمد:
_________________
(١) ٣/ ٢٨٣.
(٢) ٢/ ٩٢.
(٣) "الضعفاء" ٤/ ١٩٧ و"التلخيص الحبير" ١/ ١٣٧١.
(٤) "فتح الباري" لابن رجب ٥/ ٤٠٨، و"التلخيص الحبير" ٢/ ٥٤.
(٥) "المنتخب" لابن قدامة (١٢١)، والعقيلي في "الضعفاء" ١/ ٢٤٩.
[ ١٤ / ٢٨ ]
منكر جدًا.
قال العقيلي: كأنه لم يشك أن هذا الحديث كذب.
- وفي "علل عبد اللَّه بن أحمد" (١): حديث ابن عباس ﵄ قال: كان رجل يهوى امرأة، وكان ذات يوم جالسًا عند رسول اللَّه -ﷺ- فاستأذن في حاجة فأذن له، فخرج في يوم مطر فإذا هو بامرأة على غدير تغتسل فلما رآها جلس منها مجلس الرجل من امرأته وحرك ذكره فإذا هو مثل الهدبة الحديث.
قال الإمام أحمد: ما أرى هذا إلا كذاب، أو كذب، وأنكره جدًّا.
- وفي "العلل" رواية عبد اللَّه وغيرها: قال الإمام أحمد على حديث ابن مسعود -﵁- في القراءة على المصروع ببعض آيات من سورة المؤمنون.
قال: هذا الحديث موضوع، هذا حديث الكذابين منكر.
وتطلق النكارة أيضًا على المخالفة (٢).
- ففي "علل المروذي" (٣) قال: ذكرت للإمام أحمد: حديث زهير بن محمد، عن العلاء، عن أبية، عن أبي هريرة قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إذا كان نصف شعبان فلا صوم" فأنكره، وقال: سألت ابن مهدي عنه فلم يحدثني به وكان يتوقاه، ثم قال الإمام أحمد: هذا خلاف الأحاديث التي رويت عن النبي -ﷺ-.
- وفي "شرح علل الترمذي" (٤) لابن رجب: قال على حديث عائشة
_________________
(١) "العلل" برواية عبد اللَّه (٢٠٣٩).
(٢) "العلل" رواية عبد اللَّه (٥٩٧٩).
(٣) "علل المروذي" (٢٧٨).
(٤) ص ٤١٢.
[ ١٤ / ٢٩ ]
﵂ عندما سئلت كم كان رسول اللَّه -ﷺ- يصلي الضحى قالت: أربع ركعات ويزيد ما شاء اللَّه.
قال الإمام أحمد: منكر، وقال بأن الصحيح عن عائشة: ما سبح رسول اللَّه -ﷺ- سبحة الضحى قط.
- وفي "جامع العلوم والحكم" (١): قال على حديث ابن مسعود -﵁-: "ما من نبي بعثه اللَّه في أمة قبل إلا كان له من أمته حواريون" وفيه: "ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل".
قال الإمام أحمد: هذا حديث منكر، وهو خلاف الأحاديث التي أمر رسول اللَّه -ﷺ- فيها بالصبر على جور الأئمة.
وتطلق النكارة أيضًا على ما ليس له أصل، وعلى الباطل، وعلى نفي الصحة، وعلى عدم وجود الحديث في كتب الشيخ.
أمثلة:
- في "علل المروذي"، و"المنتخب" لابن قدامة (٢): حديث سعد بن أبي وقاص: "ما أنا أدخلته وأخرجتكم، بل اللَّه أدخله وأخرجكم"
قال الإمام أحمد: هذا حديث منكر ما له أصل.
- في "مسائل ابن هانئ"، و"فتح البارى" لابن رجب (٣): قال على حديث عائشة ﵂ في قصة الحيض: "انقضي شعرك واغتسلي".
قال أحمد: هذا باطل وقال مرة: منكر.
_________________
(١) "جامع العلوم والحكم" ٢٨٢.
(٢) "علل المروذي" (٢٨٠)، و"المنتخب" لابن قدامة (١٢٢).
(٣) "مسائل ابن هانئ" (٢٣٣١)، و"فتح الباري" لابن رجب ١/ ٤٧٦.
[ ١٤ / ٣٠ ]
- وفي "الضعفاء" (١) للعقيلي: قال على حديث ابن عمر ﵄: "لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئًا من القرآن": هذا باطل. وأنكره على إسماعيل بن عياش.
- وفي "السنة" للخلال (٢) قال على حديث أم هانئ "استقيموا لقريش ما استقاموا لكم": ليس بصحيح، هو منكر.
- وفي "المنتخب من علل الخلال" لابن قدامه (٣) قال على حديث ابن مسعود -﵁- عن النبي -ﷺ- "كلم اللَّه موسى وعليه جبة من صوف" قال: هذا منكر ليس بصحيح، أحاديث حميد عن عبد اللَّه بن الحارث منكرة.
- وفي "العلل" رواية عبد اللَّه (٤) قال الإمام أحمد في حديث جابر في الشفعة: هذا حديث منكر. وقال: ليس هو في كتاب غندر.
قلت: وهي من العلل القوية جدًّا التي خفيت على كثير من المشتغلين بهذا العلم الشريف واللَّه المستعان.
وأيضا قد أطلق النكارة على الوهم والخطأ وغيرهما أبو حاتم وأبو زرعة؛ ففي "علل ابن أبي حاتم" (٥) قال: سألت أبي عن حديث رواه أبو أسامة، عن عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي -ﷺ- في قصة ذي اليدين. قال أبي: هذا حديث منكر، وأخاف أن يكون أخطأ فيه أبو أسامة.
وفيه أيضا قال: سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه أبو داود الطيالسي، عن شعبة وحماد بن سلمة، عن عاصم، عن أبي وائل، عن
_________________
(١) "الضعفاء" ١/ ٩٠.
(٢) ١/ ١٢٨.
(٣) (١٦٥).
(٤) ١/ ٣٣٣.
(٥) رقم ٢٦٧.
[ ١٤ / ٣١ ]
حذيفة قال: قال عمر: أيكم يحفظ ما قال رسول اللَّه -ﷺ- في الفتنة؟ . . وذكر الحديث.
قال أبو زرعة: لا أعرفه من حديث شعبة وأنكره.
قلت: فهو خطأ؟ قال: ما أدري ما أقول لك منه.
قال أبي: هذا خطأ، أرى أن أبا داود وهم فيه، ليس فيه شعبة، ليس يعرف في هذا الحديث شعبة، إنما هو حماد بن سلمة فقط (١).
وفيه (٢): سألت أبي عن حديث حدثناه الحسن بن عرفة، عن عبد اللَّه ابن بكر السهمي قال: حدثني إياس، عن علي بن زيد بن جدعان، عن سعيد بن المسيب أن سلمان الفارسي قال: خطبنا رسول اللَّه -ﷺ- آخر يوم من شعبان فقال: "يا أيها الناس، إنه قد أظلكم شهر عظيم، شهر مبارك، فيه ليلة خير من ألف شهر، فرض اللَّه صيامه، وجعل قيامه تظوعًا" ذكر الحديث.
فقال أبي: هذا حديث منكر، غلط فيه عبد اللَّه بن بكر، إنما هو أبان بن أبي عياش، فجعل عبد اللَّه بن بكر أبانًا أياسًا.
وفي "العلل" (٣): قال: سمعت أبا زرعة وحدثناه عن محمد بكار، عن يحيى بن عقبة بن أبي العيزار، عن ابن أبي ليلى، وعن إدريس الأودي كلاهما عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، عن صفوان بن عسال قال: سجد بنا رسول اللَّه -ﷺ- في: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١].
فقال أبو زرعة: هذا حديث منكر خطأ، إنما هو عاصم، عن زر، قال: قرأ عمار على المنبر: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ فنزل فسجد، ويحيى ضعيف
_________________
(١) "علل ابن أبي حاتم" رقم ٢٧٢٨.
(٢) "علل ابن أبي حاتم" رقم ٧٣٣.
(٣) "العلل" (٥٦١).
[ ١٤ / ٣٢ ]
الحديث.
وفيه (١) قال: سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه يوسف بن عدي، عن عثام، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن النبي -ﷺ- كان إذا تعار من الليل قال: "لا إله إلا اللَّه الواحد القهار، رب السموات والأرض وما بينهما العزيز الغفار".
قالا: هذا خطأ، إنما هو هشام بن عروة، عن أبيه أنه كان يقول هذا. رواه جرير هكذا.
وقال أبو زرعة: حدثنا يوسف بن عدي هذا الحديث. وهو منكر.
[قلت]: وأيضا يطلق أبو زرعة وأبو حاتم النكارة على الباطل والذي لا أصل له والموضوع، والمجهول، وعلى الضعف والتفرد عن أصحاب الشيخ وغير المحفوظ، وغيره وعلى سبيل المثال:
في "العلل" (٢) قال: وسألت أبي عن حديث رواه الحارث بن وجيه عن مالك بن دينار، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة أن النبي -ﷺ- قال: "تحت كل شعرةٍ جنابة، فاغسلوا الشعر وأنقوا البشر".
قال أبي: هذا حديث منكر والحارث ضعيف الحديث.
وفيه أيضا (٣) قال: سألت أبي عن حديث رواه أبو مصعب عن الحسين ابن زيد بن علي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن يزيد بن ركانة أن النبي -ﷺ- صلى على ميت فكبر فقال: "اللهم عبدك وابن أمتك، احتاج إلى رحمتك وأنت أغنى عن عذابه".
_________________
(١) "العلل" (١٩٧).
(٢) "العلل" (٥٣).
(٣) "العلل" (٤٧٢).
[ ١٤ / ٣٣ ]
قال أبي: هذا حديث منكر لا أصل له.
وفيه أيضا (١) قال: سمعت أبي يقول: روى ابن أخت عبد الرزاق، عن عبد الرزاق، عن يحيى بن العلاء، عن الأعمش، عن خيثمة، عن عبد اللَّه قال: جبلت القلوب على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها.
قال أبي: هذا حديث منكر، وكان ابن أخت عبد الرزاق يكذب.
وفيه (٢) قال: وسألت أبي عن حديث رواه برد بن سنان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، عن النبي -ﷺ- أنه كان يصلي فاستفتحت الباب، فجاء النبي -ﷺ- ففتح الباب ومضى في صلاته.
قلت لأبي: ما حال هذا الحديث؟
قال أبي: لم يروِ هذا الحديث أحد عن النبي -ﷺ- غير برد، وهو حديث منكر ليس يحتمل الزهري مثل هذا الحديث.
وذهب أيضا جمع من الأئمة إلى إطلاق الخطأ والوهم على النكارة منهم ابن معين والبخاري والنسائي والترمذي وابن عبد البر والبيهقي والدارقطني.
فقد قال ابن معين في "تاريخه" (٣): قال الدوري: سمعت يحيى وسألته عن حديث حكيم بن جبير حديث ابن مسعود: "لا تحل الصدقة لمن كان عنده خمسون درهما" يرويه أحد غير حكيم؟
فقال يحيى بن معين: نعم، يرويه يحيى بن آدم، عن سفيان، عن زبيد، ولا نعلم أحدًا يرويه إلا يحيى بن آدم، وهذا وهم لو كان هذا هكذا لحدث به الناس جميعا عن سفيان، ولكنه حديث منكر.
_________________
(١) "العلل" (٢٥٢٣).
(٢) "العلل" (٤٦٧).
(٣) ٣/ ٣٤٦.
[ ١٤ / ٣٤ ]
وقال الترمذي في "العلل الكبير" (١): حدثنا الحسن بن الصباح، حدثنا محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن قتادة، عن أنس قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة" وأومأ بيده إلى الشام.
سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: هذا حديث منكر خطأ.
وقال أيضا في "العلل الكبير" (٢): حدثنا يحيى بن موسى، حدثنا يعقوب بن محمد الزهري، حدثنا محمد بن فليح، عن عبد اللَّه بن الحسين بن عطاء، عن شريك بن أبي نمر، عن أنس بن مالك أن النبي -ﷺ- كبر في الاستسقاء واحدة.
فسألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: هذا خطأ، وعبد اللَّه بن حسين ابن عطاء منكر الحديث، روى مالك بن أنس أن النبي -ﷺ- استسقى بقصته، وليس فيه هذا.
وروى النسائي في "سننه" (٣) من طريق الأحوص، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ القَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "اشْرَبُوا فِي الظُّرُوفِ وَلَا تَسْكَرُوا".
قال النسائي: وهذا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، غَلِطَ فِيهِ أَبُو الأَحْوَصِ سَلَّامُ بْنُ سُلَيْمٍ. أيضا روى النسائي في "الكبرى" (٤) من طريق عيسى بن محمد أبو عمير الرملي، وعيسى بن يونس يعزي، ثنا حوري، عن مرة، عن سفيان، عن عبد اللَّه بن دينار، عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "من ملك ذا رحم محرم عتق".
_________________
(١) ١/ ٣٢٤ (٥٩٨).
(٢) ١٦٢.
(٣) ٣/ ٢٣١.
(٤) ٣/ ١٧٣.
[ ١٤ / ٣٥ ]
قال النسائي: لا نعلم أن أحدا روى هذا الحديث عن سفيان.
قال الترمذي: ولم يتابع ضمرة على هذا الحديث، وهو خطأ عند أهل الحديث.
قال البيهقي: إنه وهم فاحش، والمحفوظ بهذا الإسناد النهي عن بيع الولاء وعن هبته.
ذكر الترمذي في "العلل الكبير" (١) حديثا من طريق محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إن للصلاة أولًا وآخرًا".
قال الترمذي: سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: وهم ابن فضيل في حديثه، والصحيح: هو حديث الأعمش عن مجاهد.
قال ابن أبي حاتم في "العلل" (٢): سألت أبي عن حديث رواه محمد بن فضيل. . فذكره.
قال أبي: هذا خطأ، وهم فيه ابن فضيل، يرويه أصحاب الأعمش عن الأعمش عن مجاهد قوله.
قال الدراقطني: هذا لا يصح مسندًا، وهم في إسناده ابن فضيل، وغيره يرويه عن الأعمش عن مجاهد مرسلًا.
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (٣): هذا الحديث عند جميع أهل الحديث منكر، وهو خطأ لم يروه أحد عن الأعمش بهذا الإسناد، إلا محمد بن فضيل، وقد أنكروه عليه.
ثم نقل عن محمد بن وضاح قال: قال لنا محمد بن عبد اللَّه بن نمير:
_________________
(١) ٨٢.
(٢) ٢٧٣.
(٣) ٨/ ٨٦.
[ ١٤ / ٣٦ ]
هذا الحديث حديث محمد بن فضيل عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة في المواقيت خطأ ليس له أصل.
قال ابن معين: رواه محمد بن فضيل عن الأعمش فأخطأ فيه.
وقد يطلق المنكر على غير المحفوظ، وعلى الشاذ، والغريب وعلى التفرد عن أصحاب الشيخ.
فليس في كلام الأئمة المتقدمين ضابط لهذِه التعريفات كما ضبطه المتأخرون في تعريف النكارة.
وترفع النكارة عند الإمام أحمد وغيره من النقاد بقرائن مثل المتابعة، كما سبق في حديث مالك في زيادة "من المسلمين" فعندما توبع قبلها.
وكما في حديث جابر بن عبد اللَّه في مواقيت الصلاة الذي أخرجه الترمذي (١)، وفيه: "أَمَّني جبريل عند البيت مرتين فصلى الظهر في الأولى. . " الحديث. قال فيه الإمام أحمد: ليس هذا الحديث بالمنكر؛ لأن الحسين بن علي الذي رواه وافقه على بعض صفاته غيره (٢).
وكما قال في حديث عبد اللَّه بن زيد -﵁- في الجهر بالقراءة في صلاة الاستسقاء، الذي أخرجه البخاري (٣) قال: كنت أنكره حتى رأيت رواية معمر عن الزهري كما قال ابن أبي ذئب. يعنى: أنه جهر بالقراءة (٤).
وأيضا قال في حديث عمار بن ياسر، الذي أخرجه البخاري (٥) في التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين: هو صحيح. وقال مرة: ليس في قلبي
_________________
(١) "سنن الترمذي" (١٥٠).
(٢) انظر: "المسائل" رواية عبد اللَّه (١٧٩)، "شرح علل الترمذي" ٢٨١، "الفتح" ٣/ ١٥.
(٣) "صحيح البخاري" برقم (١٠٢٤).
(٤) انظر: "فتح الباري" لابن رجب ٦/ ٢٨٦.
(٥) "صحيح البخاري" ١/ ٥٤٣ رقم (٣٤٧).
[ ١٤ / ٣٧ ]
منه شيء.
وقال مرة: إن كان ما روى أبو معاوية حقا روى عن الأعمش عن شقيق القصة فقال: ضربة واحدة للوجه والكفين، وتابعه عبد الواحد ويعلى، فزالت نكارة التفرد على هذِه اللفظة؛ لأن شعبة وحفص وابن عيينة وغيرهم رووه عن الأعمش، لم يذكروا الضربة الواحدة، ولا صفة التيمم في حديثه (١).
قال ابن رجب: قاعدة الإمام أحمد أن ما تفرد به ثقة فإنه يتوقف فيه حتى يتابع عليه فإن توبع عليه زالت نكارته، وهذِه قاعدة يحيى القطان وابن المديني وغيرهما، وأيضًا بقرائن أخرى، وكل حديث له ضوابط وقرائن خاصة به، هذا ولينتبه الدارس والقارئ لمثل هذا، ونسأل اللَّه أن يوفقنا إلى طريق الحق، ويهدينا إلى سواء السبيل إنه نعم المولى ونعم النصير.
وكتب: أبو معاذ/ إبراهيم النحاس
_________________
(١) انظر: "فتح الباري" لابن رجب ٢/ ٨٨.
[ ١٤ / ٣٨ ]