نسبه: هو أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله ابن حيان بن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أقصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان بن أد بن ادد بن الهميسع بن حمل بن النبت بن قيذار بن اسماعيل بن الخليل ابراهيم ﵇.
ولادته: قال صالح بن أحمد بن قال لي أبي: ولدت سنة أربع وستين ومائة
_________________
(١) (*) مصادر ترجمته: رسالته صالح بن أحمد المطبوع مع كتاب أحمد بن حنبل لاحمد عبد الجواد الرومي. طبقات ابن سعد ٧: ٣٥٤، التاريخ الكبير ١ / ٢: ٥ التاريخ الصغير ٢: ٣٧٥، تاريخ الفسوي ١: ٢١٢ تقدمه الحرج ٢٩٢، و١ / ٢: ٦٠، حب الاوليا ٩: ١٦١ كتاب المحن لابي العرب، الفهرست لابن النديم ٢٨٥ تاريخ بغداد ٤: ٤١٢، طبقات الحنابلة ١ / ٤، شرح علل ابن رجب ١٨١، تهذيب الاسماء واللغات ١: ١١٠، وفيات الاعيان ١: ٦٣، تهذيب الكمال ١: ٣٦ المطبوع على الاصل. تذكرة الحفاظ ٢: ٤٣١، سير أعلام النبلاء ١١: ١٧٧ الواخ بالوفيات ٦: ٣٦٣، طبقات الشافعية للسبكي ٢: ٢٧ كتاب المناقب للامام أحمد لابن الجوزي، البداية والنهاية ١٠: ٣٢٥ غاية النهاية للجزري ١: ١١٢، النجوم الزاهرة ٢: ٣٠٤ شذرات الذهب ٢: ٩٦، المنهج الاحمد ١: ٧، تاريخ الاسلام للذهبي في مقدمة مسند أحمد تحقيق أحمد شاكر. المصعد الاحمد لابن الجزري تهذيب التهذيب ١: ٧٢. (*)
[ ١ / ٤٥ ]
(١٦٤) في أولها في ربيع الاول.
وجئ بي حملا من مرو، وتوفي أبي محمد ابن حنبل وله ثلاثون سنة فوليتني أمي.
ومثله قول يعقوب الدورقي: سمعت أحمد يقول: ولدت في شهر ربيع الاول سنة أربع وستين ومائة.
وقال عبد الله بن أحمد وأحمد بن أبي خثيمة: ولد في ربيع الاخر.
أبوه: محمد بن حنبل كان أحد قادة الجيش في مرو ومات بعد مقدمه إلى بغداد بنحو من ثلاث سنين من ولادة أحمد.
جده: وجده حنبل بن هلال، كان من أبناء الدعوة وكان واليا على مرو (سرخس) من قبل الخليفة العباسي المهدي بن منصور فكان يقيم أبو أحمد هناك.
أمه: أمه صفية بنت ميمونة بنت عبد الملك الشيباني من بني عامر، كان
أبوه نزل بهم فتزوج بها.
وكان جدها من قبل أمها عبد الملك بن سوادة بن هند الشيباني من وجوه بني شيبان.
نشأته: لما مات أبوه وأحمد صغير، تولته أمه وربته تربية حسنة يحب جم وعطف بالغ.
[ ١ / ٤٦ ]
قال صالح بن أحمد: قال أبي: وكان قد ثقبت أذني.
فكانت أمي رحمة الله عليها تصير فيهما حبتين من لؤلؤ.
فلما ترعرعت، نزعتهما، فدفعتهما إلى فبعتهما بنحو من ثلاثين درهما.
وكانت ترسله في الكتاب.
وكانت آثار النجابة والفضل والصلاح تبدو منه من صغره.
روى ابن الجوزي باسناده عن أبي عفيف قال: كان أحمد في الكتاب معنا وهو غليم نعرف فضله، وكان الخليفة بالرقة فيكتب الناس إلى منازلهم، فيبعث نساءهم إلى العلم: ابعث إلينا بأحمد بن حنبل، ليكتب لهم جواب كتبهم، فربما أملوا عليه الشئ من المنكر.
فلا يكتبه لهم.
وقال أبو سراج بن خزيمة: فكان إذا دخل إليهم لا يرفع رأسه ينظر إليهم، فقال أبي وذكره، فجعل يعجب من أدبه وحسن طريقته.
وقال: أنا أنفق على ولدي واجيئهم بالمؤدبين على أن يتأدبوا فما أراهم يفلحون وهذا أحمد بن حنبل غلام يتيم أنظر كيف يخرج وجعل يعجب.
طلبه العلم ورحلته فيه:
الرحلة في طلب الحديث لها شأن عظيم، وما كان الاولون يتحملون مشاق الغربة والسفر إلا ليجمعوا العلم من العلماء والمشايخ الذين تفرقوا في المدن والعواصم الاسلامية.
وقد ضرب فيها أئمة الحديث أمثلة رائعة لم يوجد لها نظير في طائفة من الطوائف ولا في أمة من الامم.
وهذا أمر لا يحتاج إلى الاستدلال ولا ضرب الامثال.
ابتدأ الامام أحمد في طلب الحديث من شيوخ بغداد يقول: أول من كتبت عنه الحديث، أبو يوسف.
[ ١ / ٤٧ ]
وقال: طلبت الحديث وأنا ابن ست عشرة سنة، ومات هشيم وأنا ابن عشرين سنة، وأؤل سماعي من هشيم سنة تسع وتسعين ومائة.
ثم رحل إلى الكوفة، والبصرة ومكة والمدينة واليمن والشام، والجزيرة وكتب عن علماء كل بلد.
وقد روى في المسند عن مثنين وثمانين ونيف من المشايخ.
يقول: أول خرجة خرجتها إلى البصرة سنة ١٨٦ وهي الاولى والثانية سنة ١٩٠، ودخلت الثالثة في سنة ١٩٤ وقد مات غندر ودخلت سنة ٢٠٠.
قال صالح لابيه: أي سنة خرجت إلى سفيان بن عيينة؟ قال: في سنة ١٨٧.
قد مناها يعني مكة وقد مات فضيل بن عياض وهي: أول سنة حججت، وسنة احدى وتسعين حج الوليد بن مسلم وفي سنة ست وتسعين، وأقمت سنة سبع وتسعين وخرجت سنة ثمان وتسعين، وأقمت سنة تسع وتسعين عند عبد الرزاق وجاءنا موت سفيان ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي سنة ثمان وتسعين يعني ومائة.
وقال عبد الله بن أحمد: خرج أبي إلى طوس ماشيا وخرج إلى اليمن ماشيا، وقال أبي: ما كتبنا عن عبد الرزاق من حفظه شيئا إلا المجلس الاول وذلك أنا دخلنا بالليل فوجدناه في موضع جالسا، فأملى علينا سبعين حديثا، ثم التفت إلى القوم فقال: لولا هذا ما حدثتكم يعني أبي.
وربما كانت تمنعه قلة ذات اليد، ويصده ضيق المعيشة عن الرحلات مع رغبته الشديدة فيها.
قال ﵀: ولو كان عندي خمسون درهما كنت خرجت إلى جرير
[ ١ / ٤٨ ]
ابن عبد الحميد إلى الري، فخرج بعض أصحابنا.
ولم يمكنني الخروج لانه لم يكن عندي.
وقال: لو كانت عندي نفقة لرحلت إلى يحيى بن يحيى يعني الاندلسي، بالاندلس.
كما خرج الامام إلى عبادان سنة ست وثمانين وخرج إلى واسط وأقام على يزيد بن هارون.
وحصلت له بهذه الرحلات الكثيرة: ذخيرة كبيرة ومجموعة كثيرة من الاحاديث والاثار.
قال عبد الله بن أحمد قال لي أبو زرعة: أبوك يحفظ ألف ألف حديث.
فقيل له: وما يدريك؟ قال: ذاكرته فأخذت عليه الابواب.
ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء، ثم قال: فهذه حكاية صحيحة في سعة علم أبي عبد الله، وكانوا يعدون في ذلك المكرر والاثر وفتوى التابعي وما فسر، وإلا فالمتون المرفوعات القوية لا تبلغ عشر معشار ذلك.
وذكر الذهبي أيضا عن أبي زرعة قال:
حزرت كتب أحمد يوم مات، فبلغت اثني عشر حملا وعدلا ما كان على ظهر كتاب منها حديث فلان، ولا في بطنه حدثنا فلان، كل ذلك كان يحفظه عن ظهر قلب.
وقد لقي الامام في رحلته عناء كثيرا.
فلم تكن الطرق معبدة ولا المراكب مهيأة، وإن كانت، فخلو اليد من الدراهم يحول دون الركوب على الرواحل والمراكب.
ثم إنه طبع على عزة النفس فكان لا يقبل من أحد هبة ولا عطية
[ ١ / ٤٩ ]
ويرتفع عن الجوائز والاعطيات ويرضى لنفسه بالكسب الحلال بعرق الجبين فكان يكرى نفسه مع الجمالين.
روى أبو نعيم في الحلية عن اسحاق بن راهويه يقول: لما خرج أحمد ابن حنبل إلى عبد الرزاق، انقطعت به النفقة فأكرى نفسه من الجمالين إلى أن وافى صنعاء، وقد كان أصحابه عرضوا عليه المؤاساة، فلم يقبل من أحد شيئا.
وباسناده عن عبد بن حميد يقول: سمعت عبد الرزاق يقول: قدم علينا أحمد بن حنبل ههنا، فقام سنتين إلا شيئا، فقلت له: يا أبا عبد الله.
خذ هذا الشئ فانتفع به فإن أرضنا ليست بأرض متجر ولا مكست.
وأرانا عبد الرزاق كفه ومدها فيها دنانير.
قال أحمد: أنا بخير، ولم يقبل مني.
وروى عن أحمد بن سليمان الواسطي أنه قال: بلغني أن أحمد بن حنبل، رهن نعله عند خباز على طعام، أخذه منه عند خروجه من اليمن، وأكرى نفسه من ناس، من الجمالين عند خروجه من اليمن، وعرض عليه
عبد الرزاق دراهم صالحة، فلم يقبلها منه.
وروى أيضا عن علي بن الجهم بن بدر قال: كان لنا جار فأخرج إلينا كتابا، فقال: اتعرفون، هذا الخط؟.
قلنا: نعم، هذا خط أحمد بن حنبل، فقلنا له: كيف كتب ذلك؟، قال: كنا بمكة مقيمين عند سفيان ابن عيينة، فقصدنا أحمد بن حنبل أياما فلم نره، ثم جئنا إليه، لنسأل عنه، فقال لنا أهل الدار التي هو فيها، هو في ذلك البيت، فجئنا إليه والباب مردود عليه، وإذا عليه خلقان فقلنا له، يا أبا عبد الله، ما خبرك؟ لم نرك منذ أيام، فقال: سرقت ثيابي، فقلت له: معي دنانير،
[ ١ / ٥٠ ]
فإن شئت خذ قرضا، وإن شئت صلة، فأبى أن يفعل، فقلت: تكتب لي بأخذه؟ قال: نعم، فأخرجت دينار فأبى أن يأخذه، وقال: اشتر لي ثوبا واقطعه بنصفين، فأومى أنه يأتزر بنصف، ويرتدي بالنصف الاخر، وقال: جئني ببقيته، ففعلت وجئت بورق وكاغذ فكتب لي فهذا خطه.
وذكر ابن الجوزي عن صالح أنه سمع أباه يقول: خرجت إلى الكوفة فكنت أبيت وتحت رأسي لبنة، فحممت، فرجعت إلى أمي ولم أكن استأدنتها.
وبهذه النفس الابية وبكد العيش وضنك المعيشة متوكلا على الله خرج في سبيله يجوب البراري، والقفاء يفترش الارض الجرداء ويرتدي برداء السماء يتوسد باللبن والاحجار، يلتقي المشايخ ويتلقى منهم الحديث، حتى صار إماما يقتدى به، وحجة يشار إليه بالبنان، ويرجل إليه للاخذ والسماع.
تصدره للتحديث والفتوى:
حرث عادة أغلب المحدثين رحمة الله عليهم أن لا يجلس الواحد منهم إلا بعد ادراك الفكر ونضوج الرأي واكتمال القوة العقلية.
قال ابن خلاد الرامهرمزي في المحدث الفاصل وعنه الخطيب في الجامع لاخلاق الراوي وآداب السامع: " الذي يصح عندي من طريق الاثر والنظر في الحد الذي إذا بلغه الناقل حسن به أن يحث هو أن يستوفى الخمسين، لانها انتهاء الكهولة، وفيها مجتمع الاثر وليس بمستنكر أن يحدث عند استيفاء الاربعين، لانها حد الاستواء ومنتهى الكمال.
نبئ رسول الله ﷺ وهو ابن أربعين
[ ١ / ٥١ ]
سنة وفي الاربعين تتناهى عزيمة الانسان، وقوته، ويتوفر عقله، ويجود رأيه.
اهـ.
ويبدو أن الامام أحمد لم يتصدر للتحديث والفتوى إلا بعد الاربعين، وقبله كان متفرغا للطلب والاخذ والجمع مشغولا بالرحلات الكثيرة للقي المشايخ.
ذكر ابن الجوزي عن الحجاج بن الشاعر، أنه جاء إلى أحمد بن حنبل، فسأله أن يحدثه في سنة ٢٠٣ (يعني وعمره كان آنذاك ٣٩ سنة) فأبى أن يحدثه.
فخرج إلى عبد الرزاق، ثم رجع في سنة أربع يعني ومائتين، وقد حدث أحمد، واستوى الناس عليه، وكان له في هذا اليوم أربعون سنة.
ثناء الائمة عليه: فلما جلس للتحديث ضربت إليه أكباد الابل وشدت إليه الرحال من كل صوب للنهل من معينه الثر.
وذاع في الاقطار الاسلامية المترامية
الاطراق صيته، وظهر علمه وفضله على الناس من اخوانه وأصحابه حتى اعترف بفضله شيوخه، وأثنوا عليه ثناء يستحقه هذا الامام الزاهد المجاهد العابد، الفقيه.
قال الشافعي ﵀: رأيت ببغداد ثلاث أعجوبات رأيت بها نبطيا يتنحى علي حتى كأنه عربي وكأنه نبطي، ورأيت أعرابيا يلحن حتى كأنه نبطي، ورأيت شابا وخطه الشيب فإذا قال: حدثنا قال الناس كلهم: صدق.
قال المزني: فسألته، فقال: الاول، الزعفراني والثاني، أبو ثور الكلبي، وكان لحانا، وأما الشاب فأحمد بن حنبل.
[ ١ / ٥٢ ]
وقال الشافعي أيضا: ما رأيت رجلين أعقل من أحمد بن حنبل وسليمان بن داود.
وقال ابن أبي أويس وقال عنده بعض أصحاب الحديث: ذهب أصحاب الحديث.
فقال ابن أبي أويس: أبقى الله أحمد بن حنبل فلم يذهب أصحاب الحديث.
وقال علي بن المديني: أحمد بن حنبل سيدنا، وكان يجلة ويكرمه كثيرا، وهو هو في علم الحديث: حتى قال فيه البخاري: ما استصغرت نفسي إلا عند علي بن المديني.
وكان يقول ابن المديني أيضا: إن سيدي أحمد بن حنبل أمرني ألا أحدث إلا من كتاب.
وقال أيضا: أحمد بن حنبل عندي أفضل من سعيد بن جبير في زمانه، لان سعيدا كان له نظراء، وإن هذا ليس له نظير.
وكان يقول: ليس في أصحابنا أحفظ من أبي عبد الله أحمد بن حنبل وبلغني أنه، لا يحدث إلا من كتاب ولنا فيه أسوة.
وقال أيضا: إن الله ﷿ أعز هذا الدين برجلين ليس لهما ثالث، أبو بكر الصديق يوم الردة وأحمد بن حنبل يوم المحنة وقد كان لابي بكر أصحاب وأعوان.
وأحمد ليس له أعوان ولا أصحاب.
وقال أبو عبد السلام بن سلام: انتهى العلم إلى أربعة إلى أحمد بن حنبل وهو أفقههم وإلى ابن أبي شيبة، وهو أحفظهم له، وإلى علي بن المديني.
وهو أعلمهم به وإلى يحيى بن معين وهو أكتبهم له.
وقال يحيى بن معين: ثقات الناس، أو أصحاب الحديث أربعة:
[ ١ / ٥٣ ]
وكيع ويعلى بن عبيد والقعنبي وأحمد بن حنبل.
وقال النسائي: كان أحمد بن حنبل بالذي قال النبي ﷺ: كائن في أمتي ما كان في بني اسرائيل، حتى إن المنشار ليوضع على مفرق رأسه.
ما يصرفه ذلك عن دينه ولولا أحمد بن حنبل قام بهذا الشأن، لكان عارا علينا إلى يوم القيامة.
وقال أيضا: لم يكن في عصر أحمد بن حنبل مثل هؤلاء الاربعة علي ابن المديني ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل واسحاق بن راهويه واعلم هؤلاء الاربعة بالحديث وعلله علي بن المديني وأعلمهم بالرجال وأكثر حديثا يحيى بن معين، وأحفظهم للحديث والفقه اسحاق بن راهويه، إلا أن أحمد بن حنبل كان عندي أعلم بعلل الحديث من اسحاق، وجمع أحمد المعرفة بالحديث والفقه والورع والزهد والصبر.
وسئل أبو زرعة عن علي بن المديني ويحيى بن معين أيهما كان أحفظ؟
قال: كان علي أسرد وأتقن ويحيى أفهم، بصحيح الحديث وسقيمه وأجمعهم أبو عبد الله أحمد بن حنبل، كان صاحب حفظ وصاحب فقه، وصاحب معرفة، قال: وما أعلم في أصحابنا أفقه من أحمد، قيل له: اختيار أحمد واسحاق أحب إليك أم قول الشافعي؟ قال: بل اختيار أحمد واسحاق أحب إلي، وقال: ما رأت عيناي مثل أحمد بن حنبل في العلم والزهد والفقه والمعرفة وكل خير.
وانظر مزيدا من ثناء الائمة أقران أحمد ومن بعده من أتباعه فيما ذكر ابن الجوزي في مناقبه في الباب الرابع عشر يدل لك على عظمة هذا الامام وحب الناس له.
[ ١ / ٥٤ ]
قال ابن رجب في شرح علل الترمذي: وممن أفرد التصنيف لمناقبه ابن أبي حاتم وابن شاهين والبيهقي، وأبو اسماعيل الانصاري ويحيى بن مندة وابن الجوزي، وقد أفردت مصنفا لمناقبه.
* ميزة الامام أحمد من بين أقرانه: إن الناظر في شخصية الامام تظهر له ميزة فاضلة وفضيلة متميزة من بين أقرانه ومعاصريه.
وهي أنه جمع بن التلقي والتحديث والرواية والدراية.
والكلام في علل الحديث ومعرفة الرجال، والكلام في الفقه والمسائل.
وقد خلد الله منه هذه الاثار كلها فصار بحق إماما يقتدى به، في حين أننا نجد من أقرانه من كان يجمع علوما مختلفة ولكن لم يقدر الله أن تنقل عنه هذه العلوم المختلفة فنجده قد خصص نفسه لجانب ولم يتفرغ للجوانب الاخرى.
فانظر في ترجمة يحيى بن معين رفيق عمر الامام أحمد تجد مصداق ذلك.
يقول أحمد بن عقبة: سألت يحيى بن معين: كم كتبت من الحديث يا أبا زكريا، قال: كتبت بيدي هذه ستمائة ألف حديث.
قال أحمد بن عقبة: وإني أظن أن المحدثين قد كتبوا له بأيديهم ستمائة ألف وستمائة ألف (١) .
وقال محمد بن نصر الطبري: سمعت يحيى بن معين يقول: قد كتبت بيدي ألف ألف حديث (٢) .
_________________
(١) تاريخ بغداد ١٤: ١٨٢.
(٢) تذكرة الحفاظ ١: ٤٣٠. (*)
[ ١ / ٥٥ ]
وكان يحب الاكثار من كتابة الحديث ويقول: أشتهي أن أقع على شيخ عنده بيت ملئ كتبا أكتب عنه وحدي (١) .
وقال فيه الامام أحمد: كل حديث لا يعرفه يحيى بن معين فليس هو بحديث وفي رواية فليس هو ثابتا.
وقال علي بن المديني: ما نعلم أحدا من لدن آدم (!) كتب من الحديث ما كتبه يحيى بن معين (٢) .
ومع هذه الذخيرة الكبيرة عنده في الحديث كان يتقلل من الرواية والتحديث، ولم يكن يعقد الحلقات المعروفة لدى أقرانه من المحدثين للامام والرواية، والظاهر أنه خصص نفسه لنوع خاص من علم الحديث وهو نقد الروايات والجرح والتعديل.
فنجد له مجموعة كبيرة في هذا
الجانب، كما نجد نقولا كثيرة عنه في كتب الرجال.
ومما يؤيد ذلك أن أبا داؤد وهو أحد الرواة الذين دونوا عنه مادة النقد ولازموه، لم يخرج له في كتاب السنن إلا خمسة وعشرين حديثا فقط على سعة كتابه، واستيعابه قدرا كبيرا من أحاديث الاحكام، في حين أن كتابه ملئ بالرواية عن أحمد ومسدد وغيرهما ممن هو مثله أو دونه في جمع الروايات (٣) .
وكذلك الامام العجلي، أبو الحسن، أحمد بن عبد الله بن صالح (١٨٢ - ٢٦١) كان كثير التلقي كبير الحفظ، وقد أخذ من أكثر أئمة عصره
_________________
(١) أنظر مقدمة تاريخ يحيى بن معين ص ٥٥.
(٢) تاريخ بغداد ١٤: ٨٠، ٨٢.
(٣) أنظر مقدمة تاريخ يحيى بن معين ٦٢. (*)
[ ١ / ٥٦ ]
في كل المراكز العلمية المعروفة في ذلك العصر مثل الكوفة، والبصرة وبغداد والشام والحجاز ومصر كما يظهر من رحلاته الكثيرة وشيوخه الكثيرين حتى إنه في سفرة واحدة إلى البصرة كتب سبعين ألف حديث عدا حديث حماد بن سلمة والقعنبي حتى كن الدوري بالغ فيه مبالغة نادرة وقال: إنه يعد من أمثال أحمد بن حنبل ويحيى بن معين.
ومع ذلك لا نكاد نجد له رواية في كتب الحديث المعروفة حتى قال الذهبي: ما أظنه، روى شيئا سوى حكايات (١) .
وصف الامام أحمد وهيئته: روى الخطيب باسناده عن محمد بن العباس بن الوليد النحوي قال: رأيت أحمد بن حنبل رجلا حسن الوجه، ربعة من الرجال يخضب بالحناء
خضابا، ليس بالقاني في لحيته شعرات سود، ورأيت ثيابه غلاظا إلا أنها بيض، ورأيته معتما عليه ازاره.
وذكره ابن الجوزي وغيره عن ابن جعفر بن ذريح العكبري: طلبت أحمد بن حنبل لاساله عن مسألة، فسلمت عليه، وكان شيخا مخضوبا، طوالا أسمر، شديد السمرة.
وذكر ابن أبي حاتم عن عبد الملك الميموني يقول: ما أعلم أني رأيت أحدا أنظف ثوبا، ولا أشد تعاهدا لنفسه في شاربه وشعر رأسه وشعر بدنه، ولا أتقى ثوبا وشدة بياض من أحمد بن حنبل.
وقال أبو بكر المروذي: رأيت أبا عبد الله إذا كان في البيت كان عامة جلوسه متربعا خاشعا، فإذا كان برا (يعني خارجا) لم يكن يتبين منه
_________________
(١) تذكرة الحفاظ ٢: ٥٦١، وانظر مقدمة ثقات العجلي للاستاذ عبد العليم ص ٥٤. (*)
[ ١ / ٥٧ ]
شدة خشوع كما كان داخلا، وكنت أدخل عليه، والجزء في يده يقرأ، فإذا قعدت أطبقه ووضعه بين يديه.
وكان الناس يحضرون مجلسه ليتعلموا منه حسن الادب.
قال الحسن بن اسماعيل: سمعت أبي يقول: كان يجتمع في مجلس أحمد زهاء على خمسة آلاف أو يزيدون أقل من خمسمائة يكتبون والباقون يتعلمون منه حسن الادب وحسن السمت.
لباسه: قال الميموني: كانت ثياب أحمد بن حنبل بين الثوبين تساوي ملحفته خمسة عشر درهما.
وكان ثوبا يؤخذ بالدينار ونحوه لم تكن له رقة تنكر ولا غلظ ينكر، وكانت ملحفته مهدبة.
وقال الفضل بن زياد: رأيت على أبي عبد الله في الشتاء قميصين وجبة
ملونة بينهما وربما ليس قميصا وفروا ثقيلا وربما رأيت عليه في البرد الشديد الفرو، فوق الجبة ورأيت عليه عمامة فوق القلنسوة وكساء ثقيلا.
وقال جعفر بن محمد بن المغيرة: رأيت على أبي عبد الله في الصيف قميصا وسراويل ورداء وربما لبس قيمصا ورداء واتشح بالرداء، وكان كثيرا ما يتشح فوق القميص.
وقال صالح بن أحمد: كانت لابي قلنسوة وقد خاطها بيده فيها قطن، فإذا قام من الليل لبسها: وقال حميد بن زنجويه: رأيت على أحمد بن حنبل جبة خضراء فيها رقعة بيضاء من صوف.
[ ١ / ٥٨ ]
وقال حمدان بن علي: رأيت على أبي عبد الله جبة وعليها رقعة بغير لونها.
وقال المروذي أراد أبو عبد الله أن يرقع قميصه فلم يكن عنده رقعة، فقال: أرقعه من ازاري، فقطعناه من ازاره فرقعناه ولقد احتاج غير مرة إلى خرق فكان يقطع من ازاره، وأعطاني خفا له لارمة قد لبسه سبع عشرة سنة، فإذا فيه خمسة مواضع أو ستة مواضع الخرز فيه من برا.
وهكذا كان لباسه ونعله ﵀، وإذا قارنا هذه الحالة بمعيشته واسباب رزقه فلا نستبعدها فقد كان ﵀ زاهدا من كبار الزهاد في الدنيا قانعا بالقليل من الكفاف الذي يأتيه من غلة أرضه وبما يأتي من كسب يده وعياله، متعفنا عن قبول الجوائز والهدايا.
زهده وتعففه: إن زهد أحمد شئ معروف وقد رأينا في نمط عيشه وليله ونهاره، كيف
كان يعيش زاهدا بعيدا عن الترف والترفه، ونحن نعتقد أنه لو أراد الدنيا لجاءت إليه تجر أذيالها بالمناصب والولايات، فجده كانت له مكانة مرموقة، وأبوه أيضا كان كذلك في خدمة الدولة الاسلامية العباسية، ثم هو قد بلغ الغاية في العلم والفضل والامامة له أتباع من الامراء والعامة يفدونه بأرواحهم فضلا عن أموالهم ويرون شرفا لهم أن يقبل منهم الهدايا، ولكن الامام لم تمد عينه إلى الدنيا وزخارفها.
ولم يقبل الولايات والمناصب وآثر الخمول لنفسه واختار التواضع والقناعة بما يسد به حاجته في أدنى درجات المعيشة.
ذكر ابن الجوزي عن الشافعي قوله: لما دخلت على هارون الرشيد قلت له بعد المخاطبة: إني خلفت اليمن
[ ١ / ٥٩ ]
ضائعة تحتاج إلى حاكم، فقال: انظر رجلا ممن يجلس إليك حتى توليه قضاءها، فلما رجع الشافعي إلى مجلسه، رأى أحمد بن حنبل من أمثلهم أقبل عليه، فقال: إني كلمت أمير المؤمنين أن يولي قاضيا بالمين وأنه أمرني أن أختار رجلا ممن يختلف إلي وإني قد اخترتك فتهيأ حتى أدخلك على أمير المؤمنين يوليك قضاء اليمن.
فأقبل إليه أحمد وقال: إنما جئت إليك لاقتبس منك العلم تأمرني أن أدخل لهم في القضاء ووبخه فاستحى الشافعي.
وروى ابن أبي حاتم عن صالح بن أحمد قال: دخلت يوما على أبي ﵀ أيام الواثق، والله أعلم على أي حالة نحن.
وقد خرج لصلاة العصر، وكان له لبد يجلس عليه وقد أتى عليه سنون كثيرة حتى قد بلي وإذا تحته كاغذ وإذا فيه:
بلغني يا أبا عبد الله ما أنت فيه من الضيق وما عليك من الدين وقد وجهت إليك بأربعة آلاف درهم على يدي فلان لتقضي به دينك وتوسع على عيالك، وما هي من صدقة ولا زكاة، وإنما هو شئ ورثته عن أبي، فقرأت الكتاب ووضعته، فلما دخلت قلت: يا أبة ما هذا الكتاب؟ فاحمر وجهه، وقال: رفعته منك ثم قال: تذهب بجوابه، فكتب إلى الرجل: وصل كتابك إلي، ونحن في عافية، فأما الدين فإنه لرجل لا يرهقنا، وأما عيالنا، فهم في نعمة والحمد لله، فذهبت بالكتاب إلى الرجل الذي كان أوصل كتاب الرجل، فلما كان بعد حين ورد عليه كتاب الرجل بمثل ذلك فرد عليه الجواب بمثل ما ورد فلما مضت سنة أقل أو أكثر ذكرناها، فقال: لو كنا قبلناها كانت قد قد ذهبت.
اهـ.
[ ١ / ٦٠ ]
وأرسل له محمد بن سليمان السرخسي عشرة آلاف درهم فقال أحمد لرسول محمد السرخسي: جزاه الله خيرا نحن في غنى وسعة وأبي أن يأخذها، فراجعه فقال: دعنا نكن أعزاء.
معيشة الامام أحمد: إن طلب العلم والفقه كاد أن يكون متلازما للفقر، فبقدر ما يصرف المرء همه وهمته في الطلب والتحصيل ينقص حظه من الدنيا إلا أن يكون له مورد غير الكسب الخاص وإذا زاد على ذلك زهد الطبع والقناعة البالغة فلا تسأل عن ضيق معيشته وإن الطالب المثالي لهذه الامة وفقيه الصحابة، أبا هريرة ﵁ يروي لنا من حاله في الطلب ثم فقره وعوزه، فيما أخرجه البخاري في صحيحه من كتاب العلم قال باسناده:
قال أبو هريرة ﵁، إن الناس يقولون: أكثر أبو هريرة، ولولا آتيان في كتاب الله ما حدثت حديثا.
ثم يتلو " إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات إلى قوله الرحيم ".
إن اخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالاسواق وإن إخواننا من الانصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله ﷺ بشبع بطنه، ويحضر ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون.
وكان الامام أحمد من أولئك المخلصين للطلب والتحصيل، ولم يتفرغ لتجارة ولا لعمل خاص مستمر، وانما اقتنع باليسير مما كان يأتيه من كراء دار له ومن عمله بيده أو بيد أهله.
ذكر ابن الجوزي في المناقب:
[ ١ / ٦١ ]
كان أحمد ﵁ خلف له أبوه طرز (أي حوانيت للحياكة، تحاك فيها الثياب) ودارا يسكنها وكان يكري تلك الطرز ويتعفف بكرائها عن الناس.
ويبدو أنه كان يكري جزء من الدار أيضا، وإن أجرة هذه الطرز والدار لم تكن كافية لسد حاجته.
كما يظهر مما ذكر محمد بن يونس البلدي قال: كنت جالسا مع أبي عبد الله فجاءه بعض سكانه بدرهم ونصف، فلما وقع في يده تركني، وقام فدخل إلى منزله، ورأيت السرور في وجهه، فظننت أنه كان قد أعدة لحاجة مهمة.
ولما لم تكن هذه الغلة كافية لنفقته كان يخرج إلى اللقاط.
قال أبو جعفر الطرسوسي حدثني الذي نزل عليه أبو عبد الله قال لما نزل علي خرج في اللقاط، فجاء وقد لقط شيئا يسيرا، فقلت له: قد أكلت أكثر مما قد لقطت، فقال: رأيت أمرا استحييت منه رأيتهم
يلقطون، فيقوم الرجل على أربع، وكنت أنحف إذا لقطت.
وقال أبو بكر المروذي.
قال لي أبو عبد الله: خرجت إلى الثغر على قدمي، فالتقطنا، وقد رأيت قوما يفسدون مزارع الناس، لا ينبغي لاحد أن يدخل مزرعة رجل إلا بإذنه.
وقال اسحاق بن راهويه: كنت أنا وأحمد باليمن عند عبد الرزاق وكنت أنا فوق الغرفة، وهو أسفل.
وكنت إذا جئت إلى موضع، اشتريت جارية، قال: فاطلعت على أن نفقته فنيت، فعرضت عليه.
فامتنع.
فقلت: إن شئت قرضا وإن شئت صلة، فأبى، فنظرت فإذا هو ينسج التكك، ويبيع وينفق.
وقد تقدم أنه احتاج في بعض أيامه فأكرى نفسه من الحمالين.
وربما احتاج وأعوزه الفقر.
فكان ينسخ الكتب للناس بأجرة فقد سبق أن ذكر
[ ١ / ٦٢ ]
ما روى أبو نعيم في الحلية عن علي بن الجهم قال: كان جار فأخرج إلينا كتابا فقال: أتعرفون هذا الخط؟، قلنا: نعم، هذا خط أحمد بن حنبل، فقلنا له: كيف كتب ذلك؟ قال: كنا بمكة مقيمين عند سفيان بن عيينة، فقصدنا أحمد بن حنبل أياما فلم نره، ثم جئنا إليه، لنسأل عنه.
فقال لنا أهل الدار التي هو فيها: هو في ذلك البيت، فجئنا إليه، والباب مردود عليه، وإذا عليه خلقان، فقلنا له: يا أبا عبد الله، ما خبرك؟ لم نرك منذ أيام، فقال: سرقت ثيابي، فقلت له: معي دنانير، فإن شئت خذ قرضا وإن شئت صلة فأبى أن يفعل.
فقلت: تكتب لي بأخذه (كذا في الكتاب والذي يبدو أن الصواب بأجرة) قال: نعم، فأخرجت دينارا فأبى أن يأخذه.
وقال: اشتر لي ثوبا واقطعه بنصفين فأومى أنه يأتزر بنصف
ويرتدي بالنصف الاخر، وقال: جئني ببقيته، ففعلت، وجئت بورق وكاغذ، فكتب لي فهذا خطه.
وكان هناك لمعيشة الامام مصدر آخر ضعيف أيضا في بعض الاحيان، وكان يكون قوته وقوت عياله.
فقد كانت زوجته أم صالح تغزل في البيت.
روى ابن أبي حاتم عن صالح بن أحمد قال: قال أبي: إن كانت والدتك في الغلاء تغزل غزلا دقيقا، فتبيع الاستار بدرهمين أقل أو أكثر فكان ذلك قوتنا.
وهذا الدخل المحدود وهو أيضا غير مستقر، يصور لنا مستوى معيشة الامام وأهله في المأكل والملبس، وقد رأينا في صفته وهيئته كيف كان لباسه.
وأما من حيث المأكل فقد روى لنا صالح ابن الامام فيما روى عنه
[ ١ / ٦٣ ]
ابن أبي حاتم قال: ربما رأيت أبي ﵀ يأخذ الكسر فينفض الغبار عنها ثم يصيرها في قصعة، ويصب عليها ماءا حتى تبتل ثم يأكلها بالملح ما رأيت أبي قط اشترى رمانا ولا سفرجلا وشيئا من الفاكهة إلا أن يكون يشتري بطيخة فيأكلها بخبز أو عنبا أو تمرا، فأما غير ذلك فما رأيته اشتراه.
وقال أيضا: كان ربما خبز له فيجعل في فخارة عدسا وشحما وتمرات شهرين.
فيجئ إلى الصبيان بقصعة.
فيصوت ببعضهم.
فيدفعه إليهم فيضحكون، ويأكلون وكثيرا ما يأتدم بالخل.
ووجد الامام مرة بردا في أطرافه.
فقال ما أراه إلا من إدامي أكل
الخل والملح.
كرم الامام وجوده مع ضيق الحال: روى ابن الجوزي في المناقب عن أبي بكر المروذي قال: كان أبو عبد الله ربما وأسى من قوته، وجاء أبو سعيد الضرير فشكى فقال له: يا أبا سعيد ما عندنا إلا هذا الجذع، فجئ بحمال يحمله قال: فأخذت الجذع فبعته بتسعة دراهم ودانقين.
وعن يحيى بن هلال الورق قال: جئت إلى محمد بن عبد الله بن نمير فشكوت إليه، فأخرج إلى أربعة دراهم أو خمسة دراهم وقال: هذا نصف ما أملك.
قال وجئت مرة إلى أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل فأخرج إلي أربعة دراهم وقال: هذه جميع ما أملك.
وعن هارون المستملي قال: لقيت أحمد فقلت: ما عندنا شئ،
[ ١ / ٦٤ ]
فأعطاني خمسة دراهم، وقال: ما عندنا غيرها.
وحتى إنه كان ينفق من طعامه الذي هو أحوج إليه لبعض الدواب ويؤثره على نفسه رحمة الله عليه.
قال المروذي: كنت مع أبي عبد الله في طريق العسكر فنزلنا منزلا فأخرجت رغيفا ووضعت بين يديه كوز ماء، فإذا بكلب قد جاء.
فقام بحذائه، وجعل يحرك ذنبه، فألقى إليه لقمة، وجعل يأكل ويلقي إليه لقمة، فخفت أن يضر بقوته فقمت فصحت به لانحيه من بين يديه، فنظرت إلى أبي عبد الله قد احمار وتغير من الحياء، وقال: دعه فإن ابن عباس قال: لها نفس سوء.
عيال الامام أحمد: لم يتزوج الامام أحمد إلا بعد ما بلغ أربعين سنة كما روى المروذي وأول زوجاته: عباسة بنت الفضل أم صالح، ولم يولد منها غير ابنه صالح ثم تزوج: ريحانة وهي أم عبد الله ولم يولد منها غيره وكانت أمرأة صالحة ترى السعادة في رضي زوجها، فلما قضت سبعة أيام قالت للامام كيف رأيت يا ابن عم انكرت شيئا؟ قال: لا إلا أن نعلك هذه تصر.
وفي رواية أخرى قالت امرأة أحمد لاحمد بعدما دخلت عليه بأيام: هل تنكر مني شيئا؟ قال: لا إلا هذه النعل التي تلبسينها ولم تكن على عهد رسول الله ﷺ.
قال: فباعتها واشترت مقطوعا فكانت تلبسها وهي أم عبد الله.
[ ١ / ٦٥ ]
سراريه: قال الخلال حدثنا زهير بن صالح قال: لما توفيت أم عبد الله، اشترى حسن.
فولدت له منه أم علي واسمها زينب ثم ولد الحسن والحسين توأما وماتا بالقرب من ولادتهما.
ثم ولدت الحسن ومحمدا فعاشا حتى صارا من السن إلى نحو الاربعين ثم ولدت بعدهما سعيدا.
ذكر ابن الجوزي الزوجتين المذكورتين أم صالح وأم عبد الله وهذه الجارية ثم قال: ما عرفنا أن أحمد ﵁ تزوج سوى المرأتين اللتين ذكرناهما ولا تسرى إلا بهذه الجارية واسمها حسن إلا أن ابن المنادى ذكر في كتاب فضائل أحمد أن أحمد استأذن أهله أن يتسرى طلبا للاتباع فأذنت
له، فاشترى جارية بثمن يسير وسماها ريحانة استنانا برسول الله ﷺ.
فعلى هذا يكون قد اشترى جاريتين وتكون إحداهما في حياة زوجته.
وضعف الذهبي في تاريخه قول ابن المنادى هذا.
أولاد الامام أحمد: ١ - صالح وهو أكبر أولاده كنيته أبو الفضل ولد سنة ٢٣٠ وتوفي في رمضان سنة ٢٦٥، بأصفهان.
٢ - عبد الله وتأتي ترجمته منفصلة.
٣ - الحسن بن أحمد عاش نحو أربعين سنة.
٤ - محمد بن أحمد عاش نحو أربعين سنة.
٥ - سعيد بن أحمد.
٦ - زينب بنت أحمد وقد كبرت وبلغت الزواج.
٧ - ذكرت له بنت آخر فاطمة بنت أحمد.
[ ١ / ٦٦ ]
فتنة خلق القرآن ومحنة الامام أحمد ﵀ إن أبرز الامور في حياة الامام أحمد موقفه النبيل الشجاع في فتنة القول بخلق القرآن.
فتنة عمياء هوجاء هبت سمومها في عهد الخليفة العباسي مأمون.
وإن كانت جراثيمها قديمة وجذورها عميقة، فإن حلقاتها تتصل باليهودية الحاقدة الحانقة على الاسلام والمسلمين.
وغذيت هذه الفتنة بالفلسفة اليونانية والرومانية التي ترجمت بجميع خبثها ودرنها وشركياتها ووثنياتها.
ولو اقتصرت الترجمة على علوم الطب والعلوم الانسانية الاخرى واستفاد منها المسلمون في أمور دنياهم لكان أمرا محمودا، فإن ديننا دين
فطرة يأمرنا ألا ننسى أنصباءنا من الدنيا.
ولكن يحدثنا التاريخ أن الترجمة اشتملت بل استوعبت الافكار الفلسفة الباطلة المتعلقة بالعقيدة وذات الباري جل وعز وصفاته أيضا، مما لا حاجة فيها للمسلمين وقد بينها رسولنا ﷺ أوضح بيان وفهمها الرعيل الاول من هذه الامة فهما واضحا من غير تأويل ولا تحريف ولا تمثيل ولا تكييف ولا تعطيل أمروها على ظاهرها.
وهل تجد منهم أحدا ولو كان أعرب الاعراب وأغرق الناس في البداوة أشكلت عليه آيات الاسماء الصفات؟ لا وكلا.
وللمسلمين في كل زمان ومكان مندوحة في فهم أصحاب
[ ١ / ٦٧ ]
المصطفى ﷺ لهذا الدين الحنيف عقيدة وسلوكا ولن يصلح آخر هذه الامة إلا بما صلح به أولها.
ولما دخلت الافكار الفاسدة أحدثت فيهم انكار الصفات كليا أو جزئيا أو تأويلها أو تعطيلها مع شكوك وشبهات أخرى.
كما حدث التجهم والاعتزال والاشعرية كعقيدة.
وبالحملة أصل هذه المقالة الخبيثة هو التأثر باليهودية المغذاة بالفلسفة والسفسطة الكافرة.
تصل جذورها باليهود الذين كانوا في عهد النبي ﷺ وكانوا يقولون بخلق التوراة.
قال ابن الاثير في تاريخه في حوادث سنة ٢٤٠: وفيها توفى القاضي أبو عبد الله أحمد بن دؤاد في المحرم بعد ابنه أبي الوليد بعشرين يوما، وكان داعية إلى القول بخلق القرآن وغيره من مذاهب المعتزلة وأخذ ذلك عن بشر المريسي وأخذه بشر من الجهم بن
صفوان، وأخذه جهم من الجعد بن درهم، وأخذه الجعد من أبان بن سمعان، وأخذه أبان من طالوت ابن أخت لبيد بن الاعصم وختنه.
وأخذه طالوت من لبيد بن الاعصم اليهودي الذي سحر النبي ﷺ، وكان لبيد يقول: بخلق التوراة، وأول من صنف في ذلك طالوت، وكان زنديقا، فأفشى الزندقة (١) .
ورجال هذه السلسلة الزائقة يهود أو من أصل اليهود، وأما بشر بن غياث المريسي الذي تولى كبر هذه الفتنة في وقته وكان عين الجهمية ورأسهم وعالمهم في عصره فقد كان أبوه يهوديا.
_________________
(١) الكامل ٧: ٧٥. (*)
[ ١ / ٦٨ ]
روى الخطيب في تاريخه عن اسحاق بن ابراهيم الملقب بلؤلؤ، الصدوق الثقة قال: مررت بالطريق فإذا بشر المريسي والناس عليه مجتمعون.
فمر يهودي، فأنا سمعته يقول: لا يفسد عليكم كتابكم كما أفسد أبو علينا الثورة يعني أن أباه كان يهوديا (١) .
وقال العجلي في ثقاته: بشر المريسي عليه لعنة الله مرة واحدة، شيخ قصير دميم المنظر، وسخ الثياب، وافر الشعر، أشبه شئ باليهود، وكان أبوه يهوديا، صباغا بالكوفة في سوف المراضع.
ثم قال: " لا يرحمه الله فلقد كان فاسقا " (٢) .
وقال المروزذي سمعت أبا عبد الله وذكر المريسي فقال: كان أبوه يهوديا، أي شئ تراه يكون (٣) .
وملخص الفتنة والمحنة أن المأمون الخليفة العباسي كان قد استحوذ
عليه جماعة من المعتزلة فأزاغوه عن طريق الحق وزينوا له القول بخلق القرآن ونفى الصفات عن الله ﷿.
قال البيهقي: لم يكن في الخلفاء قبله في بني أمية وبني العباس خليفة إلا على مذهب السلف ومنها جهم، فلما ولي هو الخلافة اجتمع به هؤلاء فحملوه على ذلك، وزينوا له، واتفق خروجه إلى طرسوس لغزو الروم، فكتب إلى نائبه ببغداد إسحاق بن إبراهيم بن مصعب صاحب الشرطة، يأمره أن يدعوا الناس إلى القول بخلق القرآن.
واتفق له ذلك في آخر عمره قبل موته بشهور من سنة ٢١٨.
_________________
(١) تاريخ بغداد ٧: ٥٨.
(٢) ثقات العجى ١: ٢٤٧ - ٢٤٨.
(٣) سيرة أعلام النبلاء ١٠: ٢٠١، الميزان ١: ٣٢٣. (*)
[ ١ / ٦٩ ]
فلما وصله الكتاب، استدعى جماعة من أئمة الحديث فدعاهم إلى ذلك، فامتنعوا فتهددهم بالضرب وقطع الارزاق فأجاب أكثرهم مكرهين.
واستمر على الامتناع الامام أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح، فحملا على بعير محمل واحد مقيد بين متعادلين.
فلما كان ببلاد الرحبة جاءهما رجل من الاعراب من عبادهم.
يقال له جابر بن عمر فسلم على الامام وقال له: يا هذا إنك وافد الناس فلا تكن شؤما عليهم، وإنك رأس الناس اليوم، فإياك أن تجيبهم إلى ما يدعونك إليه فيحيبوا، فتحمل أوزارهم يوم القيامة.
وإن كنت تحب الله فاصبر على ما أنت فيه فإنه ما بينك وبين الجنة إلا أن تقتل.
وإنك إن لم تقتل تمت، إن عشت عشت حميدا.
قال الامام: وكان كلامه مما قوى عزمي على ما أنا فيه من الامتناع.
فلما اقتربا من جيش الخلافة ونزلوا دونه بمرحلة جاء خادم وهو يمسح دموعه بطرف ثوبه ويقول: يعز علي يا أبا عبد الله أن المأمون قد سل سيفا لم يسله قبل ذلك، وأنه يقسم بقرابته من رسول الله ﷺ: لئن لم تحبه إلى القول بخلق القرآن ليقتلنك بذلك السيف.
قال: فجثى الامام أحمد على ركبتيه ورمق بطرفه إلى السماء وقال: سيدي غر حلمك هذا الفاجر حتى تجرأ على أوليائك بالضرب والقتل.
اللهم فإن يكن كلامك غير مخلوق فاكفنا مؤنته.
قال: فجاءهم الصريخ بموت المأمون في الثلث الاخير من الليل.
قال أحمد: ففرحنا، ثم جاء الخير بأن المعتصم قد ولي الخلافة وقد
[ ١ / ٧٠ ]
انضم إليه أحمد بن أبي دؤاد، وأن الامر شديد فرددنا إلى بغداد في سفينة مع بعض الاساري، ونالني منهم أذى كثير.
ومات محمد بن نوح في الطريق فصلى عليه أحمد.
فلما رجع إلى بغداد دخلها في رمضان فأودع في السجن نحوا من ثمانية وعشرين شهرا.
يصلي في أهل السجن والقيود في رجليه.
ثم أخرج إلى الضرب بين يدي المعتصم.
فلما أدخل على المعتصم زادوه في القيد.
قال الامام: فلم استطع أن أمشي بها فربطتها في التكة وحملتها بيدي، ثم جاءوني بدابة فحملت عليها فكدت أن اسقط على وجهي من ثقل القيود، وليس معي أحد يمسكني، فسلم الله حتى جئنا دار المعتصم.
فأدخلت في بيت وأغلق علي وليس عندي سراج فأردت الوضوء، فمددت يدي فإذا إناء فيه ماء، فتوضأت، ثم قمت ولا أعرف القبلة، فلما أصبحت إذا أنا على القبلة ولله الحمد.
ثم دعيت، فأدخلت على المعتصم، فلما نظر إلي وعنده ابن أبي دؤاد قال: أليس قد زعمتم أنه حدث السن، وهذا شيخ مكهل.
فلما دنوت منه وسلمت عليه قال لي: أدنه فلم يزل يدنيني حتى قربت منه، ثم قال: إجلس، فجلست وقد اثقلني الحديد فمكثت ساعة ثم قلت: يا أمير المؤمنين الام دعا إليه ابن عمك رسول الله ﷺ؟ قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله.
قلت فإني أشهد أن لا إله إلا الله، ثم ذكرت له حديث ابن عباس في وفد عبد القيس.
ثم قلت: فهذا الذي دعا إليه رسول الله ﷺ.
قال: ثم تكلم ابن أبي دؤاد بكلام لم أفهمه.
ثم قال المعتصم: لولا أنك كنت في يد من كان قبلي، لم أتعرض
[ ١ / ٧١ ]
إليك.
ثم قال: يا عبد الرحمن ألم آمرك أن ترفع المحنة؟ قال أحمد: فقلت: الله أكبر هذا فرج للمسلمين، ثم قال: ناظره يا عبد الرحمن كلمه.
وجرت مناظرات طويلة.
فقال ابن أبي دؤاد: هو والله يا أمير المؤمنين ضال مضل مبتدع وهنا قضاتك والفقهاء فسلهم.
فقال لهم: ما تقولون فأجابوا بمثل ما قال ابن أبي دؤاد، ثم احضروه في اليوم الثاني وناظروه ثم في اليوم الثالث.
وفي ذلك كله يعلو صوته عليهم وتغلب حجته حججهم فإذا سكتوا فتح الكلام عليهم ابن أبي دؤاد وكان من أجهلهم بالعلم والكلام.
وقد تنوعت بهم المسائل في المجادلة ولا علم لهم بالنقل، فجعلوا ينكرون الاثار، ويردون الاحتجاج بها، وفي أثناء ذلك كله يتعطف به
الخليفة، ويقول: يا أحمد أجبني إلى هذا حتى أجعلك من خاصتي وممن يطأ بساطي، فيقول الامام: يا أمير المؤمنين يأتوني بآية من كتاب الله أو سنة عن رسول الله ﷺ حتى أجيبهم إليها.
فلما لم يقم لهم معه حجة عدلوا إلى استعمال جاه الخليفة، فقالوا: يا أمير المؤمنين: هذا كافر ضال، مضل.
وقال له اسحاق بن ابراهيم نائب بغداد: يا أمير المؤمنين ليس من تدبير الخلافة أن تخلي سبيله ويغلب خليفتين، فعند ذلك حمي، واشتد غضبه، وكان إليهم عريكة وهو يظن أنهم على شئ.
قال الامام أحمد فعند ذلك قال لي: لعنك الله طمعت فيك أن تجيبني، ثم قال: خذوه واخلعوه واسحبوه.
[ ١ / ٧٢ ]
قال الامام: فأخذت وسحبت وخلعت وجئ بالعقابين (١) والسياط وأنا أنظر وكان معي شعرات من شعر النبي ﷺ مصرورة في ثوبي.
فجردوني منه وصرت بين العقابين فقلت: يا أمير المؤمنين، الله الله، إن رسول الله ﷺ قال: لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله إلا بإحدى ثلاث وتلوت الحديث.
وأن رسول الله ﷺ قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا أله إلا الله، فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم.
فبم تستحل دمي ولم آت شيئا من هذا؟ يا أمير المؤمنين أذكر وقوفك بين يدي الله كوقوفي بين يديك فكأنه أمسك.
ثم لم يزالوا به يقولون له: يا أمير المؤمنين إنه ضال مضل.
كافر.
فأمر بي فقمت بين العقابين وجئ بكرسي فأقمت عليه وأمرني بعضهم أن آخذ بيدي بأي الخشبتين فلم أفهم، فتخلعت يداي، وجئ بالضرابين ومعهم السياط.
فجعل أحدهم يضربني سوطين ويقول له: يعني المعتصم: شد قطع الله يديك، ويجئ الاخر فيضربني سوطين ثم الاخر كذلك فضربوني أسواطا فأغمي علي وذهب عقلي مرارا فإذا سكن الضرب يعود علي عقلي.
وقام المعتصم إلي يدعوني إلى قولهم.
فلم أجبه، وجعلوا يقولون: ويحك، الخليفة على رأسك، فلك أقبل، وأعاد والضرب ثم عاد إلي، فلم أجبه، فأعادوا الضرب ثم جاء إلي الثالثة، فدعاني فلم أعقل ما قال من شدة الضرب، ثم أعادوا الضرب فذهب عقلي فلم أحس بالضرب وأرعبه ذلك من أمري، وأمرني فأطلقت ولم أشعر إلا وأنا في حجرة من بيت.
وقد أطلقت الاقياد من رجلي وكان ذلك في اليوم العشرين من رمضان من سنة إحدى وعشرين ومأتين.
وكان جملة ما ضرب نيفا وثلاثين سوطا وقيل: ثمانين سوطا ولكن
_________________
(١) العقابان: خشبتان يشج (أي يمد) الرجل الجلد بينهما. (*)
[ ١ / ٧٣ ]
كان ضربا مبرحا شديدا جدا (١) .
ويقول أشاباض أحد الجلادين: ضربت أحمد بن حنبل ثمانين سوطا، لو ضربته فيلا لهدمته (٢) .
وذكر أبو العرب التميمي في كتاب المحن عن أبي عمران موسى بن الحسن البغدادي الصقلي (٣) قال: حضرت أمر أحمد بن محمد بن حنبل.
إذ أحضر (المعتصم) أحمد وأمر الجلادين، فعلقوه بين السماء والارض، ووقف له ستين جلادا ثلاثين ناحية وثلاثين ناحية..فقام
إليه المعتصم فقال: ويحك يا أحمد إني أسأل الله أن لا يبتليني بك.
ما تقول في القرآن؟ فقال: القرآن كلام الله وكلام الله غير مخلوق فأمر به فضرب.
ثم سأله، فأعاد قوله الاول كلام الله فأمر فأعادوا عليه الضرب، ثم قام إليه فناشده الله في نفسه وأمر بمسورتين (٤) فوضعتا تحت رجليه، فكان معلقا بين السماء والارض، ثم سأله المعتصم عن القرآن، فقال له: كلام الله وكلام الله غير مخلوق.
فقال له رجل من الجلادين: يا أمير المؤمنين إن أردت ضربته سوطين أقتله فيهما، فضربه سوطين شق منهما خصريه وسالت أمعاءه.
فأمر به فأخرج من الحديد وشد بثوب تام وصاح الناس والعامة، وخرج الجلادون، فقالوا مات أحمد وذكروا للعامة أنهم أخرجوا من رجليه الحديد وهو على وجهه، ثم خرج أبو اسحاق عدو الله من القصر وابن أبي دؤاد الزنديق في موكب عظيم فحالت العامة بين أبي اسحاق وبين الجسر حتى خاف على نفسه وأسمعوه ما يكدره (٥) .
_________________
(١) تاريخ ابن كثير ببعض الاختصار ١٠: ٣٣١ - ٣٣٥.
(٢) المنهج الاحمد ١: ٤١.
(٣) ترجمه في تاريخ بغداد ١٣: ٤٦ ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا.
(٤) المسورة متكأ من أدم.
(٥) كتاب المحن ٤٣٩ - ٤٤٠ تحقيق يحيى الجبوري طبعة دار الغرب الاسلامي ١٤٠٣. (*)
[ ١ / ٧٤ ]
ولما حمل الامام من دار الخلافة إلى دار اسحاق بن ابراهيم وهو صائم اتوه بسويق ليفطر من الضعف، فامتنع من ذلك وأتم صومه، وحين حضرت صلاة الظهر صلى معهم والدم في ثوبه، فقال له ابن سماعة القاضي، وصليت في دمك؟ فقال له أحمد: قد صلى عمر وجرحه يثعب
دما فسكت.
قلت: إن الصلاة التي صلاها الامام في دمائه لهي أفضل إن شاء الله عند الله بالاف الدرجات من صلواتهم بطهاراتهم الظاهرة الكاملة، لان صلواتهم مشوبة بالبدع وفساد العقيدة وأما صلاة الامام فهي خالصة من أي شائبة يزينها الوسام الكريم بالجراحات لله وفي سبيل الله.
وهذا الدم الشريف الذي سأل منه لوجه الله يأتي يوم القيامة إن شاء الله.
اللون لون الدم والريح ريح المسك يرفع الله به درجاته عنده.
ولما رجع الامام إلى منزل إسحاق بن ابراهيم صاحب الشرطة جاءه الجرايحي، فقطع لحما ميتا من جسده وجعل يداويه، والنائب في كل وقت يسأل عنه، لان المعتصم ندم على ما كان منه إلى أحمد ندما كثيرا وجعل يسأل النائب عنه، والنائب يستعلم خبره، فلما عوفي فرح المعتصم والمسلمون بذلك.
ولما سار الامام بعد برءه إلى منزله ولم يزل كذلك مدة خلافة المعتصم.
وكذلك في أيام ابنه الواثق فلما ولى المتوكل على الله الخلافة استبشر الناس بخلافته فإنه كان محبا للسنة وأهلها ورفع المحنة عن الناس وكتب إلى الافاق: لا يتكلم أحد في القول بخلق القرآن.
وأكرم الامام إكراما بالغا.
حتى إنه كتب إلى نائبه ببغداد أن يحمل إليه إلامام فاعتذر الامام ثم عزم عليه أنه يحب أن يأنس بقربه وبالنظر إليه وحصول البركة من دعائه فسار إليه الامام وهو عليل في بعض بنيه.
فأنزله منزلا كريما في
[ ١ / ٧٥ ]
غاية التعظيم والتكريم وكتب الخليفة لاهله وأولاده كل شهر بأربعة آلاف درهم فمانع أبو عبد الله الخليفة فقال الخليفة لا بد من ذلك وما هذا إلا
لولدك فأمسك أبو عبد الله عن المعانعة ثم أخذ يلوم أهله وعمه.
وبعد أيام انصرف الامام فدخل بغداد مختفيا وكان الخليفة يوفد إليه في أمور يشاوره فيها ويستشيره في أشياء تقع له (١) .
ولما ارتفعت عنه المحنة واستبدل الله بها، اعتراف فضله لدى الخاصة والعامة.
بل والخليفة يسمع لمشورته وارشاده وأمكن الله الامام عن أعدائه الذين تسببوا له الايذاء هل انتقم من أحد؟ كلا ولا يرجى من رجل طبعه الله على الحلم والزهد واحتساب الاجر عند الله، أن يطلب الانتقام من أحد.
ولما استدعاه المتوكل وقارب العسكر تلقاه وصيف الخادم في موكب عظيم فسلم على الامام فرد ﵇ وقال له الوصيف.
قد أمكنك الله من عدوك ابن أبي دؤاد فلم يرد عليه جوابا ولا نجد ذكرا أن الامام انتقم منه أو أراد ذلك قط.
وكذلك جعل كل من آذاه في حل إلا أهل البدعة وكان يتلو في ذلك قوله تعالى، وليعفوا أو ليصفحوا الاية ويقول: ماذا ينفعك أن يعذب أخوك المسلم بسببك وقد قال تعالى: فمن عفا وأصلح على الله إنه لا يحب الظالمين.
قال حنبل: سمعته يقول: كل من ذكرني في حل إلا مبتدع وقد جعلت أبا اسحاق يعني المعتصم في حل.
_________________
(١) رسالة صالح بن أحمد والبداية والنهاية ١٠: ٣٣٨ وما بعدها ومناقب أحمد ٣٠٨ وما بعدها. (*)
[ ١ / ٧٦ ]
وفي رواية ابن عبد الله عن أبيه: قال: وجه إلى الواثق أن أجعل
المعتصم في حل من ضربه إياي فقلت ما خرجت من داره حتى جعلته في حل وذكرت قول النبي ﷺ: لا يقوم يوم القيامة إلا من عفا فعفوت عنه.
ولا يرجى من إمام السنة إلا هذا الموقف النبيل لا يضمر حقدا على أحد لنفسه في حين أن أتباعه كانوا يريدون اثارته في بعض الايام ولكنه لم يحد عن المنهج القويم قيد شعرة.
قال حنبل بن اسحاق ابن عم الامام في كتاب المحنة: لما أظهر الواثق هذه المقالة، وضرب عليها وحبس جاء نفر إلى أبي عبد الله من فقهاء أهل البغداد منهم بكر بن عبد الله وابراهيم بن علي المنجي، وفضل بن عاصم وغيرهم فأتوا أبا عبد الله فدخلت عليه فاستأذنت لهم، فدخلوا عليه.
فقالوا له: يا أبا عبد الله، هذا الامر قد فشا وتفاقم، وهذا الرجل يفعل ويفعل، وقد أظهر ما أظهر، ونحن نخافه على أكثر من هذا وذكروا له أن ابن أبي دؤاد عزم على أن يأمر المعلمين بتعليم الصبيان، في الكتاب مع القرآن، القرآن كذا وكذا، فقال لهم أبو عبد الله: فماذا تريدون؟ قالوا: اتيناك لنشاورك فيما نريد، قال: فماذا تريدون؟ قالوا: ألا نرضى بإمرته ولا سلطانه، فناظرهم أبو عبد الله ساعة حتى قال لهم: فماذا يضرهم إن لم يتم هذا الامر، أليس قد صرتم من ذلك إلى المكروه؟ عليكم النكرة بقلوبكم ولا تخرجوا يدا من طاعة ولا تشقوا عصا المسلمين معكم ولا تسفكو دماءكم ودماء المسلمين انظروا في عاقبة أمركم.
ولا تعجلوا واصبروا حتى يستريح بركم أو يستراح من فاجركم ودار بينهم في ذلك كلام كثير لم احفظه، واحتج عليهم أبو عبد الله لهذا،
_________________
(١) البداية والنهاية ١٠: ٣٣٨. (*)
[ ١ / ٧٧ ]
فقال بعضهم: إنا نخاف على أولادنا إذا أظهر هذا لم يعرفوا غيره ويمحو الله الاسلام ويدرس، فقال أبو عبد الله: كلا إن الله ﷿ ناصر دينه وإن هذا الامر له رب ينصره، وإن الاسلام عزيز منيع.
فخرجوا من عند أبي عبد الله ولم يجبهم إلى شئ مما عزموا عليه (١) وكانت محنة الامام أحمد وخروجه منها صابرا محتسبا بعد هذا الايذاء الشديد.
أمرا أكرم الله وشرف به هذا الامام واختص به من دون أقرانه.
وجعلها الله كلمة باقية في عقبه: فاجتمعت كلمتهم في الثناء عليه لهذا الموقف الجليل وبرزت شخصيته علما وعلامة للسنة وأهلها، قال الامام البخاري: لما ضرب أحمد بن حنبل كنا بالبصرة فسمعت أبا الوليد الطيالسي يقول: لو كان أحمد في بني اسرائيل لكان أحدوثة.
وقال المزني: أحمد بن حنبل يوم المحنة وأبو بكر يوم الردة وعمر يوم السقيفة، وعثمان يوم الدار وعلى يوم الجمل وصفين.
وقال قتيبة: مات سفيان الثوري ومات الورع ومات الشافعي وماتت السنن ويموت أحمد بن حنبل وتظهر البدع وإن أحمد بن حنبل قام في الامة مقام النبوة قال البيهقي يعني في صبره على ما أصابه من الاذي في ذات الله.
وقال بشر الحافي، أدخل أحمد في الكير فخرج ذهبا أحمر.
وقال بن المعلي الرقي: من الله على هذه الامة بأربعة بالشافعي فهم الاحاديث وفسرها وبين مجملها من مفصلها والخاص والعام والناسخ والمنسوخ وبأبي عبيد بين غريبها.
ويحيى بن معين نفي الكذب عن
_________________
(١) أنظر مفاتيح الفقه الحنبلي ١: ٢٤٧ وتاريخ الاسلام للذهبي جزء ترجمة الامام في طلائع مسند أحمد ١: ١٠٥. (*)
[ ١ / ٧٨ ]
الاحاديث.
وبأحمد بن حنبل ثبت في المحنة لولا هؤلاء الاربعة لهلك الناس.
وقال ابن حبان: أغاث الله به أمة محمد ﷺ وذلك أنه ثبت في المحنة وبذل نفسه لله حتى ضرب بالسياط للقتل فعصمه الله تعالى عن الكفر وجعله علما يقتدي به وملجأ يلجأ إليه (١) .
* - أثر المحنة على المجتمع: العاقبة للمتقين، فالمحنة التي اكتوى بنارها أهل الحديث وعلى رأسهم الامام أحمد.
استبدلت بالمنحة من عند الله تعالى فبدل أن كانوا في وقت ما في امتهان وامتحان جاء الوقت فصارت الكلمة لهم وأكرموا اكراما بالغا وأفل نجم المعتزلة الذين كانوا قد استحوذوا من قبل على السلطان واستعملوا القوة لايذاء أهل السنة ومنعهم من رواية روايات الصفات والرؤية وأمثالها.
فقد استقدم المتوكل المحدثين إلى سامراء وأجزل عطاياهم وأكرمهم وأمرهم أن يحدثوا بأحاديث الصفات والرؤية وجلس أبو بكر بن أبي شيبة.
في جامع الرصافة، فاجتمع إليه نحو من ثلاثين ألف نفس.
وجلس أخوه عثمان في جامع المنصور فاجتمع إليه نحو من ثلاثين ألف نفس، وتوفر دعاء الخلق للمتوكل، وبالغوا في الثناء عليه، والتعظيم له، حتى قال قائلهم الخلفاء الثلاثة أبو بكر الصديق في قتل أهل الردة وعمر بن عبد العزيز في رد المظالم، والمتوكل في احياء السنة وامانة التجهم (٢) .
_________________
(١) أنظر مناقب الامام أحمد لابن الجوزي.
(٢) مفاتيح الفقه الحنبلي ١: ٢٣٠ وهو عن تاريخ الخلفاء للسيوطي ص ٣٤٦. (*)
[ ١ / ٧٩ ]
وعكس هذا انقلب الامر على رؤس الاعتزال ودارت الدائرة عليهم.
فقد ذكر المسعودي في حوادث سنة ٢٣٩ أنه سخط (المتوكل) على أحمد بن دؤاد وولده أبي الوليد محمد بن أحمد، وكان على القضاء، وأخذ من أبي الوليد مائة ألف دينار وعشرين ألف دينار وجوهرا بأربعين ألف دينار، وحضر إلى بغداد، وقد كان أبو عبد الله أحمد بن أبي دؤاد فلج بعد موت عدوه ابن الزيات بسبعة وأربعين يوما.
وذكر ابن الاثير في الكامل في حوادث سنة ٢٣٧ وفيه غضب المتوكل على أحمد بن أبي دؤاد، وقبض ضياعه وأملاكه وحبس ابنه أبا الوليد، وسائر أولاده فحمل أبا الوليد مائة ألف وعشرين ألف دينار وجواهر قيمتها عشرون ألف دينار، ثم صولح بعد ذلك على سنة عشر ألف درهم، وأشهد عليهم جميعا ببيع أملاكهم (١) .
* - عتاب الامام أحمد يرجو ويطلب من أصحاب الذين لهم مكانة معروفة بين الناس علما وديانة أن لا يسارعوا في التقية وأن لا يوافقوا في القول بخلق القرآن.
وكان يرى أنهم لو صبروا كان عند الدولة لهم اعتبار وما سارعت في تنفيذ ما أراد المعتزلة منها، فلما تسارعوا في استعمال التقية ويقي الامام وقليل من الاخرين الذين ليست لهم كبير مكانة في الشعب هان على الدولة أن تأخذهم بحجة أن جمهور العلماء والفقهاء معها كما صارت موافقهم سببا لزلزله أفكار العامة واضطرابها أيضا.
وكان نقمة الامام بالاخص على أولئك الذين لم يدخلوا في المحنة ولم
_________________
(١) الكامل ٧: ٥٩. (*)
[ ١ / ٨٠ ]
يصابوا بأذى قليل ولا كثير بل خافوا في المستقبل وتخاذولوا ولذلك كان يلتمس العذر لسجادة والقواريري، دون غيرهما.
قال المقريزي: وكان أبو عبد الله يقيم عذرهما ويقول: أليس قد حبسا وقيدا، قال الله تعالى: (إلا من أكره وقبله مطمئن بالايمان) قال أبو عبد الله: القيد كره والحبس كره والضرب كره، فأما إذا لم تنل بمكروه فلا عذر له (١) .
ولم يكن يعذر أولئك الذين سارعوا في التقية ولما يصبهم الاذى في هذه السبيل.
روى ابن الجوزي باسناده عن أبي بكر المروذي يقول: جاء يحيى بن معين فدخل على أحمد بن حنبل وهو مريض، فسلم فلم يرد ﵇، وكان أحمد قد حلف بالعهد أن لا يكلم أحدا ممن أجاب حتى يلقى الله ﷿، فما زال يحيى يعتذر ويقول: حديث عمار، وقال الله تعالى: إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان فقلت أحمد وجهه إلى الجانب الاخر، فقال يحيى: أف وقام، وقال: لا يقبل لنا عذرا، فخرجت بعده وهو جالس على الباب، فقال: أي شئ قال أحمد بعدي؟ قلت: قال: يحتج بحديث عمار، وحديث عمار مررت وهم يسبونك فنهيتهم فضربوني، وأنتم قيل لكم نريد أن نضربكم، فسمعت يحيى يقول: مر يا أحمد غفر الله لك، فما رأيت والله تحت أذيم سماء الله، أفقد في دين الله منك (٢) .
وقد أجاب في المحنة خوفا من الاذى والقتل على ابن المديني ﵀ أيضا ولم يقتصر إلى حد الاجابة بل تقرب منهم وأراد إرضاء ابن أبي دؤاد بترك الرواية عن الامام وكان يأمر الناس بالضرب على أحاديثه.
_________________
(١) أنظر مفاتيح الفقه الحنبلي ١: ٢٤٢.
(٢) مناقب ابن الجوزي ٣٨٩. (*)
[ ١ / ٨١ ]
قيل لابراهيم بن إسحاق الحربي: أكان علي بن المديني يتهم بشئ من الكذب، فقال: لا، إنما كان حدث بحديث فزاد في خبره كلمة يرضي بها ابن أبي دؤاد، وسئل فقيل له: كان يتكلم على بن المديني في أحمد بن حنبل؟ فقال: لا، إنما كان إذا رأى في كتاب حديثا عن أحمد قال: اضرب على ذا، ليرضي به ابن أبي دؤاد وكان قد سمع من أحمد وكان في كتابه سمعت أحمد، وقال أحمد وحدثنا أحمد (١) .
ولذلك أدخله العقيلي في الضعفاء وقال: جنح إلى ابن أبي دؤاد والجهمية (٢) .
وروى ابن الجوزي عن أبي بكر المروذي قال: دخلنا العسكر إلى أن خرجنا ما ذاق أبو عبد الله طبيخا ولا دسما وقال: كم تمتع أولئك، يعني ابن أبي خيثمة وابن المديني وعبد الاعلى، إني لاعجب من حرصهم على الدنيا، فكيف يطوفون على أبوابهم (٣) .
وقال ابن رجب في شرح العلل في ترجمة ابن المديني: أنه تقرب إلى ابن أبي دؤاد، حيث استماله بدنياه وصحبه وعظمه، فوقع بسبب ذلك في أمور صعبة، حتى أنه كان يتكلم في طائفة من أعيان أهل الحديث، ليرضى بذلك ابن أبي دؤاد، فهجره الامام أحمد لذلك (٤) .
ولما كان موقف بعض العلماء كما ذكر ورأى الامام أنهم فرطوا في أمانة الدعوة والقيام بجانب الحق ونصرته كان من الطبيعي أن ينبعث الغضب لله في نفسه.
_________________
(١) تاريخ بغداد ١١: ٤٧٠.
(٢) ضعفاء العقيلي ل ٢٩٧.
(٣) مناقب أحمد ٣٩٠.
(٤) شرح علل الترمذي ص ١٨٧. (*)
[ ١ / ٨٢ ]
ولنذكر مقالته حينما راجعه عمه على التقية: إذا أجاب العالم تقية والجاهل يجهل فمتى يظهر الحق.
ولذلك ترك الرواية عمن أجاب في المحنة: قال العقيلي في الضعفاء: قرأت على عبد الله بن أحمد كتاب العلل عن أبيه، فرأيت فيه حكايات كثيرة عن أبيه عن علي بن عبد الله، ثم قد ضرب على اسمه، وكتب فوقه حدثنا رجل، ثم ضرب على الحديث كله.
فسألت عبد الله، فقال: كان أبي حدثنا عنه، ثم أمسك عن اسمه، وكان يقول: حدثنا رجل، ثم ترك حديثه بعد ذلك.
وقد يقال: إن الذين اختاروا التقية لهم عذرهم وهو الاكراه وقد اختاروا أمرا مباحا فلم هجرهم أحمد.
؟ فأجاب عن هذا الامر ابن الجوزي فقال: الجواب من ثلاثة أوجه: أحدهما أن القوم توعدوا ولم يضربوا، فأجابوا والتواعد ليس باكراه (وقد بان هذا بما ذكرناه من حديث يحيى بن معين) .
والثاني، أنه هجرهم على وجه التأديب.
ليعلم تعظيم القول الذي أجابوا عليه.
فيكون ذلك حفظا لهم من الزيغ.
والثالث يقال: إن معظم القوم لما أجابوا قبلوا الاموال، وترددوا إلى القوم، وتقربوا منهم، ففعلوا ما لا يجوز فلهذا استحقوا الذم والهجر (١) .
_________________
(١) مناقب أحمد لابن الجوزي ص ٣٩٠. (*)
[ ١ / ٨٣ ]
والحق أن هجر الامام للمحيبين في المحنة لم يكن إلا تأديبا وتشنيعا لفعلهم، ولم يكن تجريحا في عدالتهم بحال.
وعلى هذا الامر نفسه تحمل تركه الرواية عن علي بن المديني وضربه على أحاديثه.
ويبدو لي أن ترك الرواية عن ابن المديني كان مؤقتا ثم روى عنه فيما بعد، وأوضح مثال لذلك نجد نصوصا كثيرة عنه رواها الامام في هذا الكتاب (العلل) كما نجد روايات كثيرة عنه في المسند.
فيمكن أن يكون ضرب على أحاديثه ثم أجازها، فرواها عنه تلامذته.
كما أننا نجد روايات كثيرة من زيارات عبد الله ورواياته في كتب أبيه وكتابه السنة عن ابن معين.
ومعروف أن عبد الله لم يكن يكتب الحديث ولا يروي إلا عمن يرضى عنه أبوه ويأذن له في الاخذ عنه، ثم لا يتصور أن الامام عفا عن الذين تسببوا له في الايذاء تقليدا ثم يبقى غاضبا على من اختار التقية.
نعم حيث إن غضبه كان لله وفي سبيل الله فلم يعف عن المبتدعة الذين جعلوا القول بخلق القرآن ديانة لهم ولسببه آذوه كل الايذاء أمثال ابن أبي دؤاد رأس الفتنة ورجلها كما مضى ذكره.
* - مرض الامام أحمد ووفاته: بعد حياة حافة بالعلم والجهاد مرض الامام مرض موته ليلة الاربعاء لليلتين خلتا من شهر ربيع الاول سنة ٢٤١ وتوفى عاشر يوم مرضه يوم الجمعة ثاني عشر ربيع الاول.
ودفن بعد العصر، وصلى عليه جم غفير قدر بألف ألف نفس، ﵀ ورفع درجاته مع النبيين والصديقين والشهداء.
آمين.
[ ١ / ٨٤ ]