بسم الله الرحمن الرحيم
وبعد: فهذا كتاب العلل ومعرفة الرجال للامام أحمد ﵀ قد بذلت جهدي المستطاع في تحقيقه وتصحيحه وتخريجه وقدمت له بمقدمة اشتملت على موجز يتعلق بمعرفة الرجال والجرح والتعديل، ثم ذكرت ما يتعلق بالعلل، ثم ترجمت للامام أحمد ترجمة مختصرة ثم ذكرت وصف الكتاب والنسخة التي تم العمل عليها.
أدعو الله ﷿ أن يتقبله بقبول حسن.
وأرجو من الاخوة أهل العلم أن يتكرموا بالتنبيه على خطأ اطلعوا عليه حتى يمكن تصحيحه فيما بعد.
ولهم أجرهم عند الله.
الزاهر، مكة المكرمة ٢٠ من صفر ١٤٠٧
الدكتور وصي الله بن محمد عباس
[ ١ / ٥ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونؤمن به ونتوكل عليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدى هدى محمد ﷺ وشر الامور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.
خلق الله.
آدم ﵇، وخلق منها زوجه وبث منهما رجالا كثيرا ونساءا، وشرع لهم شرائع كلفهم بها على لسان رسله من لدن آدم إلى خاتم النبيين نبينا محمد عليه وعلى الانبياء الصلاة والسلام.
أرسل الله رسله، يبلغون قومهم رسالات الله، يعيشون فيما بينهم يفسرون لهم أوامر الله ونواهيه بأقوالهم وأفعالهم، يحفظها عنهم أقوامهم ومتبعوهم ويعملون بها.
وهكذا جاءت رسل الله تترى.
وما أرسل من رسول إلا بلسان قومه، فيضل من يشاء ويهتدي من يشاء.
وكان النبي من الانبياء السابقين، يبعث إلى قومه خاصة وبعث نبينا ﷺ إلى الناس عامة، فجعل الله رسالته ناسخة لجميع الرسالات فلا
[ ١ / ٧ ]
يسع أحدا من العالمين إلا اتباعه ومن يبتغ غير دينه دينا فلن يقبل منه وهو في الاخرة من الخاسرين.
(هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله) (١) .
(وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا أو نذيرا) (٢) .
ولما كانت الاديان السابقة لم يقدر الله لها الخلود، لم يتعهد بحفظها ولم يهئ لها من يقوم برعايتها وصيانتها، فلم تسلم من التحريف حتى كتبهم المقدسة المنزلة إليهم.
وذلك بشهادة القرآن العظيم.
(من الذين هادوا يحرقون الكلم عن مواضعه، ويقولون سمعنا وعصينا) (٣) .
وندد بهم في قوله تعالى: (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله، ليشتروا به ثمنا قليلا) (٤) .
وأما شريعتنا الحنيفية البيضاء فقد وعد الله وتعهد بفضله ورحمته بحفظها قال تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر، وإنا له لحافظون) (٥) .
وهيأ لها رجالا ونساءا في كل عصر ومصر وفي كل قرن وزمن لحفظها من جميع نواحيها.
_________________
(١) سورة الفتح: ٢٨، سورة الصف: ٩.
(٢) سورة سبأ: ٢٨.
(٣) سورة النساء: ٤٦.
(٤) سورة البقرة: ٧٩.
(٥) سورة الحجر: ٩. (*)
[ ١ / ٨ ]
هيأ لها رجالا يقومون بحفظ كتابه عن ظهر قلب ويتلونه ويدارسونه، ويحفظونه بين الدقتين، يحفظونه بدراسته وتقويم معانيه بالتفسير واستنباط الاحكام وجميع ما يتعلق به.
ثم تدبره والعمل بما فيه، ولما كانت آيات القرآن الكريم مجملة، أكرم الله نبيه محمدا ﷺ بتكليفه بيان ما فيها من الاجمال، وتوضيح ما يحتاج إلى توضيح وتفصيل.
قال تعالى:
(وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) (١) .
وقال النبي ﷺ: ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان، على أريكته، يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال، فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام، فحرموه ألا لا يحل لكم لحم الحمار الاهلي (٢) .
وأمر النبي ﷺ أمته بتبليغ ما يعلمون منه إلى غيرهم فقال: بلغوا عني ولو آيتي (٣) .
وقال: ليبلغ الشاهد منكم الغائب (٤) .
وقال: تركت فيكم شيئين، لن تضلوا بعدهما، كتاب الله وسنتي، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض (٥) .
_________________
(١) سورة النحل: ٤٤.
(٢) صحيح الجامع الصغير ٢: ٣٧٥.
(٣) صحيح البخاري ٦: ٤٩٦.
(٤) صحيح البخاري ١: ١٩٩.
(٥) صحيح الجامع الصغير ٣: ٣٩. (*)
[ ١ / ٩ ]
فبهذا ظهر أن الذكر الذي وعد الله بحفظه وصيانته، يشمل القرآن الكريم وسنة نبيه ﷺ بجميع أنواعها.
بهذه المهمة المباركة بعث الله نبينا فبلغ الرسالة وأدى الامانة وجاهد في الله حق جهاده.
دحر الاعداء مشركين وكفارا منافقين ويهود فآمنت له الجزيرة ومنهم من أسلم وتظاهر ولم يؤمن قلبه، كما قهر أخبث الامم أعدى اعداء الاسلام أبناء القردة والخنازير اليهود الذين لم يتركوا فرصة
إلا اهتبلوها بالكيد للاسلام والمسلمين، وولت زعامتهم من المدينة بخبثها ومكرها وحقدها وحطت رحالها في خيبر مجلوة مطرودة مذؤمة مدحورة.
عاش الناس في ظل رحمة للعالمين إلى أن كمل الدين وتمت نعمة الله على عباده في صورة كتابه وسنة نبيه ﷺ كلها نابتهم نائبة رجعوا إليه أو حدثت لهم حادثة فزعوا إليه عاشوا في توادد وتراحم كالجسد الواحد بين مسلمين كأسنان المشط لا خلاف ولا شقاق وبين أعداء مكشوفين.
وبين منافقين كلما أوقدوا نار الفتنة أوحى الله نبيه ففضحهم وكشف عوارهم.
والغلبة لدين الله، الخير غالب واضح والشر قد اختفى وكاد أن لا يكون وصدق النبي ﷺ: خير الناس قرني (١) جاء نصر الله والفتح ودخل الناس في دين الله أفواجا، وخير الله نبيه بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله (٢) ومضى إلى الرفيق الاعلى راضيا مرضيا.
ولم يكد يشعر الناس بانقطاع خبر السماء ودفن أفضل الخلق في ثرى طيبة، حتى صلصلت في أسماعهم قعقة سلاسل الفتن على صفوان المحن، ووجد النافقون واليهود الاخابث منفذا ونفسا لحقدهم الدفين، وانجفل معهم الناشئة الطامحة من ذوي الاطماع ممن لم تخالط بشاشة الايمان
_________________
(١) صحيح البخاري ٥: ٢٥٩.
(٢) صحيح البخاري ١: ٥٥٨. (*)
[ ١ / ١٠ ]
شغاف قلوبهم من الذين لم تكتحل أعينهم بنور النبوة.
فأنكروا ركنا عظيما من أركان الاسلام الزكاة، فحدثت أول قاصمة الظهر فتنة المرتدين فقام بعبء الخلافة الراشدة أبو بكر الصديق، فقصم الفتنة بحزم وعزم ماضيين، تصف هذه الحالة الصديقة عائشة بنت الصديق رضي الله
عنهما.
" قبض النبي ﷺ فارتدت العرب.
واشرأب النفاق بالمدينة، فلو نزل بالجبال الراسيات ما نزل بأبي لها ضها، فوالله ما اختلفوا في نقطة إلا طار أبي بحظها وعنائها في الاسلام.
أخرجه الامام أحمد في فضائل الصحابة.
قال لهذه الفتنة صديق هذه الامة وأفضلها فرد كيد الشيطان في نحره واستوت سفينة الاسلام على جودى السلامة والحمد لله رب العالمين وقضي نحبه ولقي ربه.
ثم قامت الخلافة العمرية الراشدة، خلافة المحدث، الملهم للخير، أعرف الناس بالناس فساسهم، بحكمة المؤمن البصير وقوة الايمان القاهرة، تعمل درته عملها.
تصد الغاوين عن غيهم وفتح لشغل الناس بالجهاد والدعوة إلى الله آفاقا واسعة.
فشغلهم بربهم عن أنفسهم، ودخل الناس في دين الله أفواجا بين طائع مؤمن وخائف منافق وكاره متربص، فائتمروا بينهم وهيئوا له غرابا من غربان الكفر فنقره نقرة أو نقرتين فقتله وهو يهيأ نفسه لصلاة الفجر، وفجعوا الاسلام في عبقرية.
وقامت خلافة ذي النورين حيي هذه الامة وحليمها وأوصلهم لرحمه وأتفاقهم لربه كما قالت فيه عائشة ﵂.
وكانت أيام خلافته أنضر أيام الخلافة الراشدة رغدا أو أمنا شرق فيها الجهاد وغرب وأبحر
[ ١ / ١١ ]
وأصحر وأنجد وأتهم.
ودخل الاسلام في الوبر والمدر.
ولكن الفتنة لم تنم بل حفرت لنفسها مدخلا في حصن الاسلام باضت فيه وأفرخت، تطير أفراخها هنا وهناك وتبني أعشاشها في عواصم الاسلام ومدنها، يعذيها أشر
خلق الله.
اليهود السبائية فتقول المفسدون على ذي النورين أكاذيب ونسجوا حوله الاباطيل، جر أهم على ذلك حلمه وكرم طبعه، فذبحوه في بيته وهو يتلو كتاب الله كما تذبح الحملان.
استشهد عثمان بن عفان ﵁ ورحمه في دار الرسول ومدينته وانتهكت حرمات الخلافة بأبشع صورة، وقامت الفتنة كاسية عارية على قدم وساق ورفع رأسه الاختلاف والشقاق، وعميت المعالم على بعض الافاضل من صحابة رسول الله ﷺ.
ولم تعد وحده المسلمين منذ ودعتهم في ذلك اليوم الفاتن المفتون.
وفي هذا الجو الخانق المظلم يقوم بأمر الخلافة ربيب النبوة وبطل الجهاد ابن عم رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب ﵁ وأي أمر يقوم به هذا الخليفة راشد؟ بايعه المسلمون وهم متفرقون فرقة تزداد فجواتها كل يوم إذا سد منها فجوة انفتحت أمامه فجوات.
حمل ناس من المسلمين السيف في وجهه وقاتله جمع من الافاضل لا ينكر هو فضلهم، وتشقق المجتمع الاسلامي عن أقسى طوائف الفرق الخوارج الذين حاربوه حربا شعواء، وحاربه في الجانب الاخر إخوة له في الاسلام لم ينكر إسلامهم ولكنه قال عنهم: هم اخوتنا بغوا علينا.
ونشأت فرقة أخرى من أولاد سبأ وأفراخه الشيعة الذين ادعوا حبه وغلوا فيه حتى ألهوه، أظهروا الحب لال بيت رسول الله ﷺ وأشاعوا في الناس أنهم مظلومون ظلمهم الصحابة وعلى رأسهم أبو بكر وعمر وعثمان، فجعلوا ديدنهم سب الصحابة وتكفيرهم.
وتآمر أعداء الاسلام فاستشهد علي ﵁ بيد آثمة بعد ما قضى
[ ١ / ١٢ ]
ليله ونهاره في إخماد الفتن ولم يجد طمأنينه حتى لقي ربه، وصدقت عائشة
أم المؤمنين ﵁ حينما وصلها استشهاد علي كرم الله وجهه فتمثلثت بهذا الشعر: فالقت عصاها واستقرت بها النوى * كما قر عينا بالاياب المسافر (١) وتجتمع الخلافة بعد تنازل الحسن بن علي، على معاوية ﵄ والفرقة خفت وطأتها فساسها بحلم وأناة وحكمة وصبر، وكان الامر فيه شئ من الهدوء والسكينة ولا يمضي يوم إلا وبعده شر منه.
والفتنة وإن كانت تقلق داخل المجتمع الاسلامي إلا أن خارجه بقي مرهوب الجانب ببركة الصالحين من عامة المسلمين وبصلاحهم فالخير كان هو المتحكم في سلوكهم وتعلقهم بالله ﷿ وقيامهم بالدعوة إلى الله.
كيف لا وهم صحابة رسول الله الذين رباهم الرسلم ﷺ بسلوكه ومنهجه لم ينسوا واجباتهم في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ثم تسلم الامر التابعون لاصحاب رسول الله ﷺ الذين تربوا في أحضان الصحابة وتلقوا الهدى وهدي رسول الله ﷺ منهم وقاموا بنشره بين الناس، فكانت روح الاسلام يقظة متبصرة، وكان المجتمع الاسلامي مرهوبا في نظر الاعداء الموتورين خارجا وداخلا.
وظلت جنود الاسلام في ظل هذه الفتن الداخلية تغزو وتفتح قلوب العباد وبلادهم وتنشر الدعوة إلى الله.
وتعلم الناس الكتاب والحكمة وتمضي سفينة الاسلام تمخر عباب الفتن الداخلية مع الجهاد في سبيل الله وتتوسع رقعة البلاد الاسلامية حتى تصل إلى قلب افريقيا وأبواب أوربا والصين ويدخل في دين الله ناس مخلصون طائعون، وناس اتفقت أهواءهم مع هوى السبائية في كل زمن فيتصلون بزمرتهم سنة الله في الذين خلوا من قبل.
_________________
(١) طبقات ابن سعد ٣: ٤٠. (*)
[ ١ / ١٣ ]
فلما نشأت الفرق واختلف الاهواء فشا الكذب في بعض الطوائف على رسول الله ﷺ لان كل واحد جيدا أن قول النبي ﷺ أغلى شئ عند المسلمين فابتدأ وضع الاحاديث لتقوية الاهواء والاراء.
كما بدأ التحريف والتأويل الجائر لبعض الايات من كتاب الله.
فقام المسلمون بحفظ هذين الاصلين بجميع الوسائل والامكانيات يشهد التاريخ الصادق أن المسلمين عرفوا قدر هذين الاصلين كتاب الله وسنة رسوله وأنهما سبب سعادة كل مسلم وموضع هداية كل مؤمن ومعلوم من فطرة الانسان أن المتاع الغالي والثمين يبالغ في حفظه وصيانته بكل مستطاع.
وكلما زاد غلاء ازادت العناية في حفظه.
فقاموا بحفظ كتاب الله في الصدور ثم في المصاحف ما بين الدفتين.
كما قاموا بحفظ سنة رسول الله ﷺ عن ظهر قلب ثم بتدوينه في الدواوين ثم التحقق والتثبت فيها.
روى مسلم في مقدمة صحيحه ١٥ عن ابن سيرين قال: لم يكونوا يسألون عن الاسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم.
واستنبطوا بتوفيق الله لخدمتها علوما ما عرفت البشرية في تاريخها الطويل عشر معشار ما عند المسلمين، فانظر إلى تلك العلوم الكثيرة من التجويد والتفسير وأصولها والنحو والصرف، والبلاغة ثم مصطلح السنة وفي كل فن فنون وأفنان، كلها لخدمة هذين الاصلين الكريمين.
نعم من معجزة هذا الدين الخالد أن الله خلق له خلقا كانوا زبدة البشرية وخلاصتها وهم أصحاب محمد ﷺ الذين قاموا بنصرة نبيهم
وتعزيره وتوقيره والفداء بأرواحهم وأموالهم على إشارة طرفه المبارك.
لا يوجد لهم مثيل في أمة من الامم.
[ ١ / ١٤ ]
فقد حكى لنا كتاب الله عن اليهود حينما قالوا لنبيهم موسى: إذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون.
وتحكي لنا السيرة الصحيحة أن أصحاب النبي ﷺ قال قائلهم: يا رسول الله: والذي نفسي بيده، لو أمرتنا أن نخيضها البحر لاخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا (١) قاموا بحفظ هذا الدين عن نبيهم ونقلوه إلى من بعدهم بعدالة تامة وأمانة كاملة.
وليس بخاف على الملم بتاريخ المسلمين الجهد الذي قام به أصحاب النبي صلى الله لجمع القرآن الكريم في مصحف مجمع عليه، فبذلك فرغ من جمع القرآن الكريم وتدوينه في عهد أفضل هذه الامة نؤمن بأنه موجود بين أيدينا غضا طريا كما أنزل الله على رسوله محمد ﷺ يحفظه في الصدور صغار هذه الامة وكبارها من غير أن يأتيه التحريف والتصحيف.
وأما السنة النبوية وإن كانت مدونة كثير منها في زمن الصحابة ولكن كان أكثر اعتمادها على الحفظ ولم تكن مدونة تدوينا كاملا كالقرآن الكريم.
فتبدأ مهمة التابعين ومن بعدهم فيقومون بجهود خارقة للعادات لجمع أحاديث نبيهم ﷺ وضربوا في هذا المضمار أمثالا رائعة تدل على إعجاز هذا الدين الحنيف.
" آثروا قطع المفاوز والقفار على التنعم في الديار والاوطان في طلب السنن في الامصار وجمعها بالوجل والاسفار والدوران في جميع الاقطار،
حتى إن أحدهم ليرحل في الحديث الواحد، الفراسخ البعيدة، وفي الكلمة الواحدة الايام الكثيرة، لئلا يدخل مضل في السنن شيئا يضل به، وإن
_________________
(١) صحيح مسلم ٣: ١٤٠٤، ومسند أحمد ٣: ٢١٩، ٢٢٠. (*)
[ ١ / ١٥ ]
فعل، فهم الذابون عن رسول الله ﷺ ذلك الكذب، والقائمون بنصرة الدين (١) .
وإن رحلة المحدثين لطلب السنن والاثار كان مصداقا لقوله تعالى: (فلو نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين) (٢) .
فأصحاب رسول الله ﷺ كان الواحد منهم يسافر لطلب حديث واحد أو لمجرد التثبت مسافة شاسعة يتحمل في هذه السبيل كل مشقة.
قال عبد الله بن بريدة أن رجلا من أصحاب النبي ﷺ رحل إلى فضالة بن عبيد وهو بمصر فقدم عليه وهو يمد لناقة له، فقال: مرحبا، قال: أما إني لم آتك زائرا، ولكن سمعت أنا وأنت حديثا من رسول الله ﷺ، رجوت أن يكون عندك منه علم، قال: ما هو؟ قال: كذا وكذا ويروي لنا جابر بن عبد الله ﵁ قصة رحلته فيقول: بلغني حديث عن رسول الله ﷺ لم أسمعه فابتعت بعير فشددت عليه رحلي، وسرت شهرا، حتى قدمت الشام.
فأتيت عبد الله بن أنيس.
فقلت للبواب، قل له: جابر على الباب، قال: فأتاه، فقال له: جابر بن عبد الله، فأتاني فقال لي، فقلت له: نعم، فرجع فأخبره.
فقام يطاطئ ثوبه، حتى لقيني فاعتنقني واعتنقته، فقلت: حديث بلغني عنك سمعت من رسول الله ﷺ في القصاص لم أسمعه
فخشيت أن تموت أو أموت، قبل أن أسمته، فقال: سمعت رسول الله ﷺ فذكره.
_________________
(١) من كتاب المجروحين ١، ٢٧.
(٢) سورة التوبة: ١٢٢. (*)
[ ١ / ١٦ ]
وعن وهب بن عبد الله المعافري قال: قدم رجل من أصحاب النبي ﷺ من الانصار على مسلمة بن مخلد، فألفاه نائما.
فقال: أيقظوه، قالوا بل: نتركه حتى يستيقظ، قال: لست فاعلا، فأيقظوا مسلمة له، فرحب به، وقال: انزل.
قال: لا حتى ترسل إلى عقبة بن عار لحاجة لي إليه، فأرسل إلى عقبة، فأتاه، فقال: هل سمعت من رسول الله ﷺ يقول: من وجد مسلما على عورة فستره، فكأنما أحيا موءودة من قبرها؟ فقال عقبة: قد سمعت من رسول الله ﷺ يقول: ذلك (١) .
وتبعهم التابعون لهم باحسان، فارتحلوا وجمعوا السنن من الاقطار والامصار ثم من تبعهم بإحسان إلى أن تم تدوين السنة في الدواوين التي نراها تزخر بها مكتبات العالم.
ولم يكتفوا بالجمع فقط بل استعملوا كل وسيلة لتنقيتها من الشوائب والاكدار، ووضعوا لها قواعد هي أرقي ما عرفت الدنيا وأفضل ما وصلت إليه الطاقة البشرية لتحقيق الاخبار والتثبت فيها فانظر كتب مصطلح الحديث وما فيها من أنواع علوم الحديث ترى ما لا عين رأت ولا أذن سمعت مثله قبل الاسلام.
وما من شك أن القرآن الكريم هو أول من أرشد إلى التحقيق والتثبت
في الاخبار فقال: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة) (٢) .
وإلى تدوين السير والتراجم الصحيحة، المفيدة، المعتبرة، فقد ذكر لنا
_________________
(١) أنظر سيرة البخاري للعلامة عبد السلام المباركفوري ص ١٢ - ١٤.
(٢) سورة الحجرات: ٦. (*)
[ ١ / ١٧ ]
القرآن الكريم تراجم أعلام كثيرين ومواضع العبرة فيها صافية، خالصة من التناقض والمحالات، وانظر بجانبه الاساطير والقصص الباطلة في كتب من قبلنا.
ويعلمنا القرآن أيضا، أنه لا يكفي تدوين السير والتزام الصدق فيه فقط، بل ينبغي توجيه النقد الصادق أيضا للاعتبار والموعظة.
وانظر أمثله ذلك في قصة آدم ونوح ويونس ﵈.
ومن هذا المنطلق القرآني الكريم، توجه أهل الحديث رحمة الله عليهم فبذلوا قصارى جهودهم وسعوا حتى جمعوا سيرة الرسول ﷺ وسنته قولا وفعلا وتقريرا بأسانيدها.
ولولا ذلك الجهد العظيم من هذه الطائفة المباركة لحرمنا معرفة أحوال نبينا ﷺ، ولتعذر علينا الامتثال بقوله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) (١) .
ولم تقف جهودهم على هذه الحدود بل دونوا تراجم صحيحة صادقة للخلفاء الراشدين أيضا عملا بقوله ﷺ في حديث العرباض بن سارية " فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ (٢) .
وخطوا خطوات فجمعوا تراجم غيرهم من الصحابة، وكيف يهملون
تراجم أصحاب نبيهم وقد زكاهم الله وأثنى عليهم، وإن في حياتهم لنا خبرا وعبرا.
فالكتب المؤلفة الخاصة بهم تدل على الجهود المبذولة في هذا الجانب.
ولما كان الخبر - أي خبر كان - لا يوثق به ولا يكون مقبولا إلا إذا
_________________
(١) سورة الاحزاب: ٢١.
(٢) أنظر صحيح الجامع الصغير ٤: ١٣٢. (*)
[ ١ / ١٨ ]
كان المخبر ثقة حافظا، عدلا، فكيف يقبل الخبر عن النبي ﷺ من كل أحد بدون أن نعرف صدقه من كذبه وصوابه من وهمه وخطأه.
لذلك فاستنبطوا كلمة الاسناد باصطلاحهم الخاص واستنبطوا له علما خاصا يعرف بعلم النقد والجرح والتعديل.
وترجموا للتابعين ولمن بعدهم، وقيدوا أحوالهم حتى يعرف الضعيف من الحافظ والثقة من الكاذب ممن تقبل أخبارهم وممن ترد أحاديثهم فإذا رأيت كتب التراجم والتواريخ والطبقات ثم رأيت آلافا من التراجمن بجميع ما وصلوا إليه من مولد الراوي ونشأته إلى مماته، كيف كان مدخله ومخرجه، كيف كان في سلوكه ودينه وعقيدته ومعاملاته مع الاخرين، من شيوخه الذين تتلمذ عليهم وهل سمع أحاديثه أم بعضها من هم التلاميذ الذين تلقوا عنه ومن تلاميذه الثقات عنه ومن تضعف رواياتهم عنه.
كم عدد مروياته كم فيها صحيح وكم فيها ضعيف.
هل بقي في حفظه وعدالته على ما كان في شبابه وصحته أم اختلط بآخرته بعد ما كبر وشاخ أو بعد ما أصيب بعاهة أو حادث في نفسه، أو في كتبه، وهل حدث حال اختلاطه أم لا؟ فإن حدث فمن الذين أخذوا عنه قبل الاختلاط، ومن الذين أخذوا عنه بعد الاختلاط، ومن الذين أخذوا قبل الاختلاط، وبعده أيضا فهل ميزت
أحاديثهم أم لا؟؟ إلى غير ذلك من صفات تعلق بالراوي، هذا ما عرف بعلم معرفة الرجال أو علم الجرح والتعديل.
حتى انبهر بهذه العلوم أعداء الاسلام ونطق بعضهم بالثناء عليها وعليهم اعترافا بالفضل ما شهدت به الاعداء.
قال الدكتور سبرنجر في مقدمة كتاب الاصابة: " يحق للمسلمين أن يفتخروا بعلم الرجال كما شاءوا.
فلم توجد أمة
[ ١ / ١٩ ]
في الماضي ولا في الحاضر دونت تراجم وسير العلماء خلال اثني عشر قرنا كما فعل المسلمون.
فبامكاننا، الحصول على تراجم خمسمائة عالم من المشهورين من كتبهم.
اهـ (١) .
ولم يقتصر أهل الحديث على جمع التراجم بل بحثوا دقيقا في مروياتهم حتى روايات الثقات المعروفين منهم ولم يعتمدوا على كونهم ثقات ولم يفعوهم من البحث والنقد.
فإن الثقة قد يهم ويخطى، فطرة الله التي فطر الناس عليها.
فبحثوا في رواياتهم التي وهموا أو أخطأوا فيها، هذا ما عرف بعلم علل الحديث.
وهل يمكن يا صاح أن تكون طرق للبحث والنقد والتثبت والتفتيش للاخبار الماضية أحسن مما عند المحدثين كلا.
اولئك آبائي فجئني بمثلهم * إذا جمعتنا يا جرير المحافل.
وبجانب ذلك استنبطوا الاحكام من غير قياس جائر ولا التقيد بالظاهر.
وكتبوا فيها الجوامع والسنن والكتب الموضوعية كما حموا حمى العقيدة من جميع جوانبها ما سمعوا هيعة إلا طاروا لها خفافا وثقالا، وما رأوا ثغرة إلا رابطوا فيها، فحفظوا هذا الدين من زيغ الزائغين وتحريف
الغالين وانتحال المبطلين وضلال المشبهين والمعطلين والمكيفين والمؤولين.
وإنه ليحزننا بعد هذا أن يقوم بعض الحاقدين على السلف أو السلفية، فيرميهم بعدم الفهم للنصوص ويستخفهم فيسميهم " النقلة " الذين لا يفقهون.
كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا.
_________________
(١) نقلا عن كتاب سيرة البخاري للعلامة عبد السلام المباركفوري طبعة الجامعة السلفية بالهند. (*)
[ ١ / ٢٠ ]
موجز عن الجرح والتعديل الكلام على الرجال جرحا وتعديلا ليس من الغيبة بل هو واجب من واجبات الشريعة.
روى ابن حبان في كتاب الضعفاء والمجروحين عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي وحجر الكلاعي قالا: أتينا العرباض بن سارية وهو فيمن نزل فيه: ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم.
قلت لا أجد ما أحملكم عليه، فسلمنا عليه وقلنا أتيناك زائرين ومقتبسين، فقال العرباض صلى بنا رسول الله ﷺ الصبح ذات يوم ثم أقبل علينا فوعظنا، موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: أوصيكم بتقوى الله ﷿ والسمع والطاعة، وإن عبدا حبشيا مجدعا فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين فتمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الامور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
ثم قال: " في قوله ﷺ " فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم.." دليل على أن هـ ﷺ أمر أمته بمعرفة الضعفاء من الثقات، لانه لا يتهيأ لزوم السنة مع ما خالطها من الكذب والاباطيل إلا بمعرفة الضعفاء من الثقات وقد علم النبي ﷺ بما يكون من ذلك في أمته.
وقال أيضا: في قوله ﵇، ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب.
[ ١ / ٢١ ]
دليل على استحباب معرفة الضعفاء من الحدثين إذ لا يتهيأ أن يبلغ الغالب ما شهد إلا بعد المعرفة بصحة ما يؤدى إلى ما بعده (١) .
وروى أحمد بن مروان المالكي حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: جاء أبو تراب النخشي إلى أبي فجعل أبي يقول: فلان ضعيف وفلان ثقة، فقال أبو تراب: يا شيخ لا تغتب العلماء، قال: فالتفت أبي إليه قال: ويحك هذا نصيحة، ليس هذا غيبة.
وقال محمد بن بندار قلت لاحمد بن حنبل: إنه ليشتد علي أن أقول: فلان ضعيف، فلان كذاب، قال أحمد: إذا سكت أنت وسكت أنا، فمتى يعرف الجاهل الصحيح من السقيم (٢) .
وقال أبو بكر بن خلاد، دخلت على يحيى بن سعيد في مرضه فقال لي: يا أبا بكر: ما تركت أهل البصرة يتكلمون؟ قلت: يذكرون خيرا إلا أنهم يخافون عليك من كلامك في الناس، فقال: احفظ عني، لان يكون خصمي في الاخرة رجل من عرض الناس أحب إلى من أن يكون خصمي في الاخرة النبي ﷺ، يقول: بلغك عني حديث وقع في وهمك أنه عني غير صحيح يعني فلم تنكر (٣) .
وإن القرآن الكريم نفسه يحث على التثبت والبحث والتمحيص قال
تعالى: (يأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) (٤) .
كما نجد في كتاب الله تعالى أصولا للنقد والجرح والتعديل: قال تعالى حاكيا عن سليمان ﵇:
_________________
(١) أنظر الضفعاء والمجروحين ١: ٩: ١٦.
(٢) الكفاية ٩٢.
(٣) شرح علل الترمذي لابن رجب ١٧٣ وانظر الكفاية ص ٩٠.
(٤) سورة الحجرات: ٦. (*)
[ ١ / ٢٢ ]
(فان سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين) (١) .
وقال تعالى في الجرح: (والله يشهد إن المنافقين لكاذبون) (٢) .
وقال في التعديل: (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من دايارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا، وينصرون الله ورسوله وأولئك هم الصادقون) (٣) .
ثم نرى النبي ﷺ في الاخبار فسأل وجرح وعدل.
ولنا فيه أسوة حسنة.
روى البخاري عن عائشة ﵂ حين قال فيها أهل الافك ما قالوا، قالت: دعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد ﵄ حين استلبث الوحي يسألهما وهو يستشيرهما في فراق أهله، فأما أسامة فأشار بالذي يعلم من براءة أهله وأما علي، فقال: لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير وسل الجارية تصدقك، فقال: هل رأيت من شئ يريبك؟ قالت: ما رأيت أمرا أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام
عن عجين أهلها (٤) وله أمثلة كثيرة في السنة.
ثم جاء دور الصحابة رضوان الله عليهم ففحصوا وفتشوا وبالغوا في التحقيق في أحاديث رسول الله ﷺ.
عن قبيصة بن ذؤيب أنه قال: جاءت الجدة إلى أبي بكر الصديق
_________________
(١) سورة النحل: ٢٧.
(٢) سورة المنافقون: ١.
(٣) سورة الحشر: ٨.
(٤) صحيح البخاري ٨: ٣٣٨. (*)
[ ١ / ٢٣ ]
تسأله ميراثها، فقال لها أبو بكر ما لك في كتاب الله شئ وما علمت لك في سنة رسول الله ﷺ شيئا، فارجعي حتى أسأل الناس، فسأل الناس، فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رسول الله ﷺ أعطاها السدس، فقال أبو بكر: هل معك غيرك فقام محمد بن مسلمة الانصاري، فقال: مثل ما قال المغيرة بن شعبة فأنفذة لها أبو بكر (١) .
ويأتي دور الخليفة الثاني عمر بن الخطاب فيتشدد أكثر من سلفه، عن أبي سعيد الخدري قال: كنت في مجلس من مجالس الانصار إذ جاء أبو موسى كأنه مذعور، فقال: استأذنت على عمر فلم يؤذن لي فرجعت، فقال: ما منعك؟ قلت: استأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي، فرجعت، وقال رسول الله ﷺ: إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن فليرجع، فقال: والله لتقيمن عليه بينة، أمنكم أحد سمعه من النبي ﷺ؟ فقال أبي بن كعب، والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم، فكنت أصغر القوم، فقمت معه فأخبرت عمر أن الني ﷺ قال: ذلك.
وفي بعض الروايات: قال عمر: انما سمعت شيئا فأحببت أن أتثبت.
وفي رواية فقال عمر بن الخطاب لابي موسى: أما إني لم أتهمك ولكن خشيت أن يتقول الناس على رسول الله ﷺ (٢) .
وروى ابن عبد البر بسنده عن أبي هريرة قال: إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذونه.
وروى أيضا عن عقبة بن نافع وصهيب أنهما قالا: يا بني لا تقبلوا الحديث عن رسول الله ﷺ إلا عن ثقة (٣) .
_________________
(١) موطأ الامام مالك ٢: ٥٥.
(٢) صحيح البخاري ١١: ٢٧، صحيح مسلم ٣: ١٦٩٤، الموطأ ٢: ٢٤٠.
(٣) التمهيد ١: ٤٥. (*)
[ ١ / ٢٤ ]
ثم يأتي زمن التابعين فيتطور هذا العلم ويتوسع أكثر.
وهذا سعيد بن المسيب ﵀ كان يتنفي الرجال والاحاديث.
أخرج ابن منده من طريق يزيد بن أبي مالك قال: كنت عند سعيد ابن المسيب فحدثني بحديث، فقلت من حدثك يا أبا محمد بهذا؟ فقال: يا أخا أهل الشام خذ ولا تسأل فإنا لا تأخذ إلا عن الثقات (١) .
وقال عامر ابن شراحيل الشعبي في قتادة: حاطب ليل (٢) .
وقال في إبراهيم النخعي: ذاك الذي يروى عن مسروق ولم يسمع منه شيئا (٣) .
وقال ابن سيرين: إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم (٤) .
وكان قتادة يرمي عبادة أبا يحيى بالكذب (٥) .
ويروى عن ابن شهاب الزهري أقوال كثيرة في النقد والجرح والتعديل قال الزهري: العلماء أربعة سعيد بن المسيب بالمدينة والشعبي بالكوفة، والحسن البصري بالبصرة، مكحول بالشام (٦) .
وكان الزهري يشدد على من كان يحدث الحديث بلا إسناد.
ذكر الذهبي قوله في اسحاق بن عبد الله:
_________________
(١) تهذيب التهذيب ٤: ٨٧.
(٢) التهذيب ٤: ٨٧.
(٣) الميزان ١: ٧٤.
(٤) مقدمة صحيح مسلم ص ١٤.
(٥) الميزان ٢: ٣٨١.
(٦) الميزان ٤: ١٧٧. (*)
[ ١ / ٢٥ ]
قاتلك الله يا ابن أبي فروة ما أجرأك على الله ألا تسند أحاديثك، تحدث بأحاديث ليس لها خطم ولا أزمة (١) .
ثم يأتي عصر أتباع التابعين الذين تتلمذوا على تلامذة الصحابة فيتقدم الفن إلى خطوات حثيثة، وتتأسس قوانين جديدة وينشئ الله أمثال شعبة، فيرحلون ويفتشون ويخبرون أحوال الرجال ويبدأون بالتصنيف والتأليف بشكل أوسع من ذي قبل.
وبالنظر في ترجمة شعبة يظهر أنه كان مبالغا جدا في التثبت فيما كان يروي ولم يكن يروي إلا عن الثقات المعروفين فيما قيل.
وكانت له طرق مختلفة لتحقيق الاخبار منها: أنه ما كان يكتفي باستماع الحديث مرة واحدة.
روى ابن أبي حاتم بسنده إلى حماد بن زيد قال: ما أبالي من خالفني إذا وافقني شعبة، لان شعبة كان لا يرضى أن يسمع الحديث مرة، يعاوده صاحبه مرارا ونحن كنا إذا سمعنا مرة اجتزينا به (٢) .
ومنها ما رواه ابن أبي حاتم بسنده إلى أبي داود الطيالسي قال: سمعت خالد بن طليق يسأل شعبة فقال: يا أبا بسطام حدثني حديث سماك بن حرب في اقتضاء الورق من الذهب حديث ابن عمر، فقال: أصلحك الله.
هذا حديث ليس يرفعه أحد إلا سماك، قال: فترهب أن أروي عنك؟ قال: لا، ولكن حدثنيه قتادة عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر ولم يرفعه.
وأخبرنيه أيوب عن نافع عن ابن عمر ولم يرفعه وحدثني داود بن أبي
_________________
(١) الميزان ١: ١٩٣.
(٢) تقدمة الجرح والتعديل ١٦٨. (*)
[ ١ / ٢٦ ]
هند عن سعيد بن جبير ولم يرفعه، ورفعه سماك فأنا أفرقه (١) .
فأظهر شعبة من هذه المقارنة أن سماكا أخطأ في رفع هذا الحديث إنما هو من قول ابن عمر موقوفا عليه.
ومثل هذه الطرق للتثبت والتحقيق مأثورة كثيرة عن اتباع التابعين وبرز في هذا القرن الخير، جهابذة الفن مثل سفيان الثوري [٩٧ - ١٦١] ومالك بن أنس إمام دار الهجرة [١٠٤ - ١٧٩] وعبد الله بن المبارك المروزي الخراساني [١١٨ - ١٨١] وأبو إسحاق الفزاري [ت ١٨٦] وسفيان بن عيينة [١٠٧ - ١٩٧] ويحيى بن سعيد القطان [١٢٠ - ١٩٨] ووكيع بن الجراح [١٢٨ - ١٩٨] وعبد الرحمن بن مهدى [١٣٥ - ١٩٨] .
ثم جاء الله بقوم آخرين تتلمذوا على هؤلاء الاعلام الغر الميامين فأخذوا طرقهم في البحث والتنقيب، وأضافوا عليها طرقا جديدة وفي مقدمتهم أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلي بن المديني ولهم كتب ومؤلفات في هذا الفن الشريف يمكن معرفتها بمراجعة تراجمهم.
ثم جاء أمثال الامام البخاري محمد بن اسماعيل ومسلم وأبي داود والترمذي وابن ماجه والدارمي وغيرهم، فزادوا في هذا البنيان لبنات مهمة واستنبطوا قواعد جديدة واستعملوا طريقة الاعتبار والمقارنة والمقابلة والسبر والاختيار بطريق أوسع لمعرفة الرجال وتميز الخطأ من الصواب.
قال أحمد في ترجمة سفيان بن عيينة: هو أثبت الناس في عمرو بن دينار (٢) .
وقال أيضا: كنت أنا وعلي بن المديني فذكرنا أثبت من يروي عن
_________________
(١) تقدمة الجرح والتعديل ١٥٨.
(٢) ميزان الاعتدال ٢: ١٧٠. (*)
[ ١ / ٢٧ ]
الزهري.
فقال علي: سفيان بن عيينة، وقلت أنا مالك بن أنس، وقلت: مالك أقل خطأ عن الزهري، وابن عيينة يخطئ في نحو من عشرين حديثا عن الزهري، في حديث كذا وكذا فذكرت منها ثمانية عشر حديثا، وقلت: هات ما أخطأ مالك، فجاء بحديثين أو ثلاثة، فرجعت، فنظرت فيما أخطأ فيه ابن عيينة، فإذا هي أكثر من عشرين حديثا.
وقال أيضا: عند مالك عن الزهري نحو من ثلاثمائة حديث كذا عند ابن عيينة عنه نحو الثلاثمائة (١) .
فاستننج الامام أحمد من هذه المقارنة والسبر أن مالكا أثبت في
الزهري من ابن عيينة.
وذكر النسائي رواية لعبد الملك بن نافع الشيباني عن ابن عمر رأيت رجلا جاء إلى رسول الله ﷺ بقدح فيه نبيذ وهو عند الركن ودفع إليه القدح ثم قال النسائي: عبد الملك بن نافع ليس بالمشهور، ولا يحتج بحديثه، والمشهور عن ابن عمر خلاف حكايته.
ثم ذكر روايات كثيرة تخالف هذه الرواية وقال: " وهؤلاء أهل الثبت والعدالة، مشهورون بصحة النقل، وعبد الملك لا يقوم مقام واحد منهم ولو عاضده من أشكاله جماعة وبالله التوفيق (٢) .
ويبدو لي أن طريقة الوحيدة في معرفة الثقة من غيره من الرواة المتقدمين.
فإذا لم يوجد في الرواي المتقدم باسناد صحيح كلام من إمام معاصر له.
_________________
(١) العلل رقم ٢٥٤٣ ب والميزان ٢: ١٧٠.
(٢) أنظر سنن النسائي ٨: ٣٢٣. (*)
[ ١ / ٢٨ ]
كانوا يستعملون هذه الطريقة للحكم عليه وعلى أحاديثه، ولو لم تعرف عدالته، فالظاهر أنهم كانوا يكتفون بستر حاله والنظر في مروياته فإن وافق في رواياته الثقات المعروفين وثق وإن خالف، ضعف.
ومن نظر كلام ابن عدي في كلامه وابن حبان في ضعفائه ظهر له أنهما كانا يستعملان هذه الطريقة بكثرة واضحة جدا.
قال ابن حيان في ترجمة عبد الله بن لهيعة.
قد سبرت أخباره في رواية المتقدمين، والمتأخرين عنه فرأيت التخليط في رواية المتأخرين عنه موجودا وما لا أصل له في رواية المتقدمين كثيرا،
فرجعت إلى الاعتبار، فرأيته يدلس عن قوم ضعفاء على أقوام رآهم ابن لهيعة ثقات، فألزق ذلك الموضوعات بهم (١) .
هذا عرض موجز عن تاريخ الجرح والتعديل وهذه بعض الشواهد والامثلة لاقوالهم ومنهجهم في هذا الباب تظهر لنا جهود أئمتنا ﵏ في حفظ السنة النبوية.
_________________
(١) ميزان الاعتدال ٢: ٤٨٢. (*)
[ ١ / ٢٩ ]
العلة العلة لغة: المرض، وصاحبها معتل، عل المريض يعل فهو عليل (١) .
وقال في القاموس: العلة بالكسر: المرض، عل يعل واعتل وأعله تعالى، فهو معل وعليل، ولا تقل معلول، والمتكلمون يقولونها، ولست منه على ثلج (٢) .
العلة اصطلاحا: العلة في اصطلاح المحدثين: عبارة عن أسباب خفية غامضة قادحة في صحة الحديث (٣) .
والحديث المعلل والمعلول: هو الحديث الذي أطلع فيه على علة تقدح في صحته مع أن ظاهره السلامة منها (٤) .
فعلى هذا التعريف: لا يسمى الحديث المنقطع مثلا معلولا ولا الحديث الذي راويه مجهول، أو ضعيف معلولا.
وانما يسمى معلولا إذا آل أمره إلى شئ من ذلك مع كون ظاهره السلامة منه.
قال الحاكم: هذا النوع منه معرفة علل الحديث وهو علم برأسه غير
_________________
(١) أنظر معجم مقاييس اللغة ٤: ١٣.
(٢) قاموس المحيط ٤: ٢١. وانظر تاج العروس ٨: ٣٢، ولسان العرب ١١: ٤٧١.
(٣) أنظر علوم الحديث لابن الصلاح ٨١، والتقييد والايضاح ١١٦، وفتح المغيث ١: ٢١٠، تدريب الراوي ١: ٢٥٢، النكث لابن حجر ٢: ٧١٠.
(٤) علوم الحديث ٨٤. (*)
[ ١ / ٣١ ]
الصحيح والسقيم والجرح والتعديل وإنما يعلل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، فإن حديث المجروح ساقط واه، وعلة الحديث، يكثر في أحاديث الثقات أن يحدثوا بحديث له علة، فيخفي عليهم، علمه، فيصير الحديث معلولا والحجة فيه عندنا الحفظ والفهم والمعرفة، لا غير (١) .
فالاصل في اطلاق العلة هو السبب الخفي القادح في صحة الحديث.
ولكن قد يتوسعون فيطلقون العلة على كل سبب قادح سواء أكان ظاهرا أم خفيا بل ولا يخلو كتاب من كتب العلل إلا وقد أورد فيه مؤلفه مطلق سبب الضعف في الرواية.
حتى إن بعضهم أطلق العلة على سبب غير قادح أيضا كالحديث الذي وصله الثقة الضابط، فأرسله، غيره (٢) .
قال ابن الصلاح: قد يطلق اسم العلة على غير ما ذكرناه من باقي الاسباب القادحة في الحديث المخرجة له من حال الصحة إلى حال الضعف، المانعة من العمل به على ما هو مقتضى لفظ العلة في الاصل، ولذلك نجد في كتب العلل الكثير من الجرح بالكذب والغفلة وسوء الحفظ، ونحو ذلك من أنواع الجرح، وسمى الترمذي النسخ علة من علل الحديث.
ثم إن بعضهم أطلق اسم العلة على ما ليس بقادح من وجوه الخلاف نحو إرسال من أرسل الحديث الذي أسنده الثقة، الضابط حتى قال: من
أقسام الصحيح ما هو صحيح معلول كما قال بعضهم: من الصحيح ما هو صحيح شاذ (٣) .
_________________
(١) معرفة علوم الحديث ١١٢، ١١٣.
(٢) أنظر الباعث الحثيث ٧١، توضيح الافكار ٣: ٣٣، تدريب الراوي ١: ٢٥٧.
(٣) علوم الحديث ٨٤. (*)
[ ١ / ٣٢ ]
وأما قول صاحب القاموس: لا تقل معلول.
يعني به أن أهل اللغة لا يثبتون هذه الكلمة بهذا المعنى على هذه الصيغة.
ووافقه ابن الصلاح من المحدثين أيضا حيث قال: ويسميه أهل الحديث المعلول، وذلك منهم ومن الفقهاء في قولهم في باب القياس العلة والمعلول مرذول عند أهل اللغة والعربية (١) .
ولحنه النووي أيضا في تقريبه (٢) .
ولكننا نقول: إن استعمال أهل الحديث كلمة المعلول بالمعنى الذي أرادوه ليس مخالفا للغة، لانه استعملها أبو اسحاق الزجاج اللغوي، المشهور في العروض قريبا من المعنى الذي استعملها أهل الحديث (٣) .
وقال ابن القوطية اللغوي (٤) .
عل الانسان مرض والشئ اصابته علة، ذكره الجزائري ثم قال: فيكون استعماله بالمعني الذي أرادوه غير منكر، بل قال بعضهم: استعمال هذا اللفظ أولى لوقوعه في عبارات أهل الفن مع ثبوته لغة، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ (٥) .
وزيادة عليه أننا نجد وقوعه في كلام البخاري، والترمذي والدارقطني والحاكم وغيرهم (٦) وهم أقرب إلى اللغة الصحيحة قبل أن يدخل فيها
_________________
(١) علوم الحديث لابن الصلاح ٨١.
(٢) تقريب النووي ١٦١ مع تدريب الراوي.
(٣) أنظر فتح المغيث ١: ٢١٠.
(٤) هو محمد بن عمر بن عبد العزيز بن ابراهيم الاندلسي أبو بكر المعروف بابن القوطية مؤرخ أعلم أهل زمانه باللغة والادب مات بالقرطبة سنة ٣٦٧، أنظر وفيات الاعيان ١: ٥٢١. لسان الميزان ٥: ٣٢٤، الاعلام ٧: ٢٠١.
(٥) توجيه النظر ٢٦٤.
(٦) تدريب الراوي ١٦١. (*)
[ ١ / ٣٣ ]
دخائل.
وقد عاصروا كبار اللغويين، ولا نجد منهم انكارا على المحدثين في استعمال هذه الكلمة بهذا المعنى.
والله أعلم.
نشأة علم علل الحديث: يبدو أن علم علل الحديث في صورة مصغرة مبكرة مساير لعلم الحديث جمعا ونقدا من زمن الصحابة ﵃، وحيث إن الوهم والخطأ من أهم عناصر علل الحديث.
ومن الممكن أن يقع فيهما بعض الصحابة، فيمكننا أن نمثل لهذا بوقائع ثبتت عن الصحابة وهم فيه بعضهم البعض، وإن كتاب " الاجابة فيما استدركته عائشة على الصحابة " للزركشي، أكبر مجموعة لهذا.
وكما وهم سعيد بن المسيب أو بعض الصحابة عبد الله بن عباس ﵄ في قوله: تزوج النبي ﷺ ميمونة وهو محرم (١) .
ثم سار هذا العلم مع الرواية والتحديث في كل عصر، كلما اتسعت الرواية اتسع مجاله واشتدت الحاجة إليه.
وقد قيض الله له في كل عصر ومصر علماء جهابذة كانوا ينخلون الروايات ويتخللونها، ويخرجون منها
حرفا حرفا الصحيح والسقيم والضعيف والمعلول.
أهمية علم علل الحديث: لما عرف أن علل الحديث يكثر وقوعها في أحاديث الثقات الذين عليهم العمدة في الروايات، فأعرض المحدثين وعامتهم لا يظهر لهم خلل في أحاديثهم، ولذلك صار أغمص أنواع الحديث وأدقها مسلكا، ولا يقوم به إلا من منحه الله فهما غائصا واطلاعا حاويا وادراكا لمراتب الرواة ومعرفة ثاقبة لاختلاف المرويات.
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب النكاح ٢: ١٠٣١. (*)
[ ١ / ٣٤ ]
ولهذا لم يتكلم في هذا العلم إلا أفراد أئمة هذا الشأن وحذاقهم.
قال أبو عبد الله بن مندة الحافظ: انما خص الله بمعرفة هذه الاخبار نفرا يسيرا من كثير ممن يدعي علم الحديث، فأما شأن الناس ممن يدعي كثرة كتابة الحديث أو متفقه في علم الشافعي وأبي حنيفة أو متبع لكلام الحارث المحاسبي والجنيد وذي النون وأهل الخواطر.
فليس لهم أن يتكلموا في شئ من علم الحديث إلا من أخذه عن أهله وأهل المعرفة.
فحينئذ يتكلم بمعرفة (١) .
وقال عبد الرحمن بن مهدي: معرفة الحديث إلهام، فلو قلت للعالم يعلل الحديث من أين قلت هذا لم يكن له، حجة، ذكره الحاكم.
وذكر أيضا باسناده عن أبي زرعة وقال له رجل: ما الحجة في تعليلكم الحديث؟ قال: الحجة، أن تسألني عن حديث له علة فأذكر علته، ثم تقصد ابن واره يعني محمد بن مسلم ابن واره، وتسألنه عنه ولا تخبره بأنك قد سألتني عنه فيذكر علته، ثم يقصد أبا حاتم فيعلله، ثم تميز
كلام كل منا على ذلك الحديث.
فإن وجدت بيننا خلافا في علته فاعلم إن كلا منا تكلم على مراده.
وإن وجدت الكلمة متفقة فاعلم حقيقة هذا العلم.
قال: ففعل الرجل.
فاتفقت كلمتهم عليه، فقال: أشهد أن هذا العلم إلهام (٢) .
وهنا تنبيه: ينبغي أن نفهم كلام عبد الرحمن بن مهدي على وجهه، وهو أنه ليس مقصوده من قوله " معرفة الحديث إلهام " أنه قد يعلل ولا حجة له فيه إنما
_________________
(١) شرح علل الترمذي لابن رجب ٦١، ٦٢.
(٢) معرفة علوم الحديث للحاكم ١١٢ - ١١٣. (*)
[ ١ / ٣٥ ]
مقصوده (إن صح عنه هذا القول) أنه تحصل له ملكة قوية راسخة حتى إنه بمجرد النظر في اسناد الحديث ومتنه تظهر له صحته أو ضعفه فيحكم في أول وهلة ببصيرته أنه صحيح أو معلول.
ثم إذا طلبت منه الحجة لا بد وأن يذكر تفصيلها.
ولا يمكن أن نجد حديثا معللا إلا دونه سبب، لكن قد يختصر المعلل في الحكم فيذكر حكمه بدون ابداء السبب.
وقد استدل بقول ابن مهدي هذا بعض من له هوى في انكار الحديث فتوسع في تفسيره والاستدلال به فقال: إن المحدث قد يرى الحديث المتفق على صحته أنه ضعيف وبالعكس ولا يستطيع اقامة الحجة على ذلك وهو معذور في حكمه هذا كالصيرفي الناقد يحكم على الدارهم بالزيف والصالح ويعجز عن إبانة السبب.
فنقول: ليس الامر كما ذكر فالواقع يخالف قوله، فهذه كتب العل
أمامنا، إن وجد الايجاز والاختصار في بعضها ففي الاخر تجد التفصيل وبيان السبب والتعليل.
فمثله كمثل الطبيب الحاذق إذا عرض له شخص ظاهره السلامة، لا يظهر المرض فيه لعامة الناس، فينظر إليه أول نظرة ويبدي رأيه إجمالا إن فيه مرض كذا، فإذا أجري عليه الفحص والفسر والتحليل والاشعة، يظهر بوضوع صدق قوله.
كما قال نعيم بن حماد قلت لابن مهدي: كيف تعرف صحيح الحديث وسقيمه؟ قال: كما يعرف الطبيب المجنون (١) .
أقسام العلة: تقع العلة في الاسناد وحده وفي المتن وحده وفي كليهما فعلى هذا تنقسم
_________________
(١) شرح علل الترمذي لابن رجب ١٧٥. (*)
[ ١ / ٣٦ ]
إلى ستة أقسام:
١ - العلة في الاسناد ولا تقدح مطلقا.
٢ - العلة في المتن دون الاسندا ولا تقدح مطلقا.
٣ - العلة في المتن واستلزمت القدح في الاسناد.
٤ - العلة في الاسناد وتقدح فيه دون المتن.
٥ - العلة في المتن وتقدح فيه وفي الاسناد معا.
٦ - العلة في المتن وتقدح فيه دون الاسناد (١) .
بعض أجناس المعلل: قد قسم الحاكم في معرفة علوم الحديث أجناس المعلل إلى عشرة أقسام وحررها السيوطي في تدريب الراوي وذكر لها امتثلتها.
نكتفي بذكر الاجناس فقط.
١ - أن يكون السند ظاهره الصحة وفيه من لا يعرف بالسماع ممن روى عنه.
٢ - أن يكون الحديث مرسلا من وجه رواه الثقات الحفاظ ويسند من وجه ظاهره الصحة.
٣ - أن يكون الحديث محفوظا عن صحابي ويروى عن غيره لاختلاف بلاد رواته كرواية المدنيين عن الكوفيين.
٤ - أن يكون محفوظا عن صحابي فيروى عن تابعي يقع الوهم بالتصريح بما يقتضي صحته بل ولا يكون معروفا من جهته.
_________________
(١) أنظر النكث لابن حجر ٢: ٧٤٧، وتوضيح الافكار للصنعاني ٢: ٣١ - ٣٣ وانظر الامثلة هناك لكل قسم. (*)
[ ١ / ٣٧ ]
٥ - أن يكون روى بالعنعة وسقط منه رجل دل عليه طريق أخرى محفوظة.
٦ - أن يختلف على رجل بالاسناد وغيره ويكون المحفوظ عنه ما قابل الاسناد.
٧ - الاختلاف على رجل تسمية شيخه أو تجهيله.
٨ - أن يكون الراوي عن شخص أدركه وسمع، لكنه لم يسمع منه أحاديث معينة فإذا رواه عنه بلا واسطة فعلتها أنه لم يسمعها منه.
٩ - أن تكون طريقة معروفة يروي أحد رجالها حديثا عن غير تلك الطريق فيقع من رواه من تلك الطريق بناء على الجادة في الوهم
١٠ - أن يروى الحديث مرفوعا من وجه موقوفا من وجه، قال الحاكم.
فقد ذكرنا علل الحديث على عشرة أجناس وبقيت أجناس لم
نذكرها وانما جعلتها مثالا لاحاديث كثيرة معلولة يهتدي إليها المتبحر في هذا العلم، فإن معرفة علل الحديث من أجل هذه العلوم (١) .
بعض المؤلفين في علل الحديث ومؤلفاتهم: يذكر عدد من التابعين وتابعيهم ومن بعدهم فيمن ألف في علم علل الحديث، فبعضهم وصل إلينا كتابه وبعضهم لم يعثر على تأليفه ولكن أقوالهم منقولة في ثنايا كتب من بعدهم، لو جمعت لحصلت لنا تأليفاتهم.
وقد ذكر الامام الترمذي في كتابه العلل الصغير جملة ممن سبقوه بالتأليف في هذا الموضوع نذكرهم في ضمن المؤلفين.
_________________
(١) أنظر معرفة علوم الحديث للحاكم ١١٢ - ١١٩ وتدريب الراوي ١٦٧ - ١٦٩. (*)
[ ١ / ٣٨ ]
قال: إنما حملنا على ما بينا في هذا الكتاب من قول الفقهاء وعلل الحديث لانا سئلنا عن هذا فلم نفعله زمانا ثم فعلناه لما رجونا فيه من منفعة الناس.
لانا قد وجدنا غير واحد من الائمة تكلفوا من التصنيف ما لم يسبقوا إليه منهم:
١ - هشام بن حسان [ت ١٤٧]
و٢ - عبد الملك بن عبد العزيز بن جريح [ت سنة ١٥٠]
و٣ - سعيد بن أبي عروية [ت سنة ١٥٦]
و٤ - مالك بن أنس [الامام ت سنة ١٧٩]
و٥ - حماد بن سلمة [ت سنة ١٦٧]
و٦ - عبد الله بن المبارك [ت سنة ١٨١]
و٧ - يحيى بن زكريا بن أبي زائدة [ت سنة ١٨٣]
و٨ - وكيع بن الجراح [ت سنة ١٩٧]
و٩ - عبد الرحمن بن مهدي، [ت سنة ١٩٨] وغيرهم من أهل العلم والفضل صنفوا فجعل الله في ذلك منعة كثيرة، فنرجو لهم الثواب الجزيل عند الله لما نفع الله به المسلمين فبهم القدوة فيما صنفوا (١) .
ومن جملة المصنفين في علل الحديث:
١٠ - يحيى بن سعيد القطان [ت سنة ١٩٨] فقد ذكر ابن رجب في شرح علل الترمذي أن له كتابا في العلل (٢) .
١١ - العلل عن سفيان بن عيينة [ت سنة ١٩٨] رواية ابن المديني علي
_________________
(١) علل الحديث للترمذي المطبوع بآخر سنته ٥: ٧٣٨.
(٢) شرح علل الترمذي لابن رجب ٥٣٣. (*)
[ ١ / ٣٩ ]
ابن عبد الله عنه (١) .
١٢ - علل الحديث للحسن بن محبوب بن وهب الشراد البجلي [ت سنة ٢٢٤] (٢) .
١٣ - العلل المنقولة عن يحيى بن معين (ت سنة ٢٣٣) (٣) .
١٤ - العلل لابن المديني (ت سنة ٢٣٤) وذكر الحاكم أن له كتاب علل المسند في ثلاثين جزء ١، وذكر له كتبا أخرى في العلل.
١٥ - علل ابن المديني التي كتبها اسماعيل القاضي (ت ٢٨٢) .
١٦ - كتاب علل حديث ابن عيينة لابن المديني.
١٧ - العلل المتفرقة لابن المديني (٤) .
١٨ - كتاب العلل لابن المديني برواية أبي الحسن محمد بن أحمد بن البراء (ت سنة ٢٩١) (٥) .
١٩ - العلل ومعرفة الرجال للامام أحمد (ت سنة ٢٤١) رواية عبد الله ابن أحمد (ت سنة ٢٩٠) (٦) .
٢٠ - سؤالات خطاب بن بشر (ت ٢٦٤) للامام أحمد (٧) .
٢١ - العلل لاحمد برواية أحمد بن محمد بن الحجاج المروذي (ت سنة
_________________
(١) فتح المغيث للسخاوي ٢: ٣٣٤.
(٢) فهرست ابن النديم ٣١٠ وفتح المغيث ٢: ٣٣٤.
(٣) شرح علل الترمذي لابن رجب ٥٣٣.
(٤) معرفة علوم الحديث للحاكم ٧١ وانظر الجامع للخطيب ٢: ٣٦٠، وشرح الترمذي لابن رجب ١٨٦ - ١٨٧.
(٥) مطبوع بتحقيق الدكتور محمد مصطفى الاعظمي.
(٦) وهو هذا الكتاب الذي تقدمه محققا إن شاء الله وقد طبع منه حوالي نصف الكتاب بتحقيق الفاضلين الدكتور طلعت قوج والدكتور إسماعيل جراح أوغلي وطبع بتركيا سنة ١٩٦٣.
(٧) المعجم المفهرس لابن حجر ١: ٤٦٧ نقلا عن مقدمة علل الدارقطني. (*)
[ ١ / ٤٠ ]
٢٧٥) وغيره (١) .
٢٢ - علل الحديث ومسائل أحمد لمحمد بن جعفر بن محمد بن هانئ الاثرم (ت سنة ٢٦١) على خلاف (٢) .
٢٣ - علل الحديث ومعرفة الشيوخ لابي جعفر محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي (ت سنة ٢٤٢) (٣) .
٢٤ - كتاب العلل لعمرو بن علي الفلاس (ت ٢٤٩) (٤) .
٢٥ - كتاب العلل للامام البخاري محمد بن اسماعيل (ت ٢٥٦) (٥) .
٢٦ - علل الحديث ابن شهاب الزهري لمحمد بن يحيى الذهلي (ت سنة ٢٥٨) (٦) .
٢٧ - كتاب العلل لمسلم بن الحجاج صاحب الصحيح (ت ٢٦١) (٧) .
٢٨ - المسند المعلل ليعقوب بن شيبة (ت ٢٦٢) قال فيه الخطيب: لم يتمه وقال الذهبي في التذكرة ما صنف مسند أحسن منه لكنه ما أتمه (٨) .
٢٩ - كتاب العلل لابي بشير اسماعيل بن عبد الله بن مسعود الاصبهاني
_________________
(١) توجد منه نسخة مصورة في قسم المخطوطات بالجامعة الاسلامية برقم ٩٩.
(٢) تاريخ بغداد ٥: ١١٠.
(٣) تاريخ بغداد ٥: ٤١٧، التهذيب ٩: ٢٦٥.
(٤) التهذيب ٨: ٨١.
(٥) فتح المغيث ٢: ٣٣٤.
(٦) تذكرة الحفاظ ٢: ٥٣١ فهرست ابن خير ١٠٣.
(٧) فتح المغيث ٢: ٣٣٤، الرسالة المتطرفة ١٤٧.
(٨) تاريخ بغداد ١٤: ٢٨١، علوم الحديث لابن الصلاح ٢٥٥، تذكرة الحافظ ٢: ٥٧٧ ولم بعثر بتقديم سامي حداد سنة ١٣٥٩ في المطبعة الامريكية ببيروت. (*)
[ ١ / ٤١ ]
(ت ٢٦٧) (١) .
٣٠ - العلل لابي زرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي (ت ٢٦٤) (٢) .
٣١ - العلل الكبير لابي عيسى الترمذي صاحب السنن (ت ٢٧٩) (٣) .
٣٢ - العلل الصغير للترمذي وشرحه ابن رجب (٤) .
(٣٣) العلل لابراهيم بن إسحاق الحربي (ت ٢٨٥) (٥) .
٣٤ - المسند الكبير المعلل لابي بكر البزار أحمد بن عمرو بن عبد الخالق (ت سنة ٢٩٢) (٦) .
٣٥ - العلل في الحديث لابي اسحاق ابراهيم بن أبي طالب محمد بن نوح النيسابوري (ت ٢٩٥) (٧) .
٣٦ - علل الحديث لابي يعلي زكريا بن يحيى الساجي (ت سنة ٣٠٧) (٨) .
٣٧ - العلل لابي بكر الخلال أحمد بن محمد بن هارون (ت ٣١١) (٩) .
٣٨ - معرفة الرجال وعلل الحديث لعبد الله بن حنين المعروف بابن أخي ربيع الصباغ (ت ٣١٨) (١٠) .
_________________
(١) فتح المغيث ٢: ٣٣٤.
(٢) موارد الخطيب ٣٢٢ والظاهر أنه متضمن في كتاب علل ابن أبي حاتم، أنظر شرح علل الترمذي لابن رجب ٥٩.
(٣) شرح علل الترمذي لابن رجب ٥٣٤.
(٤) مطبوع بتحقيق الشيخ صبحي السامرائي.
(٥) التهذيب ٧: ٢٠٧، ١١، ١٩٣.
(٦) له ذكر كثير، الخطيب في تاريخ ٤: ٣٣٤ وتوجد بعض الاجزاء من الكتاب ويقدمه أخونا الفاضل الدكتور محفوظ الرحمن بتحقيقة أنظر مقدمة علل الدارقطني له.
(٧) تذكرة الحفاظ ٢: ٦٤٨، ايضاح المكنون ٢: ٣١٤.
(٨) تذكرة الحفاظ ٢: ٧٠٩ - ٧١٠.
(٩) تذكرة الحفاظ ٣: ٧٨٥ طبقات الحنابلة ٢: ١٢، الرسالة المستطرفة ١٤٨.
(١٠) مقدمة علل الدارقطني. (*)
[ ١ / ٤٢ ]
٣٩ - علل الحديث لابن أبي حاتم عبد الرحمن (ت ٣٢٧) (١) .
٤٠ - كتاب العلل لابي علل حسين بن علي النيسابوري (ت ٣٤٩) (٢) .
٤١ - علل حديث الزهري لابي حاتم محمد بن حبان البستي (ت ٣٥٤) (٣) .
٤٢ - علل حديث مالك لابن حبان في عشرة أجزاء (٣) .
(٤٣) علل ما استند إليه أبو حنيفة في عشرة أجزاء (٣) .
٤٤ - المسند الكبير المعلل لابي علي الحسين بن محمد الماسرجسي (ت ٣٦٥) (٤) .
٤٥ - كتاب العلل لابي الحسين محمد بن محمد بن يعقوب الحجاجي (ت ٣٦٨) (٥) .
٤٦ - العلل لابي أحمد محمد بن محمد بن أحمد الحاكم (ت ٣٧٨) (٦) .
٤٧ - العلل للدارقطني أبي الحسن علي بن عمر (ت سنة ٣٨٥) (٧) .
٤٨ - العلل لابي علي حسن بن محمد الزجاجي (ت في حدود ٤٠٠) (٨) .
٤٩ - العلل لابي عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري (ت ٤٠٥) (٩) .
_________________
(١) مطبوع ومصور.
(٢) فتح المغيث ٢: ٣٣٤ الرسالة المستطرفة ١١١.
(٣) الجامع لاخلاق الراوي ٢: ٣٦١ نقلا عن مقدمة علل الدارقطني.
(٤) فتح المغيث ٢: ٣٤٢ قال: إنه في ألف وثلاثمائة جزء.
(٥) تذكرة الحفاظ ٣: ٩٤٤.
(٦) تذكرة الحفاظ ٣: ٩٧٧.
(٧) حقق وطبع بعض أجزائه بتحقيق الدكتور محفوظ الرحمن.
(٨) الرسالة المستطرفة ١٤٨، مقدمة علل الترمذي بشرح ابن رجب ٢٠.
(٩) الرسالة المستطرفة ١١١، وتذكرة الحفاظ ٣: ١٠٤٣. (*)
[ ١ / ٤٣ ]
٥٠ - علة الحديث المسلسل في يوم العيد لابي محمد عبد الله بن يوسف الجرجاني (ت ٤٨٩) (١) .
٥١ - المعتل من الحديث لعبد الحق بن عبد الرحمن الاشبيلي (ت ٥٨٢) (٢) .
٥٢ - العلل المتناهية لابي الفرح عبد الرحمن بن علي الجوزي (ت سنة ٥٩٧) (٣) .
٥٣ - العلل لشمس الدين محمد بن أحمد بن عبد الهادي المقدسي (ت ٧٤٤) (٤) .
٥٤ - تلخيص العلل المتناهية للذهبي محمد بن أحمد بن عثمان (ت ٧٤٨) (٥) .
٥٥ - الزهر المطول في الخبر المعلول لابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢) (٦) .
٥٦ - شفاء الغلل في بيان العلل لابن حجر (٧) .
هذه بعض المؤلفات التي عثر عليها في موضوع علل الحديث ويوجد الكلام على علل الاحاديث في عامة كتب الرجال والتخريجات وشروح الحديث.
وهي في الحقيقة مأخوذة من هذه الكتب التي ألفت في هذا الشأن خاصة.
_________________
(١) مخطوطات الظاهرية الحديث للالياني ٢٤٦، نقلا عن مقدمة علل الدارقطني.
(٢) مقدمة علل الدارقطني.
(٣) مطبوع في إدارة العلوم الاشربة بفيصل آباد باكستان.
(٤) فتح المغيث ٢: ٣٣٤.
(٥) وقد حققه الاخ محفوظ الرحمن لنيل درجة الماجستير في الجامعة الاسلامية.
(٦) تدريب الراوي ١: ٢٥٨.
(٧) شذرات الذهب ٧: ٢٧٢. (*)
[ ١ / ٤٤ ]