قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَفِي الْقُصَّاصِ مَنْ يَسْمَعُ الْأَحَادِيثَ الْمَوْضُوعَةِ فَيَرْوِيهَا وَلَا يَعْلَمُ أَنَّهَا كَذِبٌ. فَيُؤْذِي بِهَا النَّاسَ. وَرُبَّمَا سَمِعَهَا مِنْ أَفْوَاهِ الْعَوَامِّ فَرَوَاهَا. وَرُبَّمَا سَمِعَ كَلَامَ الْحَسَنِ أَوْ سَرِيِّ السَّقَطِيِّ فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ. وَقَدْ صَنَّفَ مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ بِالنَّقْلِ كُتُبًا فِيهَا الْمَوْضُوعُ
وَالْمُحَالُ.
فَتَرَى الْقُصَّاصَ يُورِدُونَ مِنْهَا وَيَزِيدُونَ فِيهَا مَا يُوجِبُ تَحْسِينًا لَهَا. وَمِمَّنْ صَنَّفَ لَهُمْ / فِي هَذَا، الْحَارِثُ الْمُحَاسِبِيُّ، وَأَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ، وَأَبُو حَامِدٍ الطُّوسِيُّ. فَإِنَّهُمْ أَدْرَجُوا فِي كُتُبِهِمْ أَحَادِيثَ بَاطِلَةً وَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّهَا كذب.
[ ٣٠٩ ]
وصنف جمَاعَة من الْأَعَاجِم كتبا فِي الْوَعْظ ملؤوها بِالْأَحَادِيِثِ الْمُحَالَةِ وَالْمَعَانِي الْفَاسِدَةِ. وَفِي التَّفَاسِيرِ مِنْ هَذَا كَثِيرٌ قَدْ ذَكَرَ مِنْهُ أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ قِطْعَةً. فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي قِصَّةِ ذِي الْكِفْلِ حَدِيثَ الْكِفْلِ وَأَنَّهُ كَانَ لَا يَتَوَرَّعُ من مَعْصِيَةٍ، وَالْكِفْلُ رَجُلٌ مِنْ فُسَّاقِ بَنِي إِسْرَائِيلَ. فَأَضَافَ حَدِيثَهُ إِلَى نَبِيٍّ مُرْسَلٍ.
وَفِي التَّفَاسِيرِ أَن دَاوُد تدرق بأوريا حَتَّى قُتِلَ وَتَزَوَّجَ امْرَأَتَهُ، وَأَنَّ
[ ٣١٠ ]
يُوسُفَ حَلَّ تِكَّتَهُ فَلَاحَ لَهُ يَعْقُوبُ عَاضًّا عَلَى يَدِهِ فَانْتَهَى، وَأَنَّهُ جَرَى
[ ٣١١ ]
عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ: تِلْكَ الْغَرَانِيقُ الْعُلَى.
وَمِمَّا يَرْوِيهِ الْقُصَّاصُ صَلَاةً تُسَمَّى صَلَاةَ الْخَصْمَاءِ تُسْقِطُ الْمَظَالِمَ. فَيُغْرُونَ النَّاسَ بِالظُّلْمِ وَأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ. وَمَا أَحَدٌ إِلَّا وَسَهَّلَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْرِقَ وَيُصَلِّي / رَكْعَتَيْنِ يُسْقِطُ بِهِمَا مَا فَعَلَ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَقَدْ ذَكَرْتُ مِنْ هَذَا كَثِيرًا فِي كِتَابِ الْمَوْضُوعَاتِ.
وَقَدِمَ إِلَى بَغْدَادَ أَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَرِيمِيُّ فِي سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِ مِائَةٍ فَوَعَظَ. فَأَتَى بِمُحَالَاتٍ قَبِيحَةٍ. فَكَانَ مِمَّا قَالَ: تزوج النَّبِي امْرَأَةً. فَرَأَى بِكُشْحِهَا بَيَاضًا فَرَدَّهَا. فَهَبَطَ جِبْرِيلُ فَقَالَ: الْعَلِيُّ الْأَعْلَى يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ لَكَ: بِنَقْدَةٍ وَاحِدَةٍ مِنَ الْعَيْبِ تَرُدُّ عَقْدَ النِّكَاحِ وَنَحْنُ بِعُيُوبٍ كَثِيرَةٍ لَا نَفْسَخُ عَقْدَ الْإِيمَانِ مَعَ أُمَّتِكَ. لَكَ نِسْوَةٌ تُمْسِكُهُنَّ لِأَجْلِكَ، أَمْسِكْ هَذِهِ لِأَجْلِي. وَهَذَا مِنْ أَفْحَشِ الْكَذِبِ وأقبح
[ ٣١٢ ]
الْمُحَالِ ﴿فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمَّا رَدَّ تِلْكَ الْمَرْأَةَ لَمْ يُعَاتَبْ، وَلَا جَاءَ جِبْرِيلُ، وَلَا جَرَى مِنْ هَذَا شَيْءٌ. وَالْعَجَبُ كَيْفَ يَجْرِي هَذَا بِبَغْدَادَ وَهِيَ دَارُ الْعِلْمِ؟﴾
وَقَدِمَ إِلَى بَغْدَادَ أَحْمَدُ الْغَزَالِيُّ فَوَعَظَ، وَنَفَقَ. وَكُتِبَ كَلَامُهُ فَنَظَرْتُ فِيمَا كُتِبَ عَنْهُ وَقَدْ كَتَبَ عَلَى الْجُزْءِ / بِخَطِّهِ: هَذَا كَلَامِي. فَكَانَ فِيهِ مِنَ الْعَجَائِبِ أَنَّهُ الْتَقَى إِبْلِيسُ بِمُوسَى فِي عَقَبَةِ الطُّورِ فَقَالَ: يَا إِبْلِيسُ ﴿لِم لَمْ تَسْجُدْ لِآدَمَ؟ قَالَ: كَلَّا مَا كُنْتُ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ. يَا مُوسَى﴾ ادَّعَيْتَ التَّوْحِيدَ وَأَنَا مُوَحِّدٌ. لَمْ أَلْتَفِتْ إِلَى غَيْرِهِ وَقُلْتَ أَنْتَ: أَرِنِي ﴿فَنَظَرْتَ إِلَى الْجَبَلِ. أَنَا أَصْدَقُ مِنْكَ فِي التَّوْحِيدِ. قَالَ: اسْجُدْ لِلْغَيْرِ. مَا سَجَدْتُ وَأَنْتَ الْتَفَتَّ قَالَ الْغَزَالِيُّ: مَنْ لَمْ يَتَعَلَّمِ التَّوْحِيدَ مِنْ إِبْلِيسَ فَهُوَ زِنْدِيقٌ﴾ قَالَ لَهُ مُوسَى: قَدْ غَيَّرْتَ لِبْسَتَكَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَى الشَّيْطَنَةِ. فَقَالَ: ذَلِكَ حَالٌ يَحُولُ وَسَيَتَغَيَّرُ يَا مُوسَى! كُلَّمَا ازْدَادَ مَحَبَّةً لِغَيْرِي ازْدَدْتُ عِشْقًا لَهُ. فَقَالَ لَهُ:
[ ٣١٣ ]
تَذَكُرُهُ؟ قَالَ: أَنَا مَذْكُورُ ذِكْرِهِ (وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي) . أَلَيْسَ أَقَامَ فِي لَعْنَتِي كَافًا، وَيَاءً؟
وَقَالَ: لَمَّا طُرِدَ إِبْلِيسُ مَا نَقَصَ مِنْ خَدْمَتِهِ، وَلَا مَحَبَّتِهِ، وَلَا ذِكْرِهِ، شَيْئًا.
وَمِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا قِيلَ لِمُوسَى (لَنْ تَرَانِي) قَالَ: هَذَا شَأْنُكَ. تَصْطَفِي آدَمَ ثُمَّ تُسَوِّدُ وَجْهَهُ وَتُخْرِجُهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَتَدْعُونِي / إِلَى الطُّورِ ثُمَّ تُشْمِتُ بِيَ الْأَعْدَاءَ ﴿هَذَا فَعِلُكَ بِالْأَحِبَّاءِ، فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِالِأَعْدَاءِ؟
قَالَ: وَجَاءَ إِسْرَافِيلُ بِمَفَاتِيحِ الْكُنُوزِ إِلَى مُحَمَّدٍ وَجِبْرِيلُ عِنْدَهُ، فَاصْفَرَّ وَجْهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ مُحَمَّدٌ: إِنَّ اللَّهَ مُنْذُ خَلَقَ الدُّنْيَا مَا نَظَرَ إِلَيْهَا. يُرْسِلُ إِلَيَّ مَفَاتِيحَهَا؟ مَاذَا أصنع بهَا؟ إِن كَانَ وَلَا بُد فَمَفَاتِيحُ نَفْسِ صُهَيْبٍ وَأُوَيْسٍ﴾ يَا إِسْرَافِيلُ ﴿هَذِهِ الْمَفَاتِيحُ تُنْقِصُه شَيْئًا؟ قَالَ: لَا﴾ فَقَالَ: مَا لَا يَنْقُصُ الْوَاهِبَ مَا أُرِيدُهُ.
وَقَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! أَجِبْ رَبِّكَ. فَمَا رَأَى
[ ٣١٤ ]
فِيهِ اهْتِزَازًا. فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ ﴿مُوسَى اهْتَزَّ لسيره إِلَى الطُّورِ وَأَنْتَ مَا تَهْتَزُّ لِلْمِعْرَاجِ؟ فَقَالَ: أَظَلُّ عِنْدَ رَبِّي.
وَقَدِ اجْتَمَعَتِ الْمَلَائِكَةُ لَمَّا رُفِعَ عِيسَى قَعَدَ وَخَرَقَ مُرَقَّعَتَهُ ثَلَاثَ مِائَةِ خِرْقَةٍ. فَقَالُوا: يَا رَبَّنَا﴾ مَا سَاوَى عِيسَى قَمِيصًا صَحِيحًا؟ قَالَ: لَا ﴿الدُّنْيَا مَا سَوَّيْتُ أَنْ تَكُونَ لَهُ. فَفَتِّشُوا جُبَّتَهُ، فَوَجَدُوا إِبْرَةً. فَقَالَ: وَعِزَّتِي﴾ لَوْلَا الْإِبْرَةُ / لَرَفَعْتُهُ إِلَى حَظِيرَةِ قُدْسِي. وَمَا ارْتَضَيْتُ لَهُ السَّمَاءَ الرَّابِعَةَ، إِنَّمَا حُجِبَ بِإِبْرَةٍ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: قُلْتُ: لَقَدْ عَجِبْتُ مِنْ مِثْلِ هَذَا الْمُحَالِ الْبَارِدِ وَالْكَذِبِ الشَّنِيعِ. كَيْفَ كَانَ يَجْرِي بِمَدِينَةِ السَّلَامِ وَسُكِتَ عَنْهُ؟ وَلَوْ ذُكِرَ هَذَا فِي قَرْيَةٍ لَأُنْكِرَ، وَالْعَجَبُ التَّعَصُّبُ لِإِبْلِيسَ أَنَّهُ مُوَحِّدٌ بِقَوْلِهِ (وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي) وَادِّعَاءُ أَنَّهُ كَثِيرُ الْعِبَادَةِ. وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ لَا شُغْلَ لَهُ إِلَّا الصَّدُّ عَنِ الْخَيْرِ وَالْأَمْرُ بِالْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي.
١٧٠ - أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ الْمَقْدِسِيِّ قَالَ: كَانَ أَحْمَدُ الْغَزَالِيُّ آيَةً مِنْ آيَاتِ اللَّهِ فِي الْكَذِبِ يَتَوَصَّلُ إِلَى الدُّنْيَا بِالْوَعْظِ.
سَمِعْتُهُ يَوْمًا بِهَمَذَانَ يَقُولُ: رَأَيْتُ إِبْلِيسَ فِي وَسْطِ هَذَا الرِّبَاطِ سَجَدَ لِي. فَقُلْتُ: وَيْحَكَ ﴿إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَمَرَهُ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ فَأَبَى. فَقَالَ: وَاللَّهِ﴾ لَقَدْ سَجَدَ لِي أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً.
فَعَلِمْتُ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ إِلَى دِينٍ وَمُعْتَقَدٍ.
[ ٣١٥ ]
وَكَانَ يزْعم أَنه يرى رَسُول الله فِي يَقَظَتِهِ / لَا فِي نَوْمِهِ. وَكَانَ يَذْكُرُ فِي وَعْظِهِ أَنَّهُ كُلَّمَا أَشْكَلَ عَلَيْهِ أَمْرٌ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ الْمُشْكِلِ. قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَوْمًا يَحْكِي حِكَايَةً عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ. فَلَمَّا نَزَلَ سَأَلْتُهُ عَنْهَا، فَقَالَ: أَنَا وَضَعتهَا فِي الْوَقْت.
وَله من هَذِه الْجَهَالَاتِ وَالْحَمَاقَاتِ مَا لَا يُحْصَى.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَكَانَ عِنْدَنَا وَاعِظٌ يُقَالُ [لَهُ] مَسْعُودٌ الدِّمَشْقِيُّ. فَحَضَرْتُ عِنْدَهُ يَوْمًا فِي حَالِ صَبْوَتِي فَسَمِعْتُهُ يَقُول: أول قرشي أسلم الْعَبَّاس. وَقَالَ: لَمَّا جِيءَ رَسُولُ اللَّهِ بِصُورَةِ عَائِشَةَ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَدْخُلُ الدُّرُوبَ وَالسِّكَكَ لِيَرَى تِلْكَ الصُّورَةَ فَلَا يَرَى. وَبَعَثَ أَبُو بَكْرٍ يَوْمًا عَائِشَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ بِطَبَقٍ فِيهِ رُطَبٌ لِيَرَاهَا رَسُولُ اللَّهِ. فَيَتَزَوَّجُهَا، فَقَالَ النَّبِي: مَا أَجْوَدَ هَذَا الرُّطَبَ ﴿فَقَالَتْ: هَذَا مِنْ بُسْتَان لنا وَلكنه متاخم لِلْمُنَافِقين. وَإِنَّمَا قَالَت: هَذَا مِنْ بُسْتَانٍ لَنَا وَلَكِنَّهُ مُتَاخِمٌ لِلْمُنَافِقِينَ، لِتَعْلَمَهُ وَتُقَرِّرَ عِنْدَهُ أَنَّهُمْ / سَيَتَكَلَّمُونَ فِيَّ. فَلَمَّا تَزَوَّجَهَا وَقُذِفَتْ قَالَ لَهَا: الْحَقِي بِأَهْلِكِ فَمَضَتْ إِلَى بَيْتِ أَبِيهَا، فَقَالَ لَهَا: إِذَا لَمْ يُرِدْكِ الرَّسُولُ، فَاخْرُجِي عَنِّي﴾ فَقَالَتْ: أَيْنَ أَذْهَبُ؟ فَمَضَتْ إِلَى بَيْتِ أُمِّهَا، فَقَالَتْ: إِذَا لَمْ يُرِدْكِ الرَّسُولُ، فَاخْرُجِي عَنِّي ﴿فَقَالَتْ: أَيْنَ أَذْهَبُ؟ فَقَالَت: اذْهَبِي إِلَى بَيْتِ خَالَتِكِ أُمِّ مِسْطَحٍ﴾ فَذَهَبَتْ.
[ ٣١٦ ]
قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَمَا زَالَ يَذْكُرُ مِنْ هَذَا الْفَنِّ مِنَ الْكَذِبِ الْبَارِدِ حَتَّى بَهَتُّ أَنَا مَنْ سَمَاعِ ذَلِكَ.
وَقَدِمَ أَبُو الْفُتُوحِ الْإِسْفَرَايِينِيُّ فَوَعَظَ بِبَغْدَادَ، فَرَوَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: " أَصْبَحْتُ ضَالًّا بَيْنَ الضُّلَّالِ وَأَعْمَى بَيْنَ الْعُمْيَانِ " فَأُحْضِرَ الدِّيوَانَ وَأَحْضَرُوا الْفُقَهَاءَ فَقَالَ ابْنُ سَلْمَانَ، مُدَرِّسُ النِّظَامِيَّةِ: لَوْ قَالَ هَذَا الشَّافِعِيُّ مَا قَبِلْنَاهُ فَمُنِعَ مِنَ الْجُلُوسِ.
وَقَدِمَ عَلَيْنَا صِهْرٌ الْعَبَّادِيُّ فَوَعَظَ. وَصَنَّفَ كِتَابًا فَحَمَلَهُ إِلَيَّ وَقَدْ ذَكَرَ فِيهِ أَنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ دَخَلَا عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَهُوَ مَشْغُولٌ. / ثُمَّ انْتَبَهَ لَهُمَا فَقَامَ فَقَبَّلَهُمَا وَوَهَبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَلْفًا. فَرَجَعَا، فَأَخْبَرَا أَبَاهُمَا، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: " عُمَرُ نُورُ الْإِسْلَامِ فِي الدُّنْيَا
[ ٣١٧ ]
وَسِرَاجُ أَهْلِ الْجَنَّهِ فِي الْجَنَّةِ ". فَرَجَعَا إِلَى عُمَرَ فَحَدَّثَاهُ. فَاسْتَدْعَى دَوَاةً وَقِرْطَاسًا وَكَتَبَ: حَدَّثَنِي سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ عَنْ أَبِيهِمَا، عَنْ رَسُول الله أَنَّهُ قَالَ كَذَا وَكَذَا. فَأَوْصَى أَنْ يُجْعَلَ فِي كَفَنِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ. فَأَصْبَحُوا وَإِذَا الْقِرْطَاسُ عَلَى الْقَبْرِ، وَفِيهِ: صَدَقَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ وَصَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَإِذَا كَانَ الْقُصَّاصُ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ فَكَيْفَ لَا يُذَمُّونَ؟ .
قَالَ: وَقَدِمَ عَلَيْنَا أَبُو الْخَيْرِ الْقَزْوِينِيُّ فَوَعَظَ بِبَغْدَادَ. فَكَانَ يَرْوِي مَا يَجِدُ مِنَ الْأَحَادِيثِ. فَإِذَا سُئِلْتُ عَنِ الْحَدِيثِ الْمُحَالِ الَّذِي يَرْوِيهِ بَيَّنْتُهُ، فَعَاتَبَنِي عَلَى هَذَا. فَقُلْتُ: هَذِهِ أَمَانَةٌ لَا يَحِلُّ لِي كَتْمُهَا.
وَهَذَا فَنٌّ يَطُولُ وَأَكْثَرُ أَسْبَابِهِ / أَنَّهُ قَدْ تَعَانَى بِهَذَهِ الصَّنَاعَةِ جُهَّالٌ بِالنَّقْلِ، يَقُولُونَ مَا وَجَدُوهُ مَكْتُوبًا وَلَا يَعْلَمُونَ الصِّدْقَ مِنَ الْكَذِبِ. وَفِيهِمْ كَذَّابُونَ يَضَعُونَ الْأَحَادِيثَ عَلَى مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ. فَهُمْ يَبِيعُونَ عَلَى سُوقِ الْوَقْتِ. وَاتُّفِقَ أَنَّهُمْ يُخَاطِبُونَ الْجُهَّالَ مِنَ الْعَوَامِّ الَّذِينَ هُمْ فِي عِدَادِ الْبَهَائِمِ. فَلَا يُنْكِرُونَ مَا يَقُولُونَ وَيَخْرُجُونَ، فَيَقُولُونَ: قَالَ الْعَالِمُ؛ فَالْعَالِمُ عِنْدَ الْعَوَامِّ مَنْ صَعَدَ الْمِنْبَرَ.
[ ٣١٨ ]
١٧١ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر أَحْمد بن عَليّ بن ثَابت قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَرِيرِيُّ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ كَاسٍ النَّخَعِيَّ حَدَّثَهُمْ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ الْبَخْتَرِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: حَدَّثَنِي حَجَرُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْحَضْرَمِيُّ قَالَ: كَانَ فِي مَسْجِدٍ قَاصٌّ يُقَالُ لَهُ زُرْعَةُ / فَأَرَادَتْ أُمُّ أَبِي حَنِيفَةَ أَنْ تَسْتَفْتِي فِي شَيْءٍ فَأَفْتَاهَا أَبُو حَنِيفَةَ، فَلَمْ تقبل. وَقَالَت: لَا أقبل إِلَّا مَا يَقُول زُرْعَةُ الْقَاصُّ ﴿فَجَاءَ بِهَا أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى زُرْعَةَ فَقَالَ: هَذِهِ أُمِّي، تَسْتَفْتِيكَ فِي كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ: أَنْتَ أَعْلَمُ مِنِّي وَأَفْقَهُ. فَأَفْتِهَا أَنْتَ﴾ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: قَدْ أَفْتَيْتُهَا بِكَذَا وَكَذَا. فَقَالَ زُرْعَةُ: الْقَوْلُ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، فَرَضِيَتْ وَانْصَرَفَتْ.
١٧٢ - أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ أَحْمَدَ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ: أخبرنَا أَحْمد بن عَليّ بن ثَابت قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ النِّعَالِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَرَجِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الْأَصْبَهَانِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ [قَالَ حَدَّثَنَا] ابْنُ مهرويه قَالَ: حَدثنِي أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُثْمَانُ الْوَرَّاقُ قَالَ: رَأَيْتُ الْعُتَّابِيَّ يَأْكُلُ خُبْزًا عَلَى الطَّرِيقِ بِبَابِ الشَّامِ، فَقُلْتُ لَهُ: وَيْحَكَ! أَمَا تَسْتَحِي؟ فَقَالَ لِي: أَرَأَيْتَ لَوْ
[ ٣١٩ ]
كُنَّا فِي دَارٍ فِيهَا بَقَرٌ أَكُنْتَ تَحْتَشِمُ أَنْ تَأْكُلَ / وَهِيَ تَرَاكَ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: لَا. قَالَ: فَاصْبِرْ حَتَّى أُعْلِمَكَ أَنَّهُمْ بَقَرٌ ﴿فَقَامَ فَوَعَظَ وَقَصَّ حَتَّى كَثُرَ الزِّحَامُ عَلَيْهِ. ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: رُوِيَ لَنَا مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَن مَنْ بَلَغَ لِسَانُهُ أَرْنَبَةَ أَنْفِهِ لَمْ يَدْخِلِ النَّارَ. قَالَ: فَمَا بَقِيَ مُنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا أخرج لِسَانه يومىء بِهِ نَحْوَ أَرْنَبَتِهِ وَيُقَدِّرُهُ هَلْ يَبْلُغُهَا. فَلَمَّا تَفَرَّقُوا قَالَ لِي الْعُتَّابِيُّ: أَلَمْ أُخْبِرْكَ أَنَّهُمْ بَقَرٌ؟ .
١٧٣ - أَنْبَأَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ السَّمَرْقَنْدِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي الْفَضْلِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمْزَة بن يُوسُف قَالَ: أخبرنَا أَبُو أَحْمد بْنُ عَدِيٍّ قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ الْحَسَنِ الْكَرْخِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ إِسْحَاقَ بْنَ حُسَيْنٍ يَقُولُ: كَانَ يُجَالِسُنَا رَجُلٌ حَمَّالٌ فَفَقَدْنَاهُ. فَلَقِيتُهُ فَقُلْتُ: يَا أَبَا جَعْفَرٍ﴾ مَا لِي لَيْسَ أَرَاكَ عِنْدَنَا؟ قَالَ: حَذَّرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مِنْكُمْ - يَعْنِي غُلَامَ خَلِيلٍ - قُلْتُ: يَا أَبَا جَعْفَرٍ ﴿النَّبِيُّ ابْنُ مَنْ؟ قَالَ: ابْنُهُ ﵎﴾ قُلْتُ: أَكْثَرَ اللَّهُ فِي أَصْحَابِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مِثْلَكَ! .
قَالَ: وَسَجَدَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَالَ فِي سُجُودِهِ: سَجَدَ وَجْهِي لِمَاصِّ بَظَرِ أُمِّهِ.
قَالَ الْكَرْخِيُّ: وَسَمِعْتُ / الْحُسَيْنَ الْكَرَابِيسِيَّ يَقُولُ: كَانَ هَاهُنَا
[ ٣٢٠ ]
بِبَغْدَادَ قَاصٌّ يُقَالُ لَهُ أَبُو مَرْحُومٍ الْحَجَّامُ. كَانَ يَكُونُ فِي مَسْجِدٍ وَيَجْتَمِعُ النَّاسُ إِلَيْهِ. فَقَالَ يَوْمًا: سَلُونِي عَنِ التَّفْسِيرِ وَتَفْسِيرِ التَّفْسِيرِ ﴿فَقَامَ رَجُلٌ وَرَاءَ الدَّرَابِزِينِ فَقَالَ: يَا أَبَا مَرْحُومٍ﴾ فَقَالَ: طَعْنَةٌ يَا ابْنَ الْفَاعِلَةِ ﴿فَقَالَ لَهُ: رَجُلٌ دَعَا لَكَ ثُمَّ تَقُولُ لَهُ مِثْلَ هَذِهِ الْمَقَالَةِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاء الحجرات أَكْثَرهم لَا يعْقلُونَ) قَالَ: مَاذَا تَقُولُ فِي الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ؟ قَالَ: الْمُحَاقَلَةِ حَلْقُ الثِّيَابِ عِنْدَ السِّمْسَارِ، وَالْمُزَابَنَةِ أَنْ تُسَمِيَ أَخَاكَ الْمُسْلِمَ زُبُونًا.
قَالَ الْكَرَابِيسِيُّ: وَأَنَا قَاعِدٌ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى بَابِ دَارِي مَرَّ بِي شَيْخٌ مَحْلُوقُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ مَعَهُ زِنْبِيلٌ فِيهِ خِيَارٌ أَصْفَرُ. فَقُلْتُ: يَا شَيْخُ﴾ لِمَ
[ ٣٢١ ]
حَلَقْتَ رَأْسَكَ وَلِحْيَتَكَ؟ قَالَ: حُكْمُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لَهُ: أيش من حكم الْكتاب السّنة؟ قَالَ: قَالَ لَنَا أَبُو مَرْحُومٍ: إِنَّ هَذَا الشَّعْرَ نَبْتٌ عَلَى الضَّلَالَةِ / فَاحْلِقُوهَا عَلَى الطَّاعَةِ ﴿قَالَ: فَحَمَلَ النَّاسَ عَلَى أَنْ حَلَقُوا لِحَاهُمْ.