فصل
ومنها: الأحاديث التي ذُكر فيها الخَضر وحياته، كلها كذب ولا يَصح في حياته حديثٌ واحدٌ.
كحديث: "أن رسول الله ﷺ كان في المسجد فسمع كلامًا من ورائه فذهبوا ينظرون فإذا هو الخَضر" (^١).
وحديث: "يَلتقي الخَضر وإلياس كل عام" (^٢).
وحديث: "يجتمع بعرفة جبريل وميكائيل والخَضر … " (^٣) الحديث مفترى طويل.
سُئل إبراهيم الحرْبي عن تَعمير الخَضر، وأنه باق؟ فقال: من أحال على غائب لم يُنتصف منه، وما ألقى هذا بين الناس إلا شيطان (^٤).
وسئل البخاري عن الخَضر، وإلياس هل هما أحياء؟ فقال: كيف يكون هذا، وقد قال النبي ﷺ: "لا يَبقى على رأس مِئة سنة ممن هو اليوم
_________________
(١) رواه ابن عدي في الكامل (٦/ ٢٠٨٣)، ومن طريقه ابن الجوزي في الموضوعات (١/ ٣٠٨ - ٣٠٩)، والبيهقي في دلائل النبوة كما في اللآلئ المصنوعة (ص ١٦٥)، وانظر: تنزيه الشريعة (١/ ٢٣٣).
(٢) رواه ابن عدي في الكامل (٢/ ٧٤٠)، وقال: "منكر"، والعقيلي في الضعفاء (١/ ٢٢٥)، وابن الجوزي في الموضوعات (١/ ٣١١). وانظر: اللآلئ المصنوعة (١/ ١٦٦)، تنزيه الشريعة (١/ ٢٣٤).
(٣) رواه ابن الجوزي في الموضوعات (١/ ٣١٢)، وانظر: اللآلئ المصنوعة (١/ ١٦٧)، تنزيه الشريعة (١/ ٢٣٥).
(٤) حكاه عن إبراهيم ابن المنادي في كتابه الذي جمعه في الخضر كما في الإصابة (٢/ ٣٠٠ - ٣٠١).
[ ٦٣ ]
على ظهر الأرض أحدٌ" (^١).
وسُئل عن ذلك غيره من الأئمة؛ فقرأ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء: ٣٤].
وسُئل عنه شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: لو كان الخَضر حيًّا لوجب عليه أن يأتي النبي ﷺ، ويجاهد بين يديه ويتعلّم منه، وقد قال النبي ﷺ يوم بدر: "اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تُعبد في الأرض" (^٢). وكانوا ثلاث مئة وثلاثة عشر رجلًا معروفين بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم، فأين كان الخَضر حينئذ؟ (^٣)
قال أبو الفرج بن الجوزي (^٤): والدليل على أن الخَضر ليس بباقٍ في الدنيا أربعة أشياء: القرآن، والسنة، وإجماع المحققين من العلماء، والمعقول.
أما القرآن فقوله تعالى: (﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] فلو دام البقاء كان خالدًا.
وأما السنّة فذكر حديث: "أرأيتكم ليلتكم هذه فإن على رأس مئة سنة لا يَبقى على ظهر الأرض ممّن هو اليوم أحدٌ" متفق
_________________
(١) أورده عن البخاري ابن حجر في الإصابة (٢/ ٣٥١)، والحديث رواه البخاري (١١٦) ومسلم (٦٤٢٦).
(٢) رواه مسلم (٤٥٦٣).
(٣) انظر مجموع الفتاوى (٢٧/ ١٠٠).
(٤) لعل هذا النقل الطويل عن ابن الجوزي، في كتابه: عجالة المنتظر في شرح حال الخضر، وانظر: الموضوعات (١/ ٣١٤ - ٣١٥)، البداية والنهاية (١/ ٣٣٠)، وانظر: الإصابة لابن حجر (٢/ ٢٩٩).
[ ٦٤ ]
عليه (^١).
وفي "صحِيح مسلم" عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ قبل موته بقليل: "ما مِن نفس منفوسة يأتي عليها مئة سنة وهي يومئذ حَيّة" (^٢).
ثم ذَكر (^٣) عن البخاري، وعلي بن موسى الرِّضا، أن الخَضر مات، وأنّ البخاري سُئل عن حياته، فقال: كيف يكون ذلك، وقد قال النبي ﷺ: "أرأيتكم ليلتكم هذه فإن على رأس مئة سنة لا يَبقى ممّن على ظهر الأرض أحدٌ" (^٤).
قال: وممّن قال إن الخَضر مات: إبراهيم بن إسحاق الحربي، وأبو الحسين بن المُنادي، وهما إمامان. وكان ابن المُنادي يُقبّح قول من يقول: إنّه حَيٌّ.
وحَكى القاضي أبو يَعلى مَوته عن بعض أصحاب أحمد، وذَكر عن بَعض أهل العلم أنه احتجّ بأنّه لو كان حيًّا لوجَب عليه أن يأتي إلى النبي ﷺ.
قال أحمد: ثنا سُريج بن النُّعمان، ثنا هُشيم، أنا مُجالد، عن الشَّعبي، عن جابر بن عبد الله ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: "والذي نَفسي بِيده لو أنّ موسى كان حيًّا ما وَسِعه إلا أن
_________________
(١) رواه البخاري (١١٦)، ومسلم (٦٤٢٦).
(٢) رواه مسلم (٦٤٢٨).
(٣) أي: ابن الجوزي.
(٤) هذا النقل عن علي بن موسى والبخاري أورده عنهما النقاش في تفسيره كما في الإصابة (٢/ ٢٩٨)، ولا زال الكلام لابن الجوزي، والحديث تقدم تخريجه.
[ ٦٥ ]
يَتّبعني" (^١).
فكيف يكون حيًّا ولا يُصلي مع رسول الله ﷺ الجُمعة والجَماعة ويُجاهد معه، ألا ترى أنّ عيسى ﵇ إذا نزل إلى الأرض يُصلي خَلف إمام هذه الأمة ولا يَتقدم؛ لئلا يكون ذلك خَدشًا في نُبوة نبينا ﷺ.
قال أبو الفرج: وما أَبعد فَهم من يُثبت وجود الخَضر ويَنسى ما في طَي إثباته من الإعراض عن هذه الشريعة.
أما الدليل من المعقول فمن تسعة أوجه:
أحدها: أن الذي أثبت حياته يقول: إنه وَلد آدم لصُلبه، وهذا فاسد لوجهين:
أحدهما: أن يكون عُمره الآن ستة آلاف سنة فيما ذُكر في [كتب بعض] (^٢) المؤرخين، ومثل هذا بعيد في العادات أن يقع في حق بشر.
والثاني: أنه لو كان وَلده لصُلبه، أو الرابع من وَلد وَلده كما زعموا، كان وَزير ذِي القَرنين، فإن تلك الخِلقة ليست على خِلقتنا، بل مُفرط في الطول والعرض.
وفي "الصحيحين" من حديث أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "خَلق الله آدم طوله ستون ذراعًا، فلم يزل الخلق يَنقص بَعد" (^٣).
_________________
(١) المسند (٣/ ٣٣٨، ٣٨٧)، وفي إسناده مجالد بن سعيد، فال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٧٤): "ضعفه أحمد، ويحيى بن سعيد وغيرهما".
(٢) في الأصل: "كتاب يوحنّي"، والتصويب من نسخة المعلمي.
(٣) رواه البخاري (٣٣٢٦)، ومسلم (٧٠٩٢).
[ ٦٦ ]
وما ذَكر أحد ممّن رأى الخَضر أنه رآه على خِلقة عظيمة، وهو من أقدم الناس.
الوجه الثاني: أنه لو كان الخَضر قبل نُوح لركب معه في السفينة، ولم يَنقل هذا أحد.
الوجه الثالث: أنه قد اتّفق العلماء أن نوحًا لما نَزل [من] (^١) السفينة [مات] (^٢) من كان معه، ثم مات نسلُهم، ولم يَبق غير نَسل نوح، والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧)﴾ [الصافات: ٧٧]، وهذا يُبطل قول من قال إنه كان قبل نوح.
الوجه الرابع: أن هذا لو كان صحيحًا أن بَشرًا من بني آدم يَعيش من حين يُولد إلى آخر الدهر، ومولده قبل نوح، لكان هذا من أعظم الآيات والعجائب، وكان خبره في القرآن مَذكورًا في غير موضع؛ لأنه من أعظم آيات الربوبية، وقد ذكر الله ﷾ من استحياه ألف سنة إلا خمسين عامًا، وجعله آية، فكيف بمن أحياه إلى آخر الدهر، ولهذا قال بعض أهل العلم: ما أَلقى هذا بين الناس إلا شيطان (^٣).
الوجه الخامس: أن القول بحياة الخَضر قول على الله بلا علم، وذلك حرام بنص القرآن.
أما المقدمة الثانية فظاهرة.
وأما الأولى: فإن حَياته لو كانت ثابتة لَدلّ عليها القرآن، أو السنة،
_________________
(١) في الأصل: "في"، والتصويب من نسخة المعلمي.
(٢) في الأصل: "فمات"، والتصويب من نسخة المعلمي.
(٣) تقدم عزوه (ص ٦٤)، ولا يزال الكلام لابن الجوزي.
[ ٦٧ ]
أو إجماع الأمة.
فهذا كتاب الله تعالى فأين فيه حياة الخَضر، وهذه سُنة رسول الله ﷺ فأين فيها ما يَدل على ذلك بِوجه، وهؤلاء عُلماء الأمة هل أجمعوا على حياته؟
الوجه السادس: أنّ غَاية ما يَتمسك به من ذَهَب إلى حياته حِكايات مَنقولة، يُخبر الرجل بها أنّه رأى الخَضر، فيالله العَجب، هل لِلخَضر عَلامة يَعرفه بها من رَآه؟ وكثير من هؤلاء يَغترّ بقوله: أنا الخَضر، ومعلوم أنه لا يجوز تصديق قائل ذلك بلا بُرهان من الله، فأين للرائي أن المُخبر له صادق لا يكذب.
الوجه السابع: أن الخَضر فارق موسى بن عمران كَليم الرحمن، ولم يُصاحبه، وقال: ﴿هَذَا فِرَاقٌ بَيْنِى وَبيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨] فكيف يَرضى لِنفسه بمُفارقته لمثل موسى، ثم يَجتمع بجهلة العُبّاد الخارجين عن الشريعة، الذين لا يحضرون جُمعة ولا جماعة ولا مجلس علم، ولا يعرفون من الشريعة شيئًا، وكل منهم يقول: قال لي الخَضر، وجاءني الخَضر، وأوصاني الخَضر. فيا عَجبًا له يُفارق كَليم الله تعالى، ويدور على صُحْبة الجهال، ومن لا يعرف كيف يتوضأ، ولا كيف يصلي؟!.
الوجه الثامن: أن الأمة مُجمعة على أن الذي يقول: أنا الخَضر، لو قال: سَمعت رسول الله ﷺ يقول كذا وكذا، لم يُلتفت إلى قوله، ولم يُحتجّ به في الدين، إلا أن يُقال: إنه لم يأتِ إلى رسول الله ﷺ ولا بايعه، أو يَقول هذا الجاهل: إنه لم يُرسل إليه، وفي هذا من الكفر ما فيه.
[ ٦٨ ]
"الوجه التاسع": أنه لو كان حيًّا لكان جِهاده الكفار، ورِباطه في سبيل الله، ومُقامه في الصفّ ساعة، وحُضور الجمعة والجماعة، وتعليم العلم: أفضل له بكثير، من سِياحته بين الوحُوش في القِفار، والفَلوات، وهل هذا إلا من أعظم الطّعن عليه، والعَيب له.
[ ٦٩ ]