فهذا الحديث قد رُوي عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ وهو حديث لم يُروَ في "الصحيحين" ولا في "الكتب الستة" ولكن رواه:
_________________
(١) سيأتي تخريج المؤلف له (ص ٤).
(٢) سيأتي تخريجه (ص ١٧).
(٣) سيأتي تخريجه (ص ٢١).
(٤) سيأتي تخريجه (ص ٢٣).
[ ٣ ]
الإمام أحمد، وابن خُزيمة، والحاكم في "صحيحيهما"، والبزار في "مُسنده" (^١).
وقال البيهَقي: إسناده غير قوي (^٢).
وذلك أن مَداره على محمد بن إسحاق، عن الزُّهري، ولم يُصرّح بسماعه منه، بل قال: ذَكر الزُّهري، عن عُروة، عن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: قال رسول الله ﷺ: "فَضل الصلاة التي يستاك لها على الصلاة التي لا يستاك لها سَبعين ضِعفًا".
هكذا رواه الإمام أحمد، وابن خُزيمة في "صحيحه"، إلا أنه قال: إن صَحّ الخبر. قال: وإنما استثنيتُ صِحّة هذا الخبر لأني خائفٌ أن يكون محمد بن إسحاق لم يَسمع الحديث من الزُّهري، وإنما دَلّسه عنه (^٣).
وقد قال عبد الله بن أحمد: قال أبي: إذا قال ابن إسحاق: وذَكر فلان فلم يَسمَعه (^٤).
_________________
(١) رواه أحمد في المسند (٦/ ٢٧٢)، وابن خزيمة في صحيحه (١/ ٧١)، والحاكم في المستدرك (١/ ١٤٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٣٨)، والبزار في مسنده كما في كشف الأستار (٥٠٢)، وسيأتي كلام ابن خزيمة، والحاكم، والبيهقي في هذا الحديث كما أورده المؤلف عنهم، وقد حكم ببطلانه يحيى بن معين، كما نقله عنه ابن عبد البر في التمهيد (٧/ ٢٠٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٩٨): "رواه أحمد، والبزار، وأبو يعلى، وقد صححه الحاكم"، وانظر: المقاصد الحسنة (ص ٤٢٣)، الأسرار المرفوعة (ص ٢٣٧)، الفوائد المجموعة (ص ١١)، السلسلة الضعيفة (١٥٠٣).
(٢) السنن الكبرى (١/ ٣٨).
(٣) صحيح ابن خزيمة (١/ ٧١).
(٤) كلام أحمد في الواقدي شديد حتى إنه كذبه كما تراه في: تهذيب التهذيب (٣/ ٦٥٧).
[ ٤ ]
وقد أخرجه الحاكم في "صحيحه"، وقال: هو صحيح على شرط مسلم (^١).
ولم يَصنع الحاكم شيئًا، فإن مُسلمًا لم يَرو في كتابه بهذا الإسناد حديثًا واحدًا، ولا احتج بابن إسحاق، وإنما أخرج له في المتابعات والشواهد (^٢)، وأما أن يكون ذِكر ابن إسحاق، عِن الزُّهري، من شَرط مُسلم فلا، وهذا وأمثاله هو الذي شان كتابه ووَضعه، وجَعل تصحيحه دُون تحسين غيره (^٣).
قال البَيهقي: هذا الحديث أَحد ما يُخاف أن يكون من تَدليسات محمد بن إسحاق، وأنه لم يَسمعه من الزُّهري (^٤).
ورواه البَيهقي من طَريق مُعاوية بن يحيى [الصّدَفي] (^٥) عن الزُّهري. ومعاوية هذا ليس بقوي (^٦).
وقال في "شُعب الإيمان": تَفرّد به معاوية بن يحيى، ويقال: إنّ ابن
_________________
(١) المستدرك (١/ ١٤٦).
(٢) قال الذهبي في ميزان الاعتدال (٣/ ٤٧٥): "وقد استشهد مسلم بخمسة أحاديث لابن إسحاق، ذكرها في صحيحه".
(٣) انظر الكلام على مستدرك الحاكم في: علوم الحديث لابن الصلاح (ص ٢١ - ٢٢)، تذكرة الحفاظ (ص ١٠٤٢، ١٠٤٥)، سير أعلام النبلاء (١٧/ ١٧٥ - ١٧٦)، الفروسية للمؤلف (٢٤٥)، نصب الراية (١/ ٣٤١ - ٣٤٢)، رسالة الدكتور محمود الميرة: "الحاكم وكتابه المستدرك".
(٤) السنن الكبرى (١/ ٣٨).
(٥) في الأصل: "الصيرفي"، والتصويب من كتب الرجال، ونسخة المعلمي.
(٦) السنن الكبرى (١/ ٣٨) وهو من هذا الوجه عند أبي يعلى في مسنده (٤٧٣٨).
[ ٥ ]
إسحاق أخذه منه (^١).
قال: ويُروى نحوه عن عُروة، وعن عَمرة، عن عائشة، وكلاهما ضعيف (^٢).
ورواه من حديث الواقدي، قال: حدثنا عبد الله بن أبي يحيى الأسلمي، عن أبي الأسود، عن عُروة، عن عائشة رضي الله تعالى عنها، عن النبي ﷺ، قال: "الرّكعتان بعد السّواك أحبّ إلى الله من سَبعين رَكعة قبل السّواك" (^٣). ولكنّ الواقدي لا يُحتجّ به (^٤).
ورواه من حديث حمّاد بن قِيراط، ثنا فَرج بن فَضالة، عن عُروة بن رُويم، عن عَمرة، عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ: "صلاة بسواك، خَير من سَبعين صلاة بغير سِواك" (^٥). وهذا الإسناد غير قوي.
فهذا حال هذا الحديث، وإن ثَبت فله وَجه حَسن، وهو: أن الصلاة بالسواك سُنّة، والسواك مَرضاة الربّ.
وقد أكد النبي ﷺ شأنه، وقال: "لولا أن أشقّ على أمتي لأمرتهم
_________________
(١) شعب الإيمان، بعد الحديث رقم (٢٧٧٤)، والقائل إن ابن إسحاق أخذه منه هو: أبو زرعة الرازي، ومحمد بن يحيى الذهلي، كما في مقدمة الجرح والتعديل (ص ٣٣٠).
(٢) القائل هو: البيهقي، وقوله هذا في السنن الكبرى (١/ ٣٨).
(٣) السنن الكبرى (١/ ٣٨).
(٤) الواقدي هو: محمد بن عمر بن واقد الأسلمي مولاهم الواقدي المدني القاضي، روى له ابن ماجه، وهو متروك مع سعة علمه. تقريب التهذيب (ص ٨٨٢).
(٥) السنن الكبرى (١/ ٣٨).
[ ٦ ]
بالسواك عند كل صلاة" (^١).
وأخبر أنه: "مَطهرة للفَم، مَرضاة للربّ" (^٢).
وقال ﷺ: "أكثرتُ عليكم في السّواك". رواه البخاري (^٣).
وفي "مُسند أحمد" عن [التّميمي] (^٤) قال: سألتُ ابن عباس عن السواك؟ فقال: "ما زَال النبي ﷺ يأمرُنا به حتى خَشينا أن ينزل عليه فيه" (^٥).
وفي لفظ: "لقد أُمرتُ بالسواك حتى خشيتُ أن يَنزل عليّ به وحي" (^٦).
وقال ابن عباس: قال رسول الله ﷺ: "ما لي أراكم تأتوني قُلحًا (^٧)، لولا أن أشقّ على أُمّتي لفرضتُ عليهم السواك، كما قد فُرض عليهم
_________________
(١) رواه البخاري (٨٨٧)، ومسلم (٥٨٨).
(٢) رواه البخاري معلقًا من حديث عائشة، كتاب الصيام، باب سواك الرطب واليابس للصائم، والنسائي في السنن (٥)، وأحمد في المسند (١/ ٣)، (٦/ ٤٧، ٦٢، ١٢٤، ١٤٦، ٢٣٨)، وصححه ابن الملقن كما في البدر المنير (٣/ ٦٨).
(٣) في صحيحه (٨٨٨).
(٤) في الأصل: "التيمي"، والتصويب من مصادره، ونسخة المعلمي.
(٥) رواه أحمد في المسند (١/ ٢٣٧، ٢٨٥، ٣٠٧، ٣١٥، ٣٣٧، ٣٤٠)، وقال الشيخ أحمد شاكر: "إسناده صحيح". المسند (٣١٥٢).
(٦) رواه أحمد في المسند (١/ ٣١٥، ٣٣٧)، وقال الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح. المسند (٢٨٩٥، ٣١٢٢، ٣١٥٢).
(٧) القلح: صفرة تعلو الأسنان، القاموس المحيط (١/ ٢٤٤).
[ ٧ ]
الوضوء" (^١).
وقال: "عَشرٌ من الفِطرة: قَصّ الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك … " (^٢) الحديث، فجعل السواك من الفطرة.
وقال عبد الله بن حَنظلة بن أبي عامر: "إن رسول الله ﷺ أمر بالوضوء عند كل صلاة طاهرًا أو غير طاهر، فلما شق عليهم ذلك أمرنا بالسواك" (^٣).
وقال: "إن العبدَ إذا قام يُصلي أتاه المَلَك فقام خَلفه يسمع القرآن، ويَدنو إلى فيه، فلا تقرأ آية إلا كانت في جَوف المَلَك" (^٤).
وكان النبي ﷺ -من رَغبته في السّواك- يَستاك إذا قام من نَوم اللّيل (^٥)، واذا دَخل بَيته (^٦)، وإذا صَلّى (^٧)، واستاك عندَ مَوته وهو في
_________________
(١) رواه أحمد في المسند (١/ ٢١٤ - ٣/ ٤٤٢)، وإسناده ليس بقوي كما قاله النووي في المجموع (١/ ٣٢٥).
(٢) رواه مسلم (٦٠٣)، وأبو داود (٥٣)، والترمذي (٢٧٥٧)، والنسائي (٥٠٥٥)، وابن ماجه (٢٩٣)، وأحمد في المسند (٦/ ١٣٧).
(٣) رواه أبو داود (٤٨)، وأحمد في المسند (٥/ ٢٢٥)، وعندهما: "فلما شق ذلك عليه أمر بالسواك"، والحديث في سنده اختلاف كما في جامع التحصيل ص (٢٠٩).
(٤) رواه البزار في مسنده (٦٠٣)، وقال المنذري في الترغيب والترهيب (١/ ١٤٠): "إسناده جيد لا بأس به، وروى ابن ماجه بعضه موقوفًا ولعله أشبه". وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٩٩): "رواه البزار ورجاله ثقات".
(٥) رواه البخاري (٢٤٥، ٨٨٩)، ومسلم (٥٩٣، ٥٩٤).
(٦) رواه مسلم (٥٨٩)، وأبو داود (٥١)، والنسائي (٨)، وابن ماجه (٢٩٠).
(٧) رواه مسلم (٥٩٢) ولفظه: "كان رسول الله ﷺ إذا قام ليتهجد يشوص فاه =
[ ٨ ]
السياق (^١).
وقال سُفيان: عن [ابن] (^٢) إسحاق، عن أبي جعفر، عن جابر، قال: "كان السّواك من أُذن النبي ﷺ مَوضع القَلَم من الكاتب" (^٣).
وفي "سُنن النّسائي" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: "كان رَسول الله ﷺ يُصلي رَكعتين، ثمّ يَنصرف فيستاك" (^٤) وهذا في صَلاة الليل.
ولما بات عند خَالته مَيمونة: "فقام فتوضأ وصلي رَكعتين، ثم رَكعتين، ثم رَكعتين -الحديث- وكان يَستاك لكل رَكعتين" (^٥).
وفي "جامع الترمذي" عن أبي سَلمة قال: "كان زَيد بن خالد
_________________
(١) = بالسواك".
(٢) رواه البخاري (٨٩٠، ١٣٨٩، ٣١٠٠، ٣٧٧٤، ٤٤٣٨، ٤٤٤٦، ٤٤٤٩، ٤٤٥٠، ٤٤٥١، ٥٢١٧، ٦٥١٠).
(٣) في الأصل: "أبي"، والصواب ما أثبته.
(٤) رواه ابن عدي في الكامل (٧/ ٢٣٦)، والخطيب في "التاريخ" (١٢/ ١٠١)، والطبراني كما في التلخيص الحبير (١/ ٨١)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٣٧) وقال: "يحيى بن يمان ليس بالقوي عندهم، ويشبه أن يكون وهم". وسئل عنه أبو زرعة كما في العلل لابن أبي حاتم (١/ ٥٥) فقال: "وهم فيه يحيى بن يمان إنما هو عند ابن إسحاق عن أبي سلمة، عن زيد بن خالد من فِعله".
(٥) رواه النسائي في سننه الكبرى (١٣٤٣)، وابن ماجه (٢٨٨)، والحاكم في المستدرك (١/ ١٤٥) وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه". ولم يتعقبه الذهبي بشيء.
(٦) رواه مسلم (٥٩٥).
[ ٩ ]
الجُهني يَشهد الصلوات في المسجد، وسِواكه على أُذنه مَوضع القَلَم من أُذن الكاتب، لا يَقوم إلى الصلاة إلا استنّ به" (^١). وهو حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وفي "المُوطّأ" عن ابن شِهاب، عن أبي السياق، أن رسول الله ﷺ قال: "عليكم بالسّواك" (^٢).
وقد رَوى أبو [نُعيم] (^٣) من حديث عبد الله بن عُمر، ورَافع بن خَديج، قالا: قال رسول الله ﷺ: "السّواك واجب، وغُسل الجُمُعة واجبٌ على كل مُسلم" (^٤).
ويشهد لهذا الحديث ما رواه مُسلم في "صحيحه" من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، أن رسول الله ﷺ، قال: "غُسل يوم الجُمعة على كل محتلم، وسواكٌ و[يمسُّ] من الطّيب ما قدر عليه" (^٥).
وإذا كان هذا شأن السّواك وفَضله، وحُصول رِضى الربّ به، وإكثار
_________________
(١) رواه الترمذي (٢٣)، وأبو داود (٤٣)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥٣١٦).
(٢) رواه مالك في الموطأ (١٤١) مرسلًا، فإن ابن السباق تابعي ثقة، ورواه ابن ماجه في سننه (١٠٩٨) عن ابن السباق عن ابن عباس وقال البيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٢٤٣): "هذا هو الصحيح مرسل وقد روي موصولًا ولا يصح وصله".
(٣) في الأصل: "نصير"، والصواب ما أثبته.
(٤) رواه أبو نعيم في كتاب السواك كما في الإمام لابن دقيق العيد (١/ ٣٥٢)، وابن مندة كما في الإصابة (٤/ ١٩١)، وقال ابن حجر: إسناده واهٍ، التلخيص الحبير (١/ ٧٦)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣٣٦٣).
(٥) رواه البخاري (٨٨٠)، ومسلم (١٩٥٧). ووقع في الأصل "وشيء".
[ ١٠ ]
النبي ﷺ على الأمّة فيه، ومبالغته فيه حتى عِند وفاته وقَبْض نَفْسه الكريمة ﷺ، لم يمتنع أن يكون الصلاة التي استاك لها أحب إلى الله من سبعين صلاة.
وإذا كان ثواب السبعين أكثر، فلا يَلزم من كَثرة الثواب: أن يكون العمل الأكثر ثوابًا أحبّ إلى الله تعالى من العمل الذي هو أقل منه، بل قد يكون العمل الأقل أحب إلى الله تعالى، وإن كان الكثير أكثر ثوابًا.
وهذا كما في [المسند] (^١) عنه ﷺ أنه قال: "دَم عَفراء أحب إلى الله من دَم سوداوين". يَعني في الأضحية.
وكذلك كان ذَبح الشاة الواحدة يوم النَّحر أحب إلى الله من الصدقة بأضعاف أضعاف ثمنها، وإن كَثُر ثواب الصّدَقة.
وكذلك قِراءة سُورة بتدبّر ومَعرفة وتَفهُّم، وجَمع القلب عليها، أحب إلى الله تعالى من قِراءة خَتمة سَردًا وهذًّا، وإن كثر ثواب هذه القراءة.
وكذلك صلاة ركعتين يُقبل العبد فيهما على الله تعالى بقَلبه وجَوارحه، ويُفرّغ قَلبه كلّه لله تعالى فيهما، أحب إلى الله تعالى من مِئتي ركعة خَالية عن ذلك، وإن كَثُر ثوابها عددًا.
ومن هذا: "سَبق دِرهم [مائة ألف] (^٢) دِرهم" (^٣).
_________________
(١) في الأصل: "السنن"، والحديث ليس في السنن، وإنما هو في مسند الإمام أحمد (٢/ ٤١٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ١٨): "وفيه أبو ثفال، قال البخاري: فيه نظر".
(٢) في الأصل: "ثمانية آلاف"، والتصويب من مصادره.
(٣) رواه النسائي في سننه (٢٥٢٦)، وابن خزيمة في صحيحه (٢٤٤٣)، وابن حبان كما في الإحسان (٣٣٤٧)، والحاكم في المستدرك (١/ ٤١٦)، وقال: =
[ ١١ ]
ولهذا قال الصحابة ﵃: "إنّ اقتصادًا في سَبيل وسُنّة، خَير من اجتهاد في خِلاف سَبيل وسُنّة" (^١).
فالعمل اليسير الموافق لمرضاة الربّ وسُنّة رسوله: أحب إلى الله تعالى من العمل الكثير، إذا خلا عن ذلك، أو عن بعضه.
ولهذا قال الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢].
وقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧)﴾ [الكهف: ٧].
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧].
فهو ﷾ إنما خَلق السموات والأرض، والموت والحياة، وزَيّن الأرض بما عليها ليَبْلُوَ عِباده أيهم أحسن عملًا، لا أكثر عملًا.
و"الأحسن" هو: الأخلص والأصوب، وهو الموافق لمرضاته ومحبته، دُون الأكثر الخالي من ذلك، فهو ﷾ يُحب أن يُتعبّد له بالأرضى له، وإن كان قليلًا، دون الأكثر الذي لا يُرضيه، والأكثر الذي غيره أَرضى له منه.
ولهذا يكون العمَلان في الصورة واحدًا، وبينهما في الفضل -
_________________
(١) = "صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه"، ولم يتعقبه الذهبي بشيء.
(٢) انظر: الزهد للإمام أحمد ص (١٩٦)، شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (١/ ٥٤).
[ ١٢ ]
بل بين قليل أحدهما، وكثير الآخر في الفضل - أعظم ممّا بين السماء والأرض.
وهذا الفضل يكون بحَسب رِضا الربّ سبحانه بالعمل، وقَبوله له، ومَحبته له، وفَرحه به ﷾؛ كما يَفرح بتوبة التائب أعظم فرح، ولا ريب أن تلك التوبة الصادقة أفضل وأحبّ إلى الله تعالى من أعمالٍ كثيرةٍ من التّطوعات، وإن زادت في الكثرة على التوبة.
ولهذا كان القبول يَختلف ويَتفاوت بحسب رِضا الرب سبحانه بالعمل:
فقَبولٌ يُوجب رِضا الله ﷾ بالعمل، ومباهاة الملائكة، وتَقريب عبده منه.
وقَبولٌ يَترتب عليه كثرة الثواب والعطاء فقط.
كمن تَصدق بألف دِينار من جُملة ماله -مثلًا- بحيث لم يَكترث بها، والألف لم تَنقصه نَقصًا يتأثر به، بل هي في بَيته بمنزلة حَصى لَقيه في دَاره أخرج منها هذا المقدار، إمّا ليتَخلّص من هَمّه وحفظه، وإما ليجازى عليه بمثله، أو غير ذلك.
وآخر عنده رَغيف واحد هو قُوته، لا يَملِك غيره، فآثر به على نَفسه مَن هو أحوج إليه منه، مَحبةً لله، وتقربًا إليه وتَوددًا، ورَغبةً في مَرضاته، وإيثارًا على نفسه.
فيا لله كم بُعد ما بين الصدقتين في الفضل، ومحبة الله وقبوله ورضاه، وقد قَبِل سبحانه هذه وهذه، لكنّ قَبول الرِّضا والمحبّة والاعتداد والمباهاة شيء، وقَبول الثواب والجزاء شيء.
وأنتَ تجدُ هذا في الشاهد في: مَلِك تُهْدَى إليه هدية صَغيرة المقدار
[ ١٣ ]
لكنه يُحبّها ويَرضاها ويُظهرها لخواصّه وحَواشيه، ويُثني على مُهديها […] (^١) كهدية كثيرة العدَد والقدر جدًّا، لا تقع عنده مَوقعًا، ولكنْ لِكَرمه وجُوده لا يُضيع ثواب مُهديها، بل يُعطيه عليها أضعافها وأضعافَ أضعافها، فليس قبوله لهذه الهدية مثل قبول الأولى.
ولهذا قال ابن عُمر وغيره من الصحابة: "لو أعلم أنّ الله قَبل مِنّي سَجدة واحدة، لم يكن غائب أحب إلي من الموت" (^٢).
إنما يُريد به القبول الخاص، وإلا فقبول العطاء والجزاء حاصل لأكثر الأعمال.
والقَبول [ثلاثة] (^٣) أنواع: قَبول رِضًا ومَحبّة واعتداد ومُباهاة، وثَناء على العامل به بين الملأ الأعلى.
وقَبول جَزاء وثَواب، وإن لم يَقع مَوقع الأوّل.
وقبول إسقاط للعقاب فقط، وإن لم يترتب عليه ثواب وجزاء، كقبول صلاة من لم يُحْضِر قَلبَه في شيءٍ منها، فإنه ليس له من صلاته إلا ما عَقل منها، فإنها تُسقط الفرض، ولا يُثاب عليها.
وكذلك صَلاة الآبق، وصَلاة من أتى عرافًا [وصدّقه] (^٤)، فإن النصّ
_________________
(١) في الأصل مقدار كلمتين لم تتضح لي، وفي طبعة الشيخ محمد حامد الفقي ﵀ لهذا الكتاب: "ويُثني على مهديها في كلمات" فكأنه قرأها هكذا، ومن جاء بعد الشيخ ممن نشر هذا الكتاب أثبتها كما أثبتها الشيخ.
(٢) رواه ابن عساكر كما في الدر المنثور (٢/ ٣٠١)، آية المائدة (٢٧): ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧)﴾.
(٣) في الأصل: "يليه"، وهو تصحيف.
(٤) في الأصل: و"صدقته"، والصواب ما أثبته.
[ ١٤ ]
قد دلّ على أن صلاة هؤلاء [لا] (^١) تُقبل (^٢)، ومع هذا فلا يُؤمرون بالإعادة، لأنّ عَدم قَبول صلاتهم؛ إنما هو في عَدم حُصول الثواب، لا في سُقوطها من ذمّتهم.
والأعمال تَتفاضل بتفاضُل ما في القلوب من الإيمان والمحبة والتعظيم والإجلال، وقصد وجه المعبود وحده، دُون شيءٍ من الحظوظ سواه، حتى تكون صورة العمَلين واحدة، وبينهما في الفضل ما لا يُحصيه إلا الله تعالى.
وتَتفاضل أيضًا بتَجريد المتابعة، فبين العَمَلين من [الفضل] (^٣) بحسب ما يتفاضلان في المتابعة، فتتفاضل الأعمال بحسب تجريد الإخلاص والمتابعة، تفاضلًا لا يُحصيه إلا الله تعالى.
وينضاف هذا إلى كون أحد العَملين أحب إلى الله في نَفسه.
مثاله: الجهاد وبذل النّفس لله تعالى، هو من أحب الأعمال إلى الله تعالى، ويقترن به تَجريد الإخلاص والمتابعة، وكذلك الصلاة والعلم وقراءة القرآن، فإذا فَضُل العمل في نَفسه، وفَضُل قصد صاحبه وإخلاصه، وتَجرّدت مُتابعته: لم يمتنع أن يكون العمل الواحد أفضل من سبعين، بل وسبعمائة من نَوعه.
_________________
(١) ساقطة من الأصل، ولعله بسبب انتقال النظر، فقد كتبت الكلمة التي قبلها مع التي بعده هكذا: "هؤلاء تقبل".
(٢) يُشير إلى حديث: "إذا أبق العبد لم تقبل له صلاة" رواه مسلم (٢٢٧)، وحديث: "من أتى عرّافًا فسأله عن شيء لم تُقبل له صلاة أربعين ليلة" رواه مسلم (٥٧٨٢).
(٣) في الأصل: "الفضلات"، والصواب ما أثبته.
[ ١٥ ]
فتأمل هذا فإنه يُزيل عنك إشكالات كثيرة، ويُطلعك على سِرّ العمل والفضل، وأنّ الله ﷾ أحكم الحاكمين، يضع فضله مَواضعه، وهو أعلم بالشاكرين.
ولا تلتفت إلى ما يقول -من غَلُظ حِجابه من المتكلمين والمتكلفين-: إنه يجوز أن يكون العملان مُتَساويين من جميع الوجوه، لا تفاضل بينهما، ويُثيب الله على أحدهما أضعاف أضعاف ما يُثيب على الآخر، بل يجوز أن يُثيب على أحدهما دون الآخر، بل يجوز أن يُثيب على هذا، ويُعاقب على هذا، مع فَرض الاستواء من كل وَجه.
وهذا قَول من ليس له فِقْه في أسماء الربّ وصِفاته وأفعاله، ولا فِقْه في شَرعه وأمره، ولا فِقْه في أعمال القلوب وحقائق الإيمان بالله، وبالله التوفيق.
إذا عَرفت ذلك: فلا يمتنع أن تكون الصلاة التي أوقعها فاعلها على وَجه الكمال، حتى أتى بسواكها، الذي هو مَطهرة لمجاري آي القرآن وذِكر الله، ومَرضاة الرّب واتّباع السُّنّة، والحرص على حِفظ هذه الحرمة الواحدة، التي أكثر النفوس تُهملها ولا تلتفت إليها، حتى كأنها غير مَشروعة ولا مَحبوبة، لكن عندها (^١)، فحافظ عليها هذا المصلي وأتى بها توددًا وتحببًا إلى الله تعالى، واتباعًا لسنّة رسول الله ﷺ فلا يَبعد أن تكون صلاة هذا أحب إلى الله من سبعين صلاة تجرّدت عن ذلك، والله أعلم.
_________________
(١) كذا في الأصل: "ولا محبوبة لكن عندها"، وفي نسخة الشيخ الفقي ﵀ ومن نشر هذا الكتاب بعده: "ولا محبوبة، لكنّ المصلي اعتدّها"، والذي أثبته المعلمي ﵀ في نسخته: "ولا محبوبة لله فحافظ عليها هذا المصلي".
[ ١٦ ]