فصل
وسألتَ عن: "لا مَهدي إلا عيسى ابن مريم" (^١). فكيف يأتلف هذا مع أحاديث المهدي، وخروجه، وما وَجه الجمع بينهما؟ وهل في المهدي حديث، أم لا؟
فأما حديث: "لا مَهدي إلا عيسى ابن مريم" فرواه ابن ماجه في "سُننه" (^٢)، عن يونس بن عبد الأعلى، عن الشافعي، عن محمد بن خالد الجَنَدي، عن أبان بن صالح، عن الحسن، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ.
وهو مما تفرد به محمد بن خالد.
قال محمد بن [الحسين الآبري] (^٣) في كتاب "مناقب الشافعي": محمد بن خالد هذا غير معروفٍ عند أهل الصناعة من أهل العلم والنقل، وقد تواترت الأخبار عن رسول الله ﷺ بذكر المهدي، وأنه من أهل بيته (^٤).
_________________
(١) رواه ابن ماجه (٣٠٢)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٤٤١)، والخطيب في تاريخ بغداد (٤/ ٢٢١)، ومن طريقه ابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/ ٨٦٢)، ونقل عن النسائي أنه قال: "حديث منكر"، ورواه الجورقاني في الأباطيل (١/ ٣١٩)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (١/ ١٥٥)، وانظر: ميزان الاعتدال (٣/ ٥٣٥)، طبقات الشافعية الكبرى (١/ ٢٨٠)، قال الصغاني: "موضوع". الفوائد المجموعة (ص ٥١٠).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) في الأصل: "الحسن الأسنوي"، والتصويب من مصادر ترجمته، ونسخة المعلمي، وانظر: سير أعلام النبلاء: (١٦/ ٢٩٩).
(٤) وفي هذا مؤلفات منها: كتاب الشوكاني: "التوضيح في تواتر ما جاء في =
[ ١٤٠ ]
وقال البيهقي: تفرد به محمد بن خالد هذا.
وقد قال الحاكم أبو عبد الله: هو مجهولٌ، وقد اختلف عليه في إسناده فرُوي عنه عن أبان بن أبي عياش، عن الحسن، عن النبي ﷺ، قال: فرجع الحديث إلى رواية محمد بن خالد -وهو مجهول- عن أبان بن أبي عياش -وهو متروك- عن الحسن، عن النبي ﷺ، وهو منقطعٌ، والأحاديث على خروج المهدي أصح إسنادًا (^١).
قلت: كحديث ابن مسعود، عن النبي ﷺ: "لو لم يَبق من الدنيا إلا يوم، لطوّل الله ذلك اليوم، حتى يَبعث رجلًا مني، أو من أهل بيتي، يُواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قِسطًا وعَدلًا، كما مُلئت ظُلمًا وجَورًا". رواه أبو داود، والترمذي (^٢)، وقال: "حديث حسن صحيح"، قال: "وفي الباب عن علي، وأبي سعيد، وأمّ سَلمة، وأبي هريرة". ثم رَوى حديث أبي هريرة، وقال: "حسن صحيح" (^٣). انتهى.
وفي الباب عن حُذيفة بن اليمان، وأبي أُمامة الباهلي، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وثوبان، وأنس بن مالك، وجابر، وابن عباس، وغيرهم.
_________________
(١) = المهدي والدجال والمسيح"، وكتاب الكشميري: "التصريح بما تواتر في نزول المسيح" وهو مطبوع، وموسوعة أحاديث المهدي للدكتور عبد العليم البستوي.
(٢) المستدرك (٤/ ٤٤١)، العلل المتناهية (٢/ ٨٦٣).
(٣) رواه أبو داود (٤٢٨٢)، والترمذي (٢٢٣١)، وقال: "حسن صحيح"، وصححه المؤلف كما في (ص ١٤٧).
(٤) سنن الترمذي (٤/ ٤٣٨)، وحديث أبي هريرة فيه برقم (٢٢٣٣).
[ ١٤١ ]
وفي "سنن أبي داود"، عن علي، أنّه نَظر إلى ابنه الحسن، فقال: "إن ابني هذا سيدٌ، كما سَمّاه النبي ﷺ، وسيخرج من صُلبه رجل يُسمى باسم نبيكم، يُشبهه في الخُلُق، ولا يشبهه في الخَلْق، يملأُ الأرض عدلًا" (^١).
وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ: "المهدي مِنيّ، أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قِسطًا، وعدلًا، كما مُلئت جَورًا وظُلمًا، يملك سبع سنين" (^٢). رواه أبو داود بإسناد جيدٍ من حديث عِمران بن [دَاوَر] (^٣) القطان-[وهو] (^٤) حسن الحديث - عن قتادة، [عن أبي نَضْرة، عنه (^٥).
ورَوى الترمذي نحوه من وجه آخر، عن أبي الصِّدّيق النّاجي، عنه (^٦)] (^٧).
ورَوى أبو داود من حديث صالح بن أبي مريم [أبي] (^٨) الخليل، عن صاحب له، عن أم سَلمة، عن النبي ﷺ، قال: "يكون اختلاف عند مَوت
_________________
(١) رواه أبو داود (٤٢٩٠)، وانظر: ضعيف أبي داود (٩٢٤).
(٢) رواه أبو داود (٤٢٨٥). وقد حسنه الألباني في صحيح الجامع (٦٧٣٦).
(٣) في الأصل: "وارد"، والتصويب من مصادره، ونسخة المعلمي.
(٤) في الأصل: "وقال"، والتصويب من نسخة المعلمي.
(٥) انظر: التعليق الذي بعده.
(٦) في الأصل هكذا: "عن أبي الصديق الناجي عنه، وروى الترمذي نحوه من وجه واحد، والتصويب من سنن الترمذي (٢٢٣٢)، والمعنى: عن أبي الصديق عن أبي سعيد الخدري.
(٧) سنن الترمذي (٢٢٣٢)، وقال الترمذي: "حديث حسن".
(٨) في الأصل: "بن"، والتصويب من مصادره، ونسخة المعلمي.
[ ١٤٢ ]
خَليفة، فيخرج رَجل من أهل المدينة هاربًا إلى مكة، فيأتيه ناس من أهل مكة فيخرجونه، وهو كارهٌ، فيبايعونه بين الرُّكن والمقام، ويُبعث إليه جيش من الشام، فيَخسف بالبيداء، بين مكة والمدينة، فإذا رأى الناس ذلك أتاه أبدال الشام، وعصائب أهل العراق، فيبايعونه، ثم ينشأ رجلٌ من قريش، أخواله كَلب، فيبعث إليهم بعثًا، فيظهرون عليهم، وذلك بعث كلب، والخيبة لمن لم يشهد غَنيمة كلب، فيقسم المال، ويَعمل في الناس بسُنّة نبيهم، ويُلقى الإسلام بجرانة في الأرض، فيلبث سبع سنين، ثم يُتوفى، ويصلي عليه المسلمون" (^١).
وفي روايةٍ: "فيلبث تسع" (^٢).
ورواه الإمام أحمد باللفظين (^٣).
ورواه أبو داود من وجه آخر، عن قتادة، عن أبي الخليل، عن عبد الله بن الحارث، عن أم سلمة نحوه (^٤).
ورواه أبو يعلى المَوصِلي في "مسنده" من حديث قتادة عن صالح [أبي] (^٥) الخليل، عن صاحب له، وربما قال صالح: عن مجاهد، عن أم سلمة.
والحديث حسن، ومثله مما يجوز أن يقال فيه: صحيح.
_________________
(١) رواه أبو داود (٤٢٨٦)، وهو ضعيف كما في السلسلة الضعيفة (١٩٦٥).
(٢) رواه أبو داود في سننه (٤٢٨٦)، وهو كالذي قبله.
(٣) المسند (٣/ ١٧) (٦/ ٣١٦)، وهو ضعيف كالذي قبله.
(٤) رواه أبو داود في سننه (٤٢٨٨)، وهو ضعيف كما تقدم، وانظر: السلسلة الصحيحة (١٩٢٤).
(٥) في الأصل: "بن"، والصواب ما أثبته كما تقدم.
[ ١٤٣ ]
وقال ابن ماجه في "سننه": ثنا عثمان بن أبي [شيبة] (^١)، ثنا أبو داود [الحفري] (^٢)، ثنا ياسين، عن إبراهيم بن محمد بن الحنفية، عن أبيه، عن علي، قال: قال رسول الله ﷺ: "المهدي من أهل البيت يُصلحه الله في ليلة" (^٣).
وياسين (^٤)، وإن كان ضعيفًا فحديثه يصلح للاعتضاد، ولم يصلح للاعتماد.
وفي "سننه" من حديث ابن لَهيعة، عن أبي زُرعة عَمرو بن جابر الحضرَمي، عن عبد الله بن الحارث بن جَزء الزَّبيدي، قال: قال رسول الله ﷺ: "يخرج ناسٌ من أهل المشرق، فيوطئون للمهدي سلطانه" (^٥).
وذكر أبو نُعيم في "كتاب المهدي" (^٦) من حديث حُذيفة، قال: قال
_________________
(١) في الأصل: "لهيعة"، والتصويب من مصادره، ونسخة المعلمي.
(٢) في الأصل: "الجعبري"، والتصويب من مصادره، ونسخة المعلمي.
(٣) رواه أحمد في المسند (١/ ٨٤)، وابن ماجه في سننه (٤٠٨٥)، وهو صحيح كما في السلسلة الصحيحة (٢٣٧١).
(٤) هو ابن شيبان العجلي الكوفي، قال ابن حجر: "لا بأس به"، تقريب التهذيب (ص ١٠٤٧).
(٥) رواه ابن ماجه (٤٠٨٨) وفيه: " … فيوطئون للمهدي" يعني: سلطانه. والحديث ضعّف إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة (٣/ ٢٦٤).
(٦) لعل كتاب أبي نعيم هذا هو الذي لخصه السيوطي في رسالته: "العرف الوردي في أخبار المهدي" فقد قال في مقدمة رسالته هذه: "هذا جزء جمعت فيه الأحاديث والآثار الواردة في المهدي، لخصت فيه الأربعين التي جمعها الحافظ أبو نعيم، وزدت عليه ما فاته … " انظر: الحاوي للفتاوي (٢/ ٢١٣)، وجزم الشيخ أبو غدة رحمه الله تعالى في حاشية نسخته من هذا الكتاب (ص ١٤٦) بذلك.
[ ١٤٤ ]
رسول الله ﷺ: "لو لم يَبق من الدنيا إلا يومٌ واحدٌ، لبعث الله فيه رجلًا اسمه اسمي، وخُلُقه خُلُقي، يُكنى أبا عبد الله" (^١).
ولكن في إسناده العباس بن بكّار (^٢) لا يُحتج بحديثه، وقد تقدم هذا المتن من حديث [ابن] (^٣) مسعود، وأبي هريرة، وهما صحيحان.
وقد قالت أم سلمة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "المهدي من عِترتي، من ولد فاطمة" (^٤). رواه أبو داود، وابن ماجه، وفي إسناده زياد ابن بَيان، وثّقه ابن حبان (^٥)، وقال ابن مَعين: ليس به بأس (^٦). وقال البخاري: في إسناد حديثه نظر (^٧).
وقال أبو نعيم: ثنا خلف بن أحمد بن العباس الرَّامَهُرمُزي في "كتابه"، ثنا همّام بن أحمد بن أيوب، ثنا طالوت بن عَبّاد، ثنا سُويد بن إبراهيم، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة [بن] (^٨) عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: "ليبعثنّ الله من عِترتي رجلًا
_________________
(١) أورده عن أبي نعيم السيوطي في "العرف الوردي"، كما في الحاوي للفتاوي (٢/ ٢٢٠)، وقد ترجم الذهبي في الميزان (٢/ ٣٨٢) للعباس بن بكير، وقال: "ومن مصائبه"، وذكر حديث حذيفة هذا. وانظر (١٤٣).
(٢) هو: الضبي البصري، كذبه الدارقطني، انظر: ميزان الاعتدال (٢/ ٣٨٢).
(٣) في الأصل: "أبي"، والتصويب مما تقدم.
(٤) رواه أبو داود (٤٢٨٤)، وابن ماجه (٤٠٨٦)، وسنده جيد كما في السلسلة الضعيفة (١/ ١٠٨).
(٥) كتاب الثقات (٨/ ٢٤٨).
(٦) هذا قول النسائي فيه، كما في تهذيب الكمال (٩/ ٤٣٧).
(٧) التاريخ الكبير (٣/ ٣٤٦) وفيه: "في إسناده نظر".
(٨) في الأصل: "عن"، والتصويب من مصادره، ونسخة المعلمي.
[ ١٤٥ ]
أفرق الثنايا، أجلى الجبهة، يملأ الأرض عدلًا، يفيض المال" (^١).
ولكن طالوت، وشيخه ضعيفان (^٢). والحديث ذكرناه للشواهد.
وقال يحيى بن عبد الحميد الحِمّاني في "مسنده": ثنا قيس بن الربيع، عن أبي حُصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تقوم الساعة حتى يملك رجل من أهل بيتي يفتح القسطنطينية، وجبل الديلم، ولو لم يبق إلا يوم، طوّل الله ذلك اليوم حتى يفتحها".
يحيى بن عبد الحميد وثقه ابن معين وغيره (^٣)، وتكلم فيه أحمد (^٤).
وقال أبو نُعيم: ثنا أبو الفَرج الأصبهاني، ثنا أحمد بن الحسين، ثنا أبو جعفر بن طارق، عن [الخليل بن لطيف] (^٥)، عن أبي نَضْرة، عن أبي
_________________
(١) أورده عن أبي نعيم السيوطي في "العرف الوردي"، كما في الحاوي للفتاوي (٢/ ٢٢٠).
(٢) أما سويد بن إبراهيم العطار فقد ضعفه بعضهم كما تراه في ميزان الاعتدال (٢/ ٢٤٧)، وأما طالوت بن عباد الصيرفي فقد قال الذهبي في الميزان (٢/ ٣٣٤): "شيخ معمّر ليس به بأس، قال أبو حاتم: صدوق، وأما ابن الجوزي فقال من غير تثبت: ضعفه علماء النقل، قلت: إلى الساعة أفتش فما وقعت بأحد ضعفه".
(٣) تهذيب الكمال (٣١/ ٤٣١).
(٤) تهذيب الكمال (٣١/ ٤٢٧).
(٥) في الأصل: "الجليل بن نظيف"، والتصويب من موضح أوهام الجمع والتفريق للخطيب البغدادي (٢/ ٨٤)، والإكمال لابن ماكولا (٣/ ١٧٤)، ونسخة المعلمي.
[ ١٤٦ ]
سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ: "منا الذي يصلي عيسى ابن مريم خلفه فيقول: ألا إن بعضهم على بعضٍ أمراء، تَكْرِمة الله لهذه الأمة" (^١).
وهذا إسنادٌ لا تقوم به حجةٌ، لكن في "صحيح ابن حبان" من حديث عطية بن عامر نحوه (^٢).
وقال الحارث بن أبي أسامة في "مسنده": أنا إسماعيل بن عبد الكريم، حدثنا إبراهيم بن عَقيل، عن أبيه، عن وهب بن مُنبّه، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ: "ينزل عيسى ابن مريم، فيقول أميرهم المهدي: تعال صَلّ بنا، فيقول: لا، إن بعضهم أميرُ بعضٍ، تَكْرِمة الله هذه الأمة" (^٣).
وهذا إسنادٌ جيدٌ.
وقال الطبراني: ثنا محمد بن زكريا [الغلابي] (^٤)، ثنا العباس بن بكار، ثنا عبد الله بن زياد، عن الأعمش، عن زِرّ بن حُبيش، عن حُذيفة، قال: "خطبنا النبي ﷺ فذكر ما هو كائنٌ، ثم قال: لو لم يبق من الدنيا إلا
_________________
(١) أورده عن أبي نعيم السيوطي في "العرف الوردي" كما في الحاوي للفتاوي (٢/ ٢٢١ - ٢٢٢).
(٢) هو عند ابن حبان من حديث جابر بن عبد الله كما في الإحسان (٦٨١٩)، ولكن ليس فيه التصريح بأن الإمام هو المهدي، وحديث جابر هذا عند مسلم في صحيحه (٣٩٣).
(٣) انظر: التعليق على الذي قبله.
(٤) في الأصل: "الهلالي"، والتصويب من مصادره، ونسخة المعلمي.
[ ١٤٧ ]