فصل
ومنها: مخالفة الحديث صريح القرآن، كحديث: "مقدار الدنيا، وأنها سبعة آلاف سنة، ونحن في الألف السابعة" (^١).
وهذا من أبين الكذب؛ لأنه لو كان صحيحًا لكان كل أحد عالمًا أنه قد بقي للقيامة من وقتنا هذا مئتان وإحدى وخمسون سنة، والله تعالى يقول: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٨٧].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤].
وقال النبي ﷺ: "لا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله" (^٢).
وقد جاهر بالكذب بعض من يدعي في زماننا العلم، وهو يَتشبّع بما لم يُعط أن رسول الله ﷺ كان يعلم متى تقوم الساعة، قيل له: فقد قال في حديث جبريل: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل" (^٣) فحرّفه عن مواضعه، وقال: معناه أنا وأنت نعلمها.
وهذا من أعظم الجهل وأقبح التحريف، والنبي ﷺ أعلم بالله من أن يقول لمن كان يَظنه أعرابيًّا: أنا وأنت نعلم الساعة، إلا أن يقول هذا
_________________
(١) عزاه السيوطي للحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وابن عساكر، وابن عدي، والطبراني، والبيهقي في الدلائل، كما في الكشف عن مجاوزة هذه الأمة الألف، الحاوي للفتاوي (٢/ ٢٤٩ - ٢٥٠).
(٢) رواه البخاري (٤٦٩٧).
(٣) رواه مسلم (٩٣).
[ ٧٤ ]
الجاهل: إنه كان يَعرف أنه جبريل، فرسول الله ﷺ هو الصادق في قوله: "والذي نفسي بيده ما جاءني في صورة إلا عرفته غير هذه الصورة" (^١).
وفي اللفظ الآخر: "ما شُبّه عليّ غير هذه المرّة" (^٢).
وفي اللفظ الآخر: "رُدوا عليّ الأعرابي، فذهبوا فالتمسوا فلم يجدوا شيئًا" (^٣).
وإنما علم النبي ﷺ أنه جبريل بعد مُدّة، كما قال عُمر: فلبثتُ مَليًّا، فقال النبي ﷺ: "يا عُمر أتدري من السائل؟ " (^٤).
والمحرّف يقول: عَلمَ وقت السؤال أنه جبريل، ولم يُخبر الصحابة بذلك إلا بعد مُدّة.
ثم نَقول في الحديث: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل" (^٥) يَعمّ كل سائلٍ ومسؤولٍ، فكل سائلٍ ومسؤولٍ عن الساعة هذا شأنهما.
ولكنّ هؤلاء الغلاة عندهم أن عِلم (^٦) رسول الله ﷺ مُنطبق على عِلم الله سَواء بسواء، فكل ما يعلمه الله يعلمه رسول الله ﷺ.
والله تعالى يقول: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ
_________________
(١) رواه أحمد في المسند (١/ ٥٣).
(٢) رواه ابن خزيمة في صحيحه (١)، ومن طريقه ابن حبان كما في الإحسان وإسناده صحيح.
(٣) رواه البخاري (٥٠، ٤٧٧٧)، ومسلم (٩٧).
(٤) رواه مسلم (٩٣).
(٥) تقدم تخريجه.
(٦) في الأصل بعده: "أن"، ولا محل لها.
[ ٧٥ ]
الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠١] وهذا في براءة، وهو في أواخر براءة، وهو من أواخر ما نزل من القرآن، هذا والمنافقون جيرانه في المدينة.
ومن هذا حديث: "عِقد عائشة ﵂ لما أَرسل في طلبه فأثاروا الجمل [فوجدوه] (^١) " (^٢).
ومن هذا حديث: "تلقيح [النخل] (^٣)، وقال: ما أرى لو تركتموه يضره شيء، فتركوه فجاء شِيصًا، فقال: أنتم أعلم بدنياكم" (^٤).
وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ [الأنعام: ٥٠].
وقال: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ [الأعراف: ١٨٨].
ولمّا جَرى لأم المؤمنين عائشة ما جَرى، ورَماها أهل الإفك، لم يَكن يَعلم حقيقة الأمر، حتى جاءه الوحي من الله ببرائتها.
وعند هؤلاء الغلاة أنه كان يعلم الحال [إلا] (^٥) أنه بلا ريبة استشار الناس في فِراقها ودعا [الجارية] (^٦) فسألها، وهو يعلم الحال،
_________________
(١) ليس في الأصل: "فوجدوه"، وهو من نسخة المعلمي.
(٢) رواه البخاري (٤٧٥٠).
(٣) في الأصل "التمر"، والتصويب من مصادره ونسخة المعلمي.
(٤) رواه مسلم (١٨٣٦).
(٥) في الأصل "لا"، والتصويب من نسخة المعلمي.
(٦) في الأصل: "ريحانة"، والذي في صحيح البخاري (٤٧٥٠): "وأما علي بن أبي =
[ ٧٦ ]
وقال لها: "إن كنتِ أَلمَمتِ بذنب فاستغفري الله" (^١).
وهو يعلم علمًا يقينًا أنها لم تُلم بذنب، ولا رَيب أن الحامل لهؤلاء على هذا الغلو: اعتقادهم أنه يُكفر عنهم سيئاتهم، ويُدخلهم الجنة، [وأنهم] (^٢) كلما غلوا (^٣) كانوا أقرب إليه وأخص به، فهم أعصى الناس لأمره، وأكثرهم مخالفة لسنته، وأعظمهم غلوًّا فيه.
وهؤلاء فيهم شَبه ظاهر من النصارى، غَلَوا في المسيح أعظم الغلو، وخالفوا شرعه ودينه أعظم المخالفة.
والمقصود أن هؤلاء يُصدّقون بالأحاديث المكذوبة، ويُحرّفون الأحاديث الصحيحة.
_________________
(١) = طالب فقال: يا رسول الله … وإن تسأل الجارية تصدقك، … فدعا رسول الله ﷺ بريرة"، ولذا أثبت المعلمي في نسخته (فدعا الجارية)، وكذا أثبتُه وأرى أنه الصواب.
(٢) رواه البخاري (٤٧٥٠).
(٣) ليست في الأصل، وهي من نسخة المعلمي.
(٤) بعده في الأصل: "زادوا غلوًّا"، وليس لها محل.
[ ٧٧ ]