﷽
المقدمة
الحمد لله الذي أنزل السنة والقرآن، وحفظهما من الزيادة والنقصان، فقال وهو أصدق القائلين: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩].
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المؤيد بالمعجزات والبراهين، الذي قال: "تركتكم على مثل البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالكٌ".
وقال: "من حدث عني بحديث يُرَى أنه كذبٌ فليتبوأ مقعده من النار".
صلوات الله وسلامه عليه ما أظلم ليلٌ، وتجلّى نهار.
ورضي الله عن أصحابه البررة الأطهار، الذين اصطفاهم الله لصحبة نبيه، وتبليغ كتابه وسنة نبيه لمن بعدهم، في سائر الأقطار والأمصار.
ورحم الله التابعين، وأتباعهم، ومن سار على نهجهم، الذين بذلوا غاية الجهد في حفظ السنة، فكان منهم الجهابذة المؤلفون الجامعون لما بلغهم من الحديث والأثر، والحافظون للسنة والخبر، والناقدون المعدّلون والمجرحون للرواة والنقلة، الواضعون قواعد الرواية وشروط القبول والرد.
وبعد: فإن الحديث المنسوب إلى النبي ﷺ، وكذا آثار أصحابه، وأخبار التابعين، منها ما يصح، ومنها ما لا يصح، وكل ذلك قد حظيَ
[ ٥ ]
بما لم يحظَ به أي علمٍ من العلوم؛ حفظًا وجمعًا ودراسةً وتعليلًا ونقدًا وشرحًا في مؤلفاتٍ قد يعجز العادُّ عن حصرها، حتى أصبحت السنة بحمد الله صافيةً من كل شائبةٍ، عاريةً عن كل دخيلٍ، مُمَيزًا بين المقبول منها والمردود.
وإن من المصنفات التي خدمت الحديث النبوي: المؤلفات في الحديث الموضوع، وبيان واضعه، وسبب الوضع وبواعثه، وطرائق الكشف عن هذا الوضع، وهي كثيرة (^١) ومن أبرزها "كتاب الموضوعات من الأحاديث المرفوعات" (^٢) لأبي الفرج بن الجوزي، المتوفى سنة (٥٩٧) عليه رحمة الله.
ومن جاء بعد ابن الجوزي ممن كتب في الموضوعات، قد استفاد من كتابه هذا، وما أورده فيه غاية الإفادة، ومنهم العلامة ابن القيم ﵀، المتوفى سنة (٧٥١) مؤلف هذا الكتاب الذي بين أيدينا، فقد ذكر ابنَ الجوزي وكتابَه هذا في مواطن من كتابه كما في ص (٥٦، ٦٥، ٦٧، ٧٤، ٨٥، ١٣١) حتى إن من يتأمل كتاب ابن القيم هذا جيدًا يجد أنه قد اعتمد اعتمادًا كبيرًا على كتاب ابن الجوزي آنف الذكر، بل ربما عُدّ أحد مختصراته لكن مع تفننٍ في هذا الاختصار، غير مسبوق بمثله، وإنني أعدّ جواب ابن القيم عن السؤال الثاني في هذا الكتاب الذي تكلم فيه عن الحديث الموضوع وضوابطه وكلياته، أعده ضبطًا وتقعيدًا لكتاب ابن
_________________
(١) انظر عن التأليف في الموضوعات: مقدمة د. نور الدين شكري محقق كتاب الموضوعات لابن الجوزي (١/ ٩٤ - ١٠٢).
(٢) انظر عن هذا الكتاب وما أُلِّف حوله: مقدمة المحقق السابق ذكره لكتاب ابن الجوزي (١/ ١٠٣ - ١٢٤).
[ ٦ ]
الجوزي، كما سيتضح فيما بعد في "موضوع الكتاب، ومنهج مؤلفه في تأليفه".
ولا أريد هنا أن أستبق الكلام عن كتابنا هذا "المنار المنيف"، فسأمهد إن شاء الله ﵎ بنُبذٍ مختصرة تُعرّف القارئ بهذا الكتاب، وقد جعلت هذا التمهيد في مباحث موجزة هي:
- اسم الكتاب.
- نسبة الكتاب لمؤلفه.
- تاريخ تأليف الكتاب.
- التعريف بالكتاب.
- تحقيق الكتاب.
أسأل الله ﵎ أن ينفع بهذا الكتاب، وأن يجعل العمل فيه خالصًا لوجهه الكريم، وأن يرزقني التوفيق والسداد، وأن يغفر لي الخطأ والزلل، وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ وآله وصحبه أجمعين.
[ ٧ ]