إن من يُطالع ترجمة هذا الإمام يجد الإعجاب البالغ، والتطلّع الشديد من أهل العلم في سائر الأقطار لمؤلفات هذا الإمام، والاستئناس بأقواله، بل والاستشهاد بها، وما ذاك إلا لميزات وخصائص انفردت بها، وسمات بارزة تحلّتْ بها.
[ ١٧ ]
وهذه الخصائص ترسم لنا المنهج الأصيل الذي اختطه الإمام ابن القيم في سائر مؤلفاته، ولست بصدد عرض هذه الخصائص جملةً (^١).
ومن خلال تأمل هذا الكتاب الذي بين أيدينا يمكن لنا أن نبرز أهم الجوانب في منهج ابن القيم في هذا الكتاب على النحو الآتي:
- اعتماد المؤلف ﵀ فيما يكتب ويناقش على كتاب الله ﵎، وسنة نبيه ﷺ، مبتعدًا عن الرأي المجرد الذي ليس له عاضدٌ سوى الذوق والهوى، ومستبعَد الأقيسة، وفاسد التأويل، فنجده يناقش السؤال الأول بطريقةٍ علميةٍ موضوعيةٍ، يستخرج أحاديث الباب، وينقل كلام أئمة الجرح والتعديل في الرجال، ويعزو الأقوال إلى أهلها، ويناقش الأحاديث تصحيحًا وتضعيفًا، ويصل إلى نتيجةٍ يمليها عليه البحث والتأمل.
وحينما تكلم عن آخر سؤال جمع مادة الباب، وناقشها بكل إنصاف، وذكر أقوال الطوائف في "المهدي"، وخلص في نهاية المطاف إلى تقسيمٍ بديعٍ فيما يتعلق بـ "مهدي" أهل السنة، والرافضة، واليهود، والنصارى، في كل ذلك معتمدًا كما تقدم على الحديث والأثر.
- السعة والشمول، والاستطراد المناسب المفيد: مما يميّز كتابات هذا الإمام، وذلك ظاهرٌ في هذا الكتاب، فقد استوعب في أجوبته على هذه الأسئلة الثلاثة التي وُجهت إليه، حتى أصبح كل جوابٍ منها يُشكل بحثًا مستقلًّا، وفي ثنايا هذه الأجوبة يذكر فوائد علمية تعتبر في غير
_________________
(١) انظر: "ابن القيم الجوزية حياته، آثاره، موارده" للعلامة بكر أبو زيد، فقد عرض منهج ابن القيم في البحث والتأليف. ص (٨٥ - ١٢٨).
[ ١٨ ]
مظانها عند الباحثين، لكن هذا شأن العالم الموسوعي الذي يخرج في جوابه من فنٍّ إلى آخر.
ومن ذلك أن عرض للكلام عن تفاضل الأعمال، وأن العمل اليسير قد يكون أحب إلى الله، وإن كان العمل الكثير أكثر ثوابًا، في دقائق في هذا الباب في ثنايا الجواب عن السؤال الأول.
وفي جوابه لآخر سؤال عن المهدي المنتظر، فصّل القول، واستطرد (^١) في ذكر من ادعى أنه المهدي المنتظر، وفصّل القول في مهدي ومنتظر الرافضة، وكذا اليهود والنصارى، في جواب لم يكن داخلًا ضمن السؤال، ولهذا قالوا: رُبَّ جوابٍ يكون أفضل وأعظم من السؤال، ورُبَّ سؤالٍ أثار علمًا لم يكن الوصول إليه في الحسبان.
- هذا الكتاب وإن عُدّ في كتب الموضوعات، إلا أنني أرى أن هذا العدّ يصحّ على سبيل التجوز، وإلا فإن المؤلف لم يُؤلف هذا الكتاب لسرد الحديث الموضوع فحسب، وإنما هو -كما يُلاحظ- أجوبةٌ عن ثلاثة أسئلة كما تقدم، لكن المؤلف لما تطرق للجواب عن الموضوع ومعرفته أراد أن يُؤسس ما هو أعظم من سرد الموضوع بحسب السؤال، فأورد في جوابه تلك القواعد والضوابط لمعرفة الموضوع، وكليات هذا الباب، فجوابه هذا يُعتبر تأصيلًا، ومقدمةً لكل من كتب في الموضوعات على سبيل السرد.
_________________
(١) وهذا الاستطراد في كتب ابن القيم عليه رحمة الله يجعلك قد لا تجد القول من أقواله في مظانه، ومعنى ذلك أنه لا بد من فهرسةٍ دقيقةٍ لأقواله وبحوثه ﵀، وقد سد الشيخ العلامة بكر أبو زيد الفراغ في هذا بكتابه: تقريب علوم ابن القيم، ولعل الفهرس الموسوعي القادم لمؤلفات هذا الإمام يقر عين الناظرين.
[ ١٩ ]
وهذا الجهد الرائع من هذا الإمام والمقام مقام جواب عن سؤال، فكيف لو أراد المؤلف أن يؤلف في هذا الباب على سبيل التقصي والتتبع والاستقراء لتلك الضوابط والكليات، أظنّ لو وقع ذلك لكان أتى بأعاجيب، رحمة الله عليه.
تلك هي أبرز ما يميز هذا الكتاب، ويطلع القارئ على منهج مؤلفه ﵀، والله أعلم.