بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على رَسُول الله.
وَبعد مَعْلُوم أَن الْإِسْلَام عقيدة وَعَملا قَامَ على دعامتين أساسيتين، هما كتاب الله تَعَالَى وَسنة نبيه الْكَرِيم، وَالسّنة فِي ذَاتهَا تبيان للْكتاب وتطبيق لَهُ.
وَكَانَ الرَّسُول الْكَرِيم عَلَيْهِ صلوَات الله تَعَالَى بِمَا أُوتى من جَوَامِع الْكَلم وبليغ القَوْل يُؤدى عَن ربه، تَفْصِيلًا لما أجمل من قُرْآن، أَو تَصْرِيحًا عَن أَمر ألمح إِلَيْهِ الْوَحْي، أَو إِجَابَة عَن تساؤل تحيرت فِيهِ أفكار النَّاس، أَو تَعْبِير عَن إحساس عميق بحقائق هَذِه الْحَيَاة الدُّنْيَا، وَمَا هُوَ كَائِن بعْدهَا من
أَحْدَاث..وَكَانَ لتعبيره ﷺ نمط فريد، جمع بَين ملاحة الْعبارَة وتآلف كلماتها، وتجاذب أصواتها، وشمول مَعْنَاهَا، وعمقه ودقته..بِحَيْثُ تتْرك من آثارها فِي نفس السَّامع، حقائق مُسْتَقِرَّة، مريحة.
توقظ المشاعر، وتتمزج بالفطرة، وتتغلغل فِي أعماقها.
كَانَ لحديثه ﷺ نمط فريد، اخْتصَّ بِهِ ﵇.
جمع بَين الإيجاز فِي اللَّفْظ، والوضوح المفعم بالإحساس، وَالْجمال فِي التَّعْبِير، والحلاوة فِي الْإِيقَاع.
وَلم يكن لأحد من فحول الشُّعَرَاء، ومصاقع الخطباء، ومشاهير البلغاء، من الْقُدْرَة، أَو الموهبة، مَا يُعينهُ على أَن ينسج على منواله فِي أَحَادِيثه ﵊ وأكثرها على البديهة.
فَكيف بِالَّذِي قَالَه ﵇ على الروية.
! وهيهات.
للذى تقدم من الشَّرْح يرغم عدم التدوين (١) إبان حَيَاته الْمُبَارَكَة - حفظ
_________________
(١) الْمَقْصُود بالتدوين لَيْسَ مُجَرّد الْكِتَابَة، بل التَّأْلِيف المبوب المنظم. (*)
[ ٣ ]
النَّاس كل مَا قَالَ.
وَهَذِه - فِيمَا نعلم - ظَاهِرَة لم تحدث فِي تَارِيخ البشرية، على امتداد أحقابها..لم يحدث أبدا أَن حفظ جيل كَامِل معاصر لرجل..كل كلمة نطقت بهَا شفتاه..سَمِعت مِنْهُ.
أَو نقلت عَنهُ.
ثمَّ كَانَ الْحفاظ عَلَيْهَا صنو الْحفاظ على الْحَيَاة.
إيثارا وحبا وتأثرا وحنينا.
على أَن من حفظ.
إِنَّمَا كَانَ يشْبع حَاجَة النَّفس العطشى.
وينشد راحتها، غير قَاصد بِمَا يسمع، أَنه يسمع لينقل لغيره أَو للأجيال عبر التَّارِيخ.
وَلَا هُوَ عَامِد إِلَى ذَلِك.
إِنَّمَا كَانَ يسمع ليروي غلَّة صادية، وفطرة مشتاقة.
وَهُوَ فِي أعماقه عَاجز عَن التَّقْلِيد، عَاجز عَن الْإِعْرَاض، حَتَّى لَو أَرَادَ.
فَكيف بِحَالهِ وَهُوَ الْمقبل المتلهف على الْحِكْمَة الْبَالِغَة.
والعبارة الآسرة.
وَالْمعْنَى الْجَلِيل.
كَذَلِك كَانَ أَصْحَابه ﵇.
يحفظون عَنهُ فِيمَا يحفظون كَلَامه العادي.
على حِين أَنه مُجَرّد أَدَاء لمتطلبات حَيَاته الْمُبَارَكَة فِي حلّه وترحاله، فِي حربه وَسلمهُ، فِي مأكله ومشربه، فِي غَضَبه وَرضَاهُ، فِي سروره وحزنه.
وأفضى رَسُول الله ﷺ إِلَى ربه الْكَرِيم.
رَاضِيا مرضيا.
وَكَلَامه مَحْفُوظ غير مَكْتُوب.
وَكَأَنَّهُ ﵇ أبي أَن يتْرك بعد مَوته مَعَ كتاب الله كتابا.
اللَّهُمَّ إِلَّا شَيْئا لَا يدْخل فِي حكم التدوين.
وَهُوَ اتجاه صرح بِهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب - ﵁ - أَيَّام خِلَافَته حِين اقترح بَعضهم كِتَابَة حَدِيثه رَسُول الله.
فأبي ذَلِك وَلم يرتضه.
وَمضى خير الْقُرُون - وَلم يدون الحَدِيث وَلَا وضع فِيهِ كتاب.
لَكِن كَانَت - خلال ذَلِك - أطلت الْفِتَن برؤوسها.
فطوت فِي أعاصيرها الهوجاء - حيوات غاليات، قتل عمر الْفَارُوق الملهم، وَعُثْمَان الْحَيِي الْكَرِيم، وعَلى الْقوي الْحَكِيم.
وَطَلْحَة الصَّالح المبشر، وَالزُّبَيْر الحوارى الشَّهِيد.
وسواهم وسواهم كثير.
ثمَّ قتل مِمَّن بعدهمْ الْحُسَيْن بن عَليّ وَمَعَهُ أمة من الصَّالِحين.
ووراء كل
[ ٤ ]
نصراء وَأَصْحَاب وشيعة وأحزاب.
وعَلى امتداد عصر الرَّاشِدين.
وخاصة عَليّ ﵁.
وعَلى امتداد حكم الأمويين.
وخاصة أَيَّام مُعَاوِيَة إِلَى عبد الملك.
وفى مطلع أَيَّام العباسيين وخاصة أَيَّام أَبى عبد الله السفاح وَأبي مُسلم الْخُرَاسَانِي.
فِي إبان تِلْكَ الْأَيَّام، طورا طورا.
وفى مُخْتَلف الأنحاء من معمور الأَرْض والبلاد.
بِلَاد الْمُسلمين.
على تبَاين الْأَجْنَاس، وتفرق الْأَهْوَاء والقوميات والعصبيات.
والسياسة فِي خدمَة المعركة.
والإثارة فِي خدمَة السياسة.
والهوى مستحكم.
وَالشَّر مستطار.
والفتن يقظى بعد هجوع.
وَالْحكم للسيف.
والغلب لمن كثر أعوانه..فِي هَذَا المضطرب عبر الْأَيَّام
سعى الْخُصُوم وَرَاء الْخُصُوم، كل يعزز رَأْيه وَحزبه.
الْعَرَب فِي الْأَغْلَب بالشعر والنثر والمأثور والخطابة.
والعجم فِي الْأَغْلَب بالكيد والوقيعة والسعاية والدعاية.
وَكَانَ من أفعل الكيد، وأخبث الدعاية، أَن يصنع حَدِيث على نمط مقارب لآخر صَحِيح، فِي لَفظه وجرسه، وشكله وسمته.
وينسب إِلَى الرَّسُول الْكَرِيم ﵇.
تمييزا لشخص على آخر، أَو إنباء بحادث لَهُ دلَالَة لم يكن وَقع آنذاك، ثمت وَقع مُؤَخرا.
أَو نصْرَة لرأي أَو مَذْهَب اخْتصم فِيهِ الأخصام، أَو إشادة بمنقبة، أَو افتعال لمثلبة.
وَجرى ذَلِك وشاع فِي ندرة وَقلة أَيَّام عمر وَعُثْمَان خَاصَّة من يهود.
وفى غَلَبَة وَكَثْرَة أَيَّام عَليّ وَمُعَاوِيَة - خَاصَّة من فرس.
وهاجت حمى وضع الْأَحَادِيث ونسبتها إِلَى رَسُول الله ﷺ فِيمَا تَلا ذَلِك من أَيَّام، وَجَاءَت تترى من كل صوب، تزاحم الصَّحِيح لتزيله وتستقر فِي الأذهان مَكَانَهُ.
[ ٥ ]
وَمن وَرَائِهَا الْغَرَض الْخَبيث، والكيد للاسلام، وإحلال القثور فِي مَوَاضِع اللّبَاب، والتفاهات فِي ثوب الْمُهِمَّات، والشرك فِي مَوَاضِع التَّوْحِيد، والخرافات والترهات بَدَلا من الْحَقَائِق والبديهيات (١) .
وتطور (فن وضع الحَدِيث) مَعَ الزَّمن وتدهور من أغراض الْحَرْب والسياسة تبعا لخور النُّفُوس وانحطاط الْأَغْرَاض إِلَى أغراض أخر دون مَا تحرج وَلَا تأثم، حَتَّى تجَاوز الْوَضع حُدُود الْخُصُومَات والخلافات السياسية والمذهبية إِلَى التكسب بِهِ، كاسترضاء الْخُلَفَاء والأمراء (٢) رَغْبَة فِيمَا فِي أَيْديهم من المَال والضياع، أَو طلبا للرياسة والجاه وَبعد الصيت، والمباهاة عِنْد الْعَامَّة.
وانحطت الْأَغْرَاض فِي الْوَضع وَالْكذب، عَليّ رَسُول الله، أَكثر فَأكْثر حَتَّى وصلت إِلَى حد الخبل والبلاهة وَمَا يشبه كَلَام الصّبيان.
إِلَى حد أَنه لَا يستعظم على كَذَّاب أَن يضع حَدِيثا وَيُقِيم لَهُ سندا (٣) يصل بِهِ إِلَى الرَّسُول ﵊، يمدح بِهِ قبيلته أَو بلدته أَو نوع ثَوْبه أَو طَعَاما يُحِبهُ أَو شرابًا يسيغه أَو فَاكِهَة يؤثرها على غَيرهَا..إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ من الْخَلْط والتهريج، بالعمد وَالنِّيَّة السَّيئَة وَالْقَصْد فِي الْأَغْلَب، وبالبلاهة والغباء والتعالم فِي الاقل.
وبشئ من الإيجاز يُمكن تصور الْموقف بِالنِّسْبَةِ لتناقل الحَدِيث وتفشى الْوَضع فِيهِ.
مَعَ تَلْخِيص الْأَسْبَاب الْمُبَاشرَة لنجاح الْكَذَّابين فِي وضع مَا وضعوه
_________________
(١) من قبيل ذَلِك مَا نقل عَن ابْن أَبى العوجاء أَنه قَالَ حِين أَخذ لتضرب عَنهُ: لقد وضعت فِيكُم أَرْبَعَة آلَاف حَدِيث أحرم فِيهَا وأحلل.
(٢) روى أَن غياث بن إِبْرَاهِيم دخل على المهدى - وَكَانَ يلهو بالرهان على الْحمام. فروى لَهُ حَدِيث " لاسبق إِلا فِي خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ أَو جنَاح " فسكافأه بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم. فَلَمَّا قَامَ غياث ليخرج قَالَ الْمَهْدِي: أشهد أَن قفاك قفا كَذَّاب عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَمَا قَالَ رَسُول الله ﷺ " جنَاح " وَلَكِن أَرَادَ ليتقرب إِلَيْنَا.
(٣) ذكر سُفْيَان الثَّوْريّ أَنه سمع فِيمَا أسْند إِلَى جَابر بن عبد الله وَحده ثَلَاثِينَ ألف حَدِيث مَا يسْتَحل جَابر نَفسه أَن يذكر شَيْئا مِنْهَا. (*)
[ ٦ ]
من الْأَحَادِيث وإشاعتها بَين الْمُسلمين بالصورة الوبائية الْمَعْلُومَة لَدَى أهل الحَدِيث على النَّحْو التَّالِي: أَولا: انحراف المزاج الفكري والعاطفي للشعوب الأعجمية الَّتِي دخلت الْإِسْلَام فِي أعقاب الْفتُوح أَو الَّتِي عاشت تَحت حكمه على دينهَا، والأفراد الَّذين تظاهروا بِالْإِسْلَامِ تقية كبعض الْيَهُود وَالْمَجُوس.
ثَانِيًا: مَاتَ الرَّسُول الْكَرِيم، وَكَانَ عدد من بَقِي بعد مَوته من أَصْحَابه الَّذين رَأَوْهُ وسمعوا مِنْهُ زهاء مائَة ألف أَو يزِيدُونَ سمع مِنْهُم من التَّابِعين وتابعي التَّابِعين من لَا يُحْصى كَثْرَة.
من مُخْتَلف الْأَجْنَاس وفى مُخْتَلف الْبِقَاع.
فِي غمرة هَذِه الْكَثْرَة، وافتقاد ضَابِط الصِّحَّة للرواية، فِي الزَّمَان وَالْمَكَان.
غافل الكذابون النَّاس وَوَضَعُوا مَا شَاءُوا.
وَتعذر، بل اسْتَحَالَ حصر مَا وضعوه (١) .
ثَالِثا: انتهز الكذابون فرْصَة كَثْرَة مَا رَوَاهُ أَمْثَال أبي هُرَيْرَة من الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة عَن النَّبِي ﷺ - وهى كَثِيرَة جدا - فوضعوا من الْأَحَادِيث المكذوبة شَيْئا كثيرا نسبوه للنَّبِي ﵊ زورا عَن طَرِيق أبي هُرَيْرَة، ليتوه كثيرهم المكذوب فِي كَثِيره الصَّحِيح، وليشق تَمْيِيز صَحِيحه من سقيمهم.
وَقد كَانَ.
وعاش إِلَى جوَار الوضاعين الشانئين، وضاعون آخَرُونَ من طراز مُخْتَلف، شَأْنهمْ أعجب، وسلو كهم أغرب.
وضاعون صَالِحُونَ غيورون على الْإِسْلَام.
يضعون الحَدِيث، ويزورون على الرَّسُول مَا لم يقل.
تقربا لله سُبْحَانَهُ وتزلفا إِلَيْهِ.
وَمَا كَأَنَّهُمْ أثموا.
وَلَا جَاءُوا ظلما من القَوْل وزورا.
_________________
(١) أدْرك ابْن عَبَّاس أَوَائِل ذَلِك الزَّمن فَقَالَ متحسرا: كُنَّا تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا ركب النَّاس الصعب والذلول تركنَا الحَدِيث. (*)
[ ٧ ]
فَهَذَا أَبُو عصمَة نوح بن أبي مَرْيَم يتعقب سور الْقُرْآن وَاحِدَة وَاحِدَة، فليصق بِكُل سُورَة فَضِيلَة، ويرتب لَهَا فَائِدَة، وَيَضَع فِيهَا حَدِيثا ينْسبهُ إِلَى الرَّسُول زورا بعد أَن يصنع لَهُ سندا يَنْتَهِي فِي غَالب مَا وضع إِلَى ابْن عَبَّاس، ثمَّ إِلَى النَّبِي ﵊ عَن طَرِيق عِكْرِمَة بن أبي جهل.
كَمَا كَانَ أَحْيَانًا يرفع إِلَى أبي بن كَعْب أَو سواهُ.
وَالْعجب مِنْهُ وَمن أَمْثَاله.
لَا يرى أَنه وَقع فِي إِثْم بِمَا فعل! اسْمَع إِلَيْهِ يدْفع عَن نَفسه اللوم حِين عوتب فَيَقُول: لما رَأَيْت اشْتِغَال النَّاس النَّاس بِفقه أبي حنيفَة، وَمَغَازِي مُحَمَّد بن إِسْحَاق، وَأَنَّهُمْ أَعرضُوا عَن الْقُرْآن، وضعت هَذِه الْأَحَادِيث حسبَة لله تَعَالَى.
كَذَلِك وهب بن مُنَبّه.
أسلم يعد يَهُودِيَّة، وَكَانَ يضع الحَدِيث فِي فَضَائِل الْأَعْمَال.
وَفعل مثل فعله عبد الملك بن عبد الْعَزِيز الَّذِي أسلم بعد نَصْرَانِيَّة..ونشط وضاعون آخَرُونَ.
يضعون وينسبون مَا وضعُوا إِلَى رَسُول الله ﷺ زورا.
فِي فَضَائِل من أَحبُّوا، ومثالب من أبغضوا، ثمَّ زبفوا لَهَا الْأَسَانِيد أَيْضا، كَيْلا يتَطَرَّق إِلَيْهَا الشَّك، أَو ينْكَشف الزيف.
وأسرف فِي ذَلِك جماعات، كأمثال النقاش والقطيعي والثعلبي والأهوازي وَأبي نعيم والخطيب.
وسواهم فِيمَا وضعُوا من مَنَاقِب وفضائل أبي بكر الصّديق وَعمر وَعُثْمَان وَمُعَاوِيَة ﵃.
وعَلى الضِّدّ من هَؤُلَاءِ قَامَت جماعات أخر تكيل الْكَيْل كيلين، فَوضعت فِي مَنَاقِب على ﵁ من الْأَحَادِيث المستغربة مَا لَا يدْخل تَحت حصر، من أَمْثَال: أَحْمد بن نصر الذِّرَاع، وحبة بن جُوَيْن، وَبشر بن إِبْرَاهِيم، وَعباد بن يَعْقُوب، وَعبد الله بن داهر.
وَمَا كَانَ أَبُو بكر وَلَا عمر وَلَا عُثْمَان وَلَا على فِي حَاجَة إِلَى مديح أَو إشادة من أَمْثَال هَؤُلَاءِ.
علم الله.
[ ٨ ]
ونشط غير هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاء آخَرُونَ من الزَّنَادِقَة الَّذين لم يَكُونُوا برئوا بعد من أثر الْمَجُوسِيَّة والمانوية والزردشية والمزدكية.
كَانَ هَمهمْ وضع الحَدِيث لبلبلة الأفكار وإفساد عقائد الْمُسلمين.
لقد أحصى المحدثون لبَعض فرق الزَّنَادِقَة
وحدهم زهاء أَرْبَعَة عشر ألف حَدِيث مَكْذُوب على الرَّسُول الْكَرِيم ﵊.
وأفظع من ذَلِك وأشنع مَا صنعه ثَلَاثَة نفر فَحسب هم: أَحْمد بن عبد الله الجويباري، وَمُحَمّد بن عكاشة الْكرْمَانِي، وَمُحَمّد بن تَمِيم الْفرْيَابِيّ، الَّذين وضعُوا عشرَة آلَاف حَدِيث وحدهم ونسبوها زورا إِلَى النَّبِي الْكَرِيم، ليضلوا بهَا عَن سَبِيل الله.
وَلم يكن هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة، فرسَان حلبة خلت من أَقْرَان، بل كَانَ هُنَاكَ مِمَّن ساواهم، بل بزهم وضاعون آخَرُونَ من أَمْثَال: ابْن أبي يحيى بِالْمَدِينَةِ، والواقدي بِبَغْدَاد، وَمُحَمّد بن سعيد المصلوب بِالشَّام، وَمُقَاتِل بن سُلَيْمَان بخراسان.
لم تكن حَرَكَة الْوَضع وضع الْأَحَادِيث المكذوبة على الرَّسُول الْكَرِيم حَرَكَة ارتجالية عفوية فِي كل الأحيان، إِنَّمَا تطورت إِلَى حَرَكَة مدروسة هادفة، وخطة شَامِلَة لَهَا خطرها وآثارها.
كَانَ من نتائجها الْمُبَاشرَة على العديد من أجيال الْمُسلمين فِي العديد من أقطارهم، شيوع مَا لَا يُحْصى من الآراء الغريبة، وَالْقَوَاعِد الْفِقْهِيَّة الشاذة، والعقائد الزائفة، والافتراضات النظرية المضحكة الَّتِي أيدتها، وتعاملت بهَا، وروجت لَهَا، فرق وَطَوَائِف مُعينَة، لبست مسوح الدروشة والتصوف حينا، والفلسفة حينا، والعباد والزهاد أَحْيَانًا.
وجافت فِي غَالب أحوالها السلوك السوي والفكر وَالْعقل السَّلِيم، فضلا عَن مجافاتها الصارخة لكتاب الله سُبْحَانَهُ، وَهدى نبيه الْكَرِيم عَلَيْهِ والصلاه السَّلَام.
إزاء ذَلِك.
وفى بَوَادِر هَذَا الطوفان وَقد أوشك الْقرن الثَّانِي أَن ينتصف
[ ٩ ]
قَامَت أول محاولة جدية لتخليص الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة من مئات الألوف المزيفة.
تشوفت نفس أبي جَعْفَر الْمَنْصُور وَكَانَ امْرَءًا تواقا إِلَى الْعلم، حفيا
بالعلماء إِلَى كتاب ينفض الزيف ويبقي على الصَّحِيح.
تخير لهَذِهِ المهمة مَالك ابْن أنس الأصبحي، خيرة أهل الأَرْض فِي زَمَانه علما وتقى، وَإِمَام دَار الْهِجْرَة، وفقيه الْمُسلمين، وصفوة صلحاء أهل الْيمن، وَبَقِيَّة مُلُوك حمير.
شمر لَهَا الإِمَام الْجَلِيل، وواصل اللَّيْل بِالنَّهَارِ.
يجمع ويمحص، ويحقق ويدقق.
حَتَّى اجْتمعت لَدَيْهِ مائَة ألف حَدِيث.
انتخب مِنْهَا عشرَة آلَاف ونبذ التسعين ألفا.
حَيْثُ وضح لَدَيْهِ زيفها، وَقَامَ عِنْده الدَّلِيل على وَضعهَا.
ثمَّ لم يزل خلال أَرْبَعِينَ سنة دأبا يعرض مَا انتخب على الْكتاب وَالسّنة، ويقيسها بالآثار وَالْأَخْبَار، حَتَّى رجعت إِلَى خَمْسمِائَة حَدِيث فَقَط، هِيَ كل مَا صَحَّ لَدَيْهِ من الْعشْرَة الآلاف المنتخبة، بل الْمِائَة ألف الأولى.
قَالَ الهراس فِي تَعْلِيقه على الاصول: إِن موطأه مَالك كَانَ اشْتَمَل على تِسْعَة آلَاف حَدِيث، ثمَّ لم يزل ينتقى حَتَّى رَجَعَ إِلَى سَبْعمِائة.
وَقَالَ عَتيق بن يَعْقُوب: وضع مَالك موطأه على نَحْو عشرَة آلَاف حَدِيث، فَلم يزل ينظر فِيهِ كل سنة، وَيسْقط مِنْهُ، حَتَّى بَقِي هَذَا.
فَهَذَا الَّذِي صنعه مَالك وَجمعه خلال قرَابَة نصف قرن، يعد من خير الْقُرُون، بلغ زهاء خَمْسمِائَة فَحسب، من مائَة ألف.
وَيَا لَهَا من نِسْبَة.
وَمَالك بن أنس هُوَ الْعلم ناهيك بِهِ فضل علم.
وَفضل تقى.
وَقرب عهد بعصر الرسَالَة، وزمن الصَّحَابَة، وموطن الدَّين، ومسرح الْإِسْلَام كَانَت هَذِه المحاولة.
أول محاولة ناضجة، مستكملة لعناصر الْبَقَاء، لتصنيف الحَدِيث النَّبَوِيّ وَجمعه، وتمييز صَحِيحه من سقيمه.
أما محاولات ابْن شهَاب الزُّهْرِيّ على رَأس الْمِائَة الأولى، ثمَّ ابْن الْمَاجشون
[ ١٠ ]
عبد الْعَزِيز بن عبد الله، وَسَعِيد بن أبي عرُوبَة، أَو الرّبيع بن صبيح.
فقد
كَانَت مُجَرّد إرهاصات لهَذَا الْحَدث الْهَام الَّذِي يعد بِحَق نقطة التَّحَوُّل بَين عصر الرِّوَايَة وَالسَّمَاع ومطلع عصر التدوين.
فَهَذَا الإِمَام مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ الْجعْفِيّ وَلَاء، جمع سِتّمائَة ألف حَدِيث أثْنَاء اشْتِغَاله بِجمع كِتَابه.
صَحَّ لَدَيْهِ مِنْهَا أَرْبَعَة آلَاف حَدِيث يُضَاف إِلَيْهَا ثَلَاثَة آلَاف أُخْرَى مكررة.
وَجمع الإِمَام مُسلم بن الْحجَّاج القشيرى ثَلَاثمِائَة ألف حَدِيث أثْنَاء اشْتِغَاله بِجمع كِتَابه.
صَحَّ لَدَيْهِ مِنْهَا قرَابَة السّنة آلَاف أَيْضا وَمثلهَا مكررا.
وَبلغ مَا اتّفق عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ أَلفَانِ وثلاثمائة وَسِتَّة وَعِشْرُونَ حَدِيثا.
أما جملَة مَا جمعه إِمَام أهل السّنة أَحْمد بن حَنْبَل فَبلغ أَكثر من جملَة مَا جمعه الشَّيْخَانِ أثْنَاء حياتهما كِلَاهُمَا (١) .
أثبت مِنْهَا فِي مُسْنده ثَلَاثِينَ ألفا تزيد عشرَة آلَاف مكررة.
وَهَذَا أَبُو دَاوُد الْأَزْدِيّ السجسْتانِي يروي عَنهُ مُحَمَّد بن بكر بن داسة أَنه سَمعه يَقُول: كتبت عَن رَسُول الله ﷺ خَمْسمِائَة ألف حَدِيث انتخبت مِنْهَا مَا ضمنته هَذَا الْكتاب يعْنى كتاب السّنَن جمعت فِيهِ أَرْبَعَة آلَاف حَدِيث وَثَمَانمِائَة، ذكرت الصَّحِيح وَمَا يُشبههُ ويقاربه، ويكفى الْإِنْسَان لدينِهِ من ذَلِك أَرْبَعَة أَحَادِيث: أَحدهَا: إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ..الخ.
وَالثَّانِي: من حسن إِسْلَام الْمَرْء تَركه مَا لَا يعنيه.
وَالثَّالِث: لَا يكون الْمُؤمن مُؤمنا حَتَّى يرضى لِأَخِيهِ مَا يرضى لنَفسِهِ.
وَالرَّابِع: الْحَلَال بَين وَالْحرَام بَين وببن ذَلِك مُشْتَبهَات.
إِلَخ.
_________________
(١) فَقل أَكثر المشتغلين بِهَذَا الْفَنّ أَن مَا جمعه الامام أَحْمد بلغ ألف ألف حَدِيث. (*)
[ ١١ ]
وَلَو ذَهَبْنَا نستقصي الصَّحِيح إِلَى الْمَوْضُوع لهالتا الْأَمر، فَهَذَا هُوَ الإِمَام
مَالك يثبت فِي موطإه مَا يبلغ قرَابَة النّصْف فِي الْمِائَة من جملَة مَا جمعه.
وَعند البُخَارِيّ لَا تكَاد تبلغ نِسْبَة مَا أثْبته فِي كِتَابه من الصَّحِيح إِلَى جملَة مَا جمعه، وَلم يَصح لَدَيْهِ فَلم يُثبتهُ وَاحِدًا فِي الْمِائَة.
فَكيف بالكثيرين سواهُمَا مِمَّن جمع وصنف..مَعَ قرب الإِمَام مَالك زَمَانا ومكانا لمهبط الْوَحْي، ودقة الْإِمَامَيْنِ البُخَارِيّ وَمُسلم وَصدق تحريهما للحق وَالصَّوَاب.
إزاء هَذَا الطوفان من الْأَحَادِيث الْمَوْضُوعَة، هبت كتائب الْحق من أهل الحَدِيث ونقاده، تتحرى حَال الروَاة من نقلة الحَدِيث، فتعدل وتجرح، وتوثق وتضعف، وتسلط الضَّوْء على الْأَسَانِيد، فتكشف من شَأْن رجال السَّنَد مَا كَانَ خافيا، وتسبر من غوره مَا كَانَ مَسْتُورا.
حَتَّى لم تعد هُنَاكَ صفة لراو إِلَّا عرفت، وَلَا خبيئة فِيهِ إِلَّا كشفت، وَلَا نادرة عَنهُ إِلَّا رويت، وَلَا حَادِثَة إِلَّا دونت.
مَا تعلق من ذَلِك بمذهبه وآرائه، وَمَا مس عقائده دَرَجَات حفظه، وأقرانه وشيوخه.
كَذَلِك مَا اعتوره فِي مُخْتَلف أطوار حَيَاته ومراحل عمره وشيخوخته من اجْتِمَاع الذاكرة أَو الْخَلْط وَالوهم.
وَمن الامانة فِي النَّقْل أَو التديس، حَتَّى يخلص من كل ذَلِك إِمَّا إِلَى الِاحْتِجَاج بِهِ، أَو إِلَى تَركه.
بعد تفنيد حَاله من رقة دينه أَو تقواه وخشيته.
وعَلى عاتق هَؤُلَاءِ عبر الْمِائَة الثَّانِيَة وَبَعض الثَّالِثَة، وضعت المسئولية كَامِلَة، فحملوا مَا حملُوا من هَذِه الْأَمَانَة، وَلم يهنوا، وَلم يضعفوا، وتجردوا للذود عَن الصَّحِيح من حَدِيث النَّبِي الْكَرِيم وتمييزه من السقيم الْمَصْنُوع.
وَكَانَ مِنْهُم قلَّة من الْفُقَهَاء، وَكَثْرَة من الْمُحدثين، مِنْهُم سوى من ذكرنَا: الشَّافِعِي وَاللَّيْث بن سعد وَالشعْبِيّ وَالزهْرِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَعمر بن عبد الْعَزِيز.
وَمن أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ وَعلله وَنقد رِجَاله: ابْن عدى، وَأَبُو حَاتِم ابْن
[ ١٢ ]
حبَان، والسفيانان الثَّوْريّ وَابْن عُيَيْنَة، والحمادان ابْن سَلمَة وَابْن زيد، وَأَبُو زرْعَة، وَعبد الرَّزَّاق وَابْن أبي شيبَة ومسدد وهناد، وَالْفضل بن دُكَيْن، وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، وَيحيى بن سعيد الْقطَّان، وَأَبُو عَاصِم النَّبِيل وَابْن الْمُبَارك وَأَيوب السّخْتِيَانِيّ، وَشعْبَة بن الْحجَّاج والدارمي، والإمامان الجليلان يحيى بن معِين، وَعلي بن الْمَدِينِيّ.
وسواهم كثير من أولي الْفضل والسابقة فِي كشف مَسْتُور الوضاعين، غيرَة لله ولنبيه وَدينه.
وَكَانَ مِنْهُم الْحفاظ الَّذين كَانُوا أعجوبة الدَّهْر وفخر الزَّمَان.
وَمِنْهُم من غاص فِي الْعِلَل علل الحَدِيث ومستور أَحْوَال الرِّجَال، وَلم يكن مِنْهُم إِلَّا ذُو فطنة وذكاء وَمَعْرِفَة وإصابة وَأَمَانَة، وَمِنْهُم من برع فِي الْفِقْه، وأوتي الْحِكْمَة، وَمِنْهُم من امتحن فَثَبت للمحنة، حسبَة لله وإيثارا لما عِنْده..كنتيجة مُبَاشرَة لهَذِهِ النهضة وضعت للأحاديث والأسانيد قَوَاعِد وَأسسَ وموازين، وَأصْبح لكل سَنَد بِمَجْمُوع رِجَاله دَرَجَة من الصِّحَّة أَو قابلية لِلطَّعْنِ وَالتَّجْرِيح، وَأصْبح الشَّخْص الْوَاحِد فِي رجال السَّنَد، يُضعفهُ أَو يقويه، ويخل بِهِ أَو يقيمه.
وطبق ذَلِك على أَسَانِيد المكثرين والمقلين من الرِّوَايَة، من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وتابعيهم إِلَى عَاشر طبقَة وَمَا جاوزها.
فمثلا أصح مَا أسْند لَدَى نقاد الحَدِيث وَأهل الْجرْح وَالتَّعْدِيل إِلَى أبي بكر الصّديق ﵁ لغاية أَوَائِل الْمِائَة الثَّانِيَة مَا جَاءَ من الْأَحَادِيث عَن طَرِيق إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد عَن قيس بن أبي حَازِم عَن أبي بكر الصّديق عَن النَّبِي ﷺ.
وَأَصَح مَا أسْند إِلَى عمر بن الْخطاب ﵁ من أَحَادِيث، مَا كَانَت عَن طَرِيق الزُّهْرِيّ عَن سَالم بن عبد الله عَن أَبِيه عَن جده عمر عَن النَّبِي ﷺ.
[ ١٣ ]
وَأَصَح مَا أسْند إِلَى عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ ﵂ من أَحَادِيث، مَا كَانَ من طَرِيق عبد الله بن عمر عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد عَن عَائِشَة عَن رَسُول الله ﷺ.
وَأَصَح مَا أسْند إِلَى أبي هُرَيْرَة ﵁ من أَحَادِيث، مَا كَانَ جَاءَ من طَرِيق الزُّهْرِيّ عَن سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ.
من أَمْثَال مَا وضعوه فِي مَنَاقِب على رضى الله عَن من الْأَحَادِيث المكذوبة، الَّتِي هِيَ فِي مرتبَة، دون مَرَاتِب الغلو والإطراء الشركي، الَّتِي غلوا بهَا فِيهِ ﵁، قَول بَعضهم: * عَن أبي ذَر قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ: لما أسرى بِي مَرَرْت على ملك جَالس على سَرِير من نور، وَإِحْدَى رجلَيْهِ فِي الْمشرق، وَالْأُخْرَى فِي الْمغرب، وَبَين يَدَيْهِ لوح ينظر فِيهِ، وَالدُّنْيَا كلهَا بَين عَيْنَيْهِ، والخلق بَين رُكْبَتَيْهِ، وَيَده تبلغ الْمشرق وَالْمغْرب، فَقلت: يَا جِبْرِيل من هَذَا؟ قَالَ: هَذَا عزرئيل تقدم فَسلم عَلَيْهِ، فتقدمت وسلمت عَلَيْهِ، فَقَالَ: وَعَلَيْك السَّلَام يَا أَحْمد، مَا فعل ابْن عمك عَليّ؟ فَقلت: وَهل تعرف ابْن عمي عَليّ؟ فَقَالَ: وَكَيف لَا أعرفهُ وَقد وكلني الله بِقَبض أَرْوَاح الْخَلَائق مَا خلا روحك وروح ابْن عمك عَليّ بن أَبى طَالب، فَإِن الله يتوفا كَمَا بمشيئته.
خرجه الملاء فِي سيرته.
* عَن سلمَان قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: كنت أَنا وعَلى نورا بَين يَدي الله قبل أَن يخلق آدم بأَرْبعَة عشر ألف عَام، فَلَمَّا خلق الله آدم قسم ذَلِك النُّور جز أَيْن، جُزْء أَنا وجزء على.
رُوِيَ فِي المناقب.
* وَخرج الملاء أَيْضا فِي سيرته عَن أبي الْحَمْرَاء قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ: لَيْلَة أسرى بِي إِلَى السَّمَاء نظرت إِلَى سَاق الْعَرْش الْأَيْمن فَرَأَيْت
كتابا فهمته، مُحَمَّد رَسُول الله أيدته بعلى ونصرته بِهِ.
[ ١٤ ]
* وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: كُنَّا عِنْد النَّبِي ﷺ فَإِذا طَائِر فِي فِيهِ لوزة خضراء، فألقاها فِي حجر النَّبِي ﷺ، فَأَخذهَا النَّبِي ﷺ فقبلها ثمَّ كسرهَا فَإِذا فِي جوفها دودة خضراء مَكْتُوب فِيهَا بالأصفر: لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله نصرته بعلي.
خرجه أَبُو الْخَيْر الْقزْوِينِي الحاكمي.
* عَن الْحسن بن عَليّ قَالَ: كَانَ رَأس رَسُول الله ﷺ فِي حجر عَليّ وَهُوَ يوصى إِلَيْهِ، فَلَمَّا سري عَنهُ قَالَ: يَا على صليت الْعَصْر؟ قَالَ: لَا.
قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّك تعلم أَن كَانَ فِي حَاجَتك وحاجة نبيك.
فَرد عَلَيْهِ الشَّمْس فَردهَا عَلَيْهِ، وَغَابَتْ الشَّمْس.
خرجه الدولابي.
* وَقد خرج الحاكمي عَن أَسمَاء بنت عُمَيْس مثله وَلَفظه قَالَت: كَانَ رَأس النَّبِي ﷺ فِي حجر عَليّ، فكره أَن يَتَحَرَّك حَتَّى غَابَتْ الشَّمْس، فَلم يصل الْعَصْر، فَفَزعَ النَّبِي ﷺ وَذكر لَهُ عَليّ أَنه لم يصل الْعَصْر، فَدَعَا رَسُول الله ﷺ الله عزوجل أَن يرد الشَّمْس عَلَيْهِ، فَأَقْبَلت الشَّمْس لَهَا خوار حَتَّى ارْتَفَعت قدر مَا كَانَت فِي وَقت الْعَصْر فصلى ثمَّ رجعت.
* وَخرج أَيْضا عَنْهَا أَن عَليّ بن أبي طَالب دفع إِلَى النَّبِي ﷺ، وَقد أوصى الله إِلَيْهِ أَن يجلله بِثَوْب فَلم يزل كَذَلِك إِلَى أَن أَدْبَرت الشَّمْس يَقُول: غَابَتْ أَو كَادَت تغيب، ثمَّ إِن النَّبِي ﷺ سري عَنهُ، فَقَالَ: أصليت يَا عَليّ؟ قَالَ: لَا.
قَالَ النَّبِي ﷺ: اللَّهُمَّ رد الشَّمْس على عَليّ.
فَرَجَعت الشَّمْس حَتَّى بلغت نصف الْمَسْجِد.
* وَعَن أنس ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُول الله ﷺ فِي الْمَسْجِد إِذْ قَالَ ﷺ لعلى: هَذَا جِبْرِيل يُخْبِرنِي أَن الله عزوجل
زَوجك فَاطِمَة، وَأشْهد على تَزْوِيجهَا أَرْبَعِينَ ألف ملك وَأوحى إِلَى شَجَرَة طُوبَى أَن انثري عَلَيْهِم الدّرّ والياقوت، فَنثرَتْ عَلَيْهِم الدّرّ والياقوت، فابتدرت إِلَيْهِ
[ ١٥ ]
الْحور الْعين يلتقطن من أطباق الدّرّ والياقوت فهم يتهادونه بَينهم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة.
أخرجه الملاء فِي سيرته.
* عَن مخدوج بن زيد الذهلي أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لعلى: أما علمت يَا على أَنه أول من يدعى بِهِ يَوْم الْقِيَامَة بِي فأقوم عَن يَمِين الْعَرْش فِي ظله فأكسى حلَّة خضراء من حلل الْجنَّة، ثمَّ يدعى بالنبيين بَعضهم على إِثْر بعض فَيقومُونَ سماطين عَن يَمِين الْعَرْش ويكسون حللا خضراء من حلل الْجنَّة أَلا وَإِنِّي أخْبرك يَا على أَن أمتِي أول الْأُمَم يحاسبون يَوْم الْقِيَامَة، ثمَّ أبشر، أول من يدعى بك لقرابتك مني فَيدْفَع إِلَيْك لِوَائِي وَهُوَ لِوَاء الْحَمد تسير بِهِ بَين السماطين، آدم وَجَمِيع خلق الله تَعَالَى يَسْتَظِلُّونَ بِظِل لِوَائِي يَوْم الْقِيَامَة وَطوله مسيرَة ألف سنة، سنانه ياقوتة حَمْرَاء، قَبضته فضَّة بَيْضَاء، زجه درة خضراء، لَهُ ثَلَاث ذوائب من نور ذؤابة فِي الْمشرق وذؤابة فِي الْمغرب، وَالثَّالِثَة فِي وسط الدُّنْيَا، مَكْتُوب عَلَيْهِ ثَلَاثَة، أسطر: الأول بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم.
الثَّانِي الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
الثَّالِث لَا إِلَه الله مُحَمَّد رَسُول الله، طول كل سطر ألف سنة وَعرضه مسيره ألف سنة.
فتسير باللواء، وَالْحسن عَن يَمِينك وَالْحُسَيْن عَن يسارك حَتَّى تقف بيني وَبَين إِبْرَاهِيم فِي ظلّ الْعَرْش، ثمَّ تُكْسَى حلَّة من الْجنَّة، ثمَّ يُنَادي الْمُنَادِي من تَحت الْعَرْش: نعم الْأَب أَبوك إِبْرَاهِيم وَنعم الْأَخ أَخُوك على.
أبشر يَا على.
إِنَّك تُكْسَى إِذا كُسِيت وتدعى إِذا دعيت، وتحيى إِذا حييت.
أخرجه أَحْمد فِي المناقب.
وفى رِوَايَة أخرجهَا الملاء فِي سيرته قيل: يَا رَسُول الله وَكَيف يَسْتَطِيع على أَن يحمل لِوَاء الْحَمد، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ: وَكَيف لَا يَسْتَطِيع ذَلِك وَقد أعْطى خِصَالًا شَتَّى
صبرا كصبري، وحسنا كحسن يُوسُف، وَقُوَّة كقوة جِبْرِيل؟.
وَعَن جَابر بن سَمُرَة أَنهم قَالُوا: يَا رَسُول الله من يحمل رَايَتك يَوْم الْقِيَامَة؟ قَالَ: من عَسى أَن يحملهَا يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا من كَانَ يحملهَا فِي الدُّنْيَا؟ عَليّ بن أبي طَالب.
أخرجه نظام الْملك فِي أَمَالِيهِ.
وَأخرج المخلص الذَّهَبِيّ عَن أبي سعيد إِن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
[ ١٦ ]
وَسلم كسانفرا من أَصْحَابه، وَلم يكس عليا، فَكَأَنَّهُ رأى فِي وَجه على، فَقَالَ: يَا على مَا ترْضى أَنَّك تُكْسَى إِذا كُسِيت وتعطى إِذا أَعْطَيْت؟.
* عَن أبي الْحَمْرَاء قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ: من أَرَادَ أَن ينظر إِلَى آدم فِي علمه، وَإِلَى نوح فِي فهمه، وَإِلَى إِبْرَاهِيم فِي حلمه، وَإِلَى يحيى بن زَكَرِيَّا فِي زهده، وَإِلَى مُوسَى بن عمرَان فِي بطشه، فَلْينْظر إِلَى عَليّ بن أبي طَالب.
أخرجه الْقزْوِينِي الحاكمي.
وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: من أَرَادَ أَن ينظر إِلَى إِبْرَاهِيم فِي حلمه، وَإِلَى نوح فِي حكمه، وَإِلَى يُوسُف فِي جماله، فَلْينْظر إِلَى عَليّ بن أبي طَالب.
أخرجه الملاء فِي سيرته.
* * * لَئِن كُنَّا أسهبنا بعض الشئ فِي إِيرَاد نمط من مزاج الوضاعين وإسرافهم المقبوح فِي الإطراء والمديح، فإننا لم نعرج على مَا وضعوه من أَحَادِيث هِيَ الشّرك الصراح، وَالْكفْر البواح، والفتنة العمياء، بتأليه أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ ﵁ وأرضاه.
فِيمَا أوردنا عينة مِمَّا رموا بِهِ إِلَى إشرك عَليّ ﵁ فِي النُّبُوَّة فَحسب، بِحَيْثُ لَا يقل نصِيبه مِنْهَا عَن الشّطْر كَامِلا.
بل لقد وشت بهم شياطينهم فوضعوا أَحَادِيث جعلُوا لعلى ﵁ فِيهَا الشّطْر الْأَفْضَل.
وَالنَّبِيّ تَابع لَهُ.
وحاشاه قَالُوا: عَن الْبَراء، قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ: عَليّ مني بِمَنْزِلَة
رَأْسِي من جَسَدِي.
خرجه الملاء.
فَمَاذَا أَبقوا للنَّبِي ﷺ من الْفضل مَعَ عَليّ ﵁؟ لقد جعلُوا النّظر إِلَى وَجه على عبَادَة.
قَالُوا: عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: رَأَيْت أَبَا بكر يكثر النّظر إِلَى وَجه عَليّ، فَقلت: يَا أَبَت تكْثر النّظر إِلَى وَجه على، فَقَالَ: يَا بنية سَمِعت رَسُول الله (٢ - الموضوعات ١)
[ ١٧ ]
ﷺ يَقُول: النّظر إِلَى وَجه على عبَادَة.
أخرجه ابْن السمان فِي الْمُوَافقَة.
وَأخرج مثله الخجندي أَيْضا من طَرِيق أُخْرَى مطولا عَن أنس.
وَأخرج ابْن أبي الْفُرَات مثله أَيْضا مطولا عَن جَابر.
وَأخرج أَبُو الْخَيْر الحاكمي مثله عَن ابْن لعلى.
والملاحظ كثيرا أَنهم يضعون مَا وضعُوا وينسبون أَكْثَره إِلَى عَائِشَة وَأبي بكر ﵄، أَو أَسمَاء بنت عُمَيْس، وَكَانَت تَحت أبي بكر ﵄.
يعنون بزعمهم - وكذبوا - أَن الْفضل مَا شهِدت بِهِ الْأَعْدَاء.
ثمَّ قعدت الْقَوَاعِد فِي مسَائِل النَّقْد وَعلل الحَدِيث، وَالْجرْح وَالتَّعْدِيل، والتوثيق والتضعيف، وتقييم أَحْوَال الروَاة فِي الْأَسَانِيد، ضبطا وعدالة، واتصالا وانقطاعا، وقبولا أَو ردا.
حَتَّى انْكَشَفَ الصُّبْح لذِي عينين، وتميز صَحِيح الحَدِيث من سقيمه، وأصيله من منحوله، بِفضل الله سُبْحَانَهُ الَّذِي آلى على نَفسه حفظ دينه، ثمَّ بِفضل همة المخلصين من عُلَمَاء الْأمة وصلحاء الْبَريَّة.
إِذْ تصدى فريق من حفاظهم للتأليف والإبانة عَنِ " الثِّقَاتِ " من الروَاة، وَاقْتصر المؤلفون فِي كتبهمْ على الْعُدُول من أهل الثِّقَة وَالْأَمَانَة والتثبت وَالْحِفْظ والإتقان.
وَمن مُتَقَدِّمي هَذَا الْفَرِيق:
الإِمَام أَبُو حَاتِم بن حبَان البستي.
وَأَبُو الْحسن أَحْمد بن عبد الله الْعجلِيّ.
والخليل بن شاهين.
وسواهم.
وتصدى فريق ثَان للتأليف والإبانة عَن " الضُّعَفَاء " من الروَاة، تحذيرا للْأمة مِنْهُم، وتنبيها للباحثين من التعويل على نقلهم، وَاقْتصر المؤلفون فِي كتبهمْ على ذكر أَسمَاء وأحوال الْمَجْرُوحين من أهل الْغَفْلَة وَالوهم وَالْكذب وَوضع الْأَحَادِيث زورا على رَسُول الله ﵊.
[ ١٨ ]
وَمن هَذَا الْفَرِيق الْأَئِمَّة الْحفاظ من أَمْثَال: البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن عَمْرو الْعقيلِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَأَبُو عبد الله الضَّبِّيّ والذهبي فِي الْمُتَأَخِّرين فِي كِتَابه " ميزَان الِاعْتِدَال " الَّذِي عقب عَلَيْهِ الْحَافِظ ابْن حجر بكتابه " لِسَان الْمِيزَان " و" تَهْذِيب التَّهْذِيب ".
وتصدى فريق ثَالِث لوضع المعاجم فِي رُوَاة الحَدِيث عَامَّة، الثِّقَات مِنْهُم والضعفاء.
فأبان الْوَاحِد مِنْهُم عَن منزلَة كل، وتتبع حَال أَفْرَاد السَّنَد، طبقًا لقواعد أحكمها أهل الدِّرَايَة فِي أنفسهم.
حَتَّى وضحت مَرَاتِب الروَاة فِي الْعَدَالَة بعد تتبع الْقَرَائِن وتقصي الْأَخْبَار.
ووضحت أَحْوَال الْكَذَّابين والوضاعين.
وَمن هَذَا الْفَرِيق الْأَئِمَّة الْحفاظ من أَمْثَال: الشَّيْخ محب الدَّين بن النجار الْبَغْدَادِيّ، والمزي الَّذِي هذب كِتَابه " الْكَمَال فِي معرفَة الرِّجَال "، والذهبي الَّذِي جَاءَ فِي الْمُتَأَخِّرين فاختصر تَهْذِيب الْمزي، وَكَذَلِكَ فعل ابْن أبي الْمجد الْحَنْبَلِيّ، وَابْن الملقن الَّذِي ألف عَلَيْهِ " إِكْمَال التَّهْذِيب "، والحافظ ابْن حجر الَّذِي اخْتَصَرَهُ فِي " مُخْتَصر تَهْذِيب الْكَمَال ".
وفى الْمُتَقَدِّمين من عُلَمَاء هَذَا الْفَنّ وأئمته كَثْرَة لَا يَتَّسِع الْمقَام بنالذكرهم
جَمِيعهم فِي هَذِه العجالة، وَلَا إِلَى الْإِشَارَة إِلَى مؤلفاتهم.
وَمن الْمُتَأَخِّرين أهل الْفضل وَالْعلم والدراية كَثِيرُونَ.
لنا إِلَيْهِم رَجْعَة إِن شَاءَ الله بعد حِين.
بعد كل تِلْكَ المراحل الطَّوِيلَة، من كفاح الْعلمَاء فِي سَبِيل كشف الأكاذيب، وفضح وَسَائِل الوضاعين، وتسليط الضَّوْء على مَا وضعُوا.
كَانَ لابد من الْوُصُول إِلَى نتائج محددة تَمامًا، تتوج كل هَذِه الجهود وَتحقّق جدواها وتحدد غايتها.
كَانَت ثَمَرَة هَذِه الجهود كلهَا أَن تحدد بِالْفِعْلِ كَافَّة الْأَحَادِيث الْمَوْضُوعَة مقرونة بِدَلِيل الْوَضع شَاهدا عَلَيْهَا وقرينة الْكَذِب صارخة بهَا.
حَتَّى لَا يكون لمعتقد فِيهَا حجَّة بعد بَيَان، وَلَا عذر قبل إِنْسَان.
وَكَانَ قطافها على يَد فريق رَابِع أَمِين، ناقد بَصِير، تَابع نتائج الْبَحْث فِي
[ ١٩ ]
الْأَسَانِيد وَنقد الرِّجَال عبر السنين، وَبنى عَلَيْهَا الحكم لَا بِالنِّسْبَةِ للسند، فقد كَفاهُ كل فريق من الثَّلَاثَة مؤنتها وَلَكِن بِالنِّسْبَةِ للمتن فِي هَذِه الْمرة، إِذْ هُوَ بَيت القصيد، وَغَايَة الْمَقْصُود، الَّذِي بقبوله صَحِيحا وَالْعَمَل بِهِ تتمّ الْفَائِدَة وتنزل الْبركَة ويتحقق الْخَيْر.
وبقبوله مكذوبا وَالْعَمَل بِهِ.
يجنى الخسار وَيحل الْبَوَار.
تجرد لهَذِهِ المهمة أَئِمَّة أفذاد كبار، واصلوا اللَّيْل بِالنَّهَارِ، فَجمعُوا الْكثير مِمَّا لَا يَقع تَحت حصر، وفندوا عِلّة كل حَدِيث مِنْهَا ثَبت عِنْدهم وَضعه فَرَوَوْه بِسَنَدِهِ، وأبانوا عَن عواره وزيف نسبته إِلَى الرَّسُول الْكَرِيم ﷺ.
وَهَذِه خُصُوصِيَّة أُخْرَى.
لم تحدث فِي دين من أَدْيَان السَّابِقين.
لم يحدث أَن تجردت طَائِفَة من عُلَمَاء أمة، تعقبت على امتداد العصور وَصَايَا نَبِي من أنبيائها، تنفض عَنْهَا الزيف، وتنفي عَنْهَا الْخبث.
وَتكشف انتحال المبطلين، وتزوير المزورين.
بل لم يحدث أَن هبت طَائِفَة من عُلَمَاء أمة تنفض التحريف والتبديل
عَن كتابها السماوي.
بِصُورَة أَو بِأُخْرَى، مِثْلَمَا حدث فِي أمتنَا من هبوب عُلَمَاء الاسلام فِي حماص وَغَضب وغيرة، إزاء أَحَادِيث غير سَمَاوِيَّة نسبت بَاطِلا للرسول ﵇، وهى خُصُوصِيَّة أُخْرَى لخير أمة أخرجت للنَّاس.
وَلَئِن كَانَ فِي الْكثير من بِلَاد الْمُسلمين بعض خرافة..وَبَعض انحراف وصنمية.
فلعمري.
لَيْسَ يرجع السَّبَب إِلَى تَقْصِير من عُلَمَاء الْأمة، عبر العصور وحاشاهم.
بل إِلَى قُصُور فِي مدارك الْعَوام والمتعالمين.
وانصراف عَن اللّبَاب إِلَى القشور، وحفول بالمظاهر دون الْحَقَائِق.
وَالله الْمُسْتَعَان.
من هَذَا الْفَرِيق الرَّابِع الإِمَام الشَّوْكَانِيّ ﵀ فِي كِتَابه " الْفَوَائِد الْمَجْمُوعَة للأحاديث الْمَوْضُوعَة "، والجوزجاني، والقزويني، فِي كتبهمْ " الموضوعات " وَالربيع فِي " تَمْيِيز الطّيب من الْخَبيث "، وزين العابدين الْعِرَاقِيّ فِي كِتَابه " المغنى من حمل الْأَسْفَار " فِي تَخْرِيج الاحياء.
[ ٢٠ ]
كَذَلِك مِنْهُم: الْعَلامَة مُحَمَّد طَاهِر بن الفتني فِي كِتَابه " تذكرة الموضوعات " والعلامة شمس الدَّين السخاوي فِي كِتَابه " الْمَقَاصِد الْحَسَنَة " والحافظ أَبُو الْفضل مُحَمَّد بن طَاهِر بن القيسراني فِي كِتَابه " تذكرة فِي الْأَحَادِيث الْمَوْضُوعَة ".
وَمِنْهُم: الإِمَام أَبُو الْفرج عبد الرحمن بن عَليّ بن مُحَمَّد الْجَوْزِيّ الْقرشِي فِي كِتَابه " الموضوعات " الَّذِي هُوَ بَين أَيْدِينَا الْآن.
ابْن الْجَوْزِيّ.
ولد الإِمَام الْجَلِيل أَبُو الْفرج عبد الرحمن بن عَليّ الْجَوْزِيّ الْقرشِي عَام ٥١٠ وَتوفى عَام ٥٩٧، وَكَانَ ﵀ أعجوبة دهره وَحجَّة زَمَانه علما وورعا وتقى، وَكَانَ عديم النظير حفظا وجلالة: وَكَانَ أَكثر أهل عصره تصنيفا.
يُؤدى مَا يُرِيد بالعبارة الرائعة، والكلمة الرشيقة، وَأَحْيَانا بالشعر الرَّقِيق،
وَكَانَت لَهُ مجَالِس للوعظ الَّذِي كَانَ غلب عَلَيْهِ تُؤثر وتروى، وَكَانَ أقرب فنونه قرَابَة إِلَى نَفسه، وأحبها إِلَيْهِ يتوسل بهَا عِنْد ربه للمثوبة وادخار الْأجر، وفيهَا أجوبة بارعة محيرة تدل على ذكاء نَادِر.
من أحسن مَا روى عَنهُ أَنه وَقع نزاع بَين أهل السّنة والشيعة بِبَغْدَاد فِي المفاضلة بَين أبي بكر وَعلي ﵄ وَرَضي المتنازعون بِمَا يُجيب بِهِ أَبُو الْفرج فأقاموا شخصا سَأَلَهُ عَن ذَلِك، وَهُوَ فِي مجْلِس الْوَعْظ على كرسيه.
فَقَالَ: أفضلهما من كَانَت ابْنَته تَحْتَهُ.
وَنزل فِي الْحَال حَتَّى لَا يُرَاجع فِي ذَلِك.
فَقَالَ أهل السّنة: هُوَ أَبُو بكر لِأَن ابْنَته عَائِشَة تَحت رَسُول الله ﷺ.
وَقَالَت الشِّيعَة: هُوَ عَليّ بن أبي طَالب لِأَن فَاطِمَة بنت رَسُول الله عَلَيْهِ وَسلم تَحْتَهُ.
وَلَيْسَ بعد هَذَا الْجَواب غَايَة، فِي التلطف وَحُضُور البديهة ورقة الخلوص
[ ٢١ ]
من الْحَرج، وَلَو عمد إِلَيْهِ امْرُؤ بعد الروية والفكر الطَّوِيل، وإمعان النّظر لما حصل مثله.
أما صفاء نَفسه ونقاء قلبه وَنِيَّته وسلاسة فطرته.
فاسمع إِلَيْهِ يَقُول لِابْنِهِ من رِسَالَة طَوِيلَة (١) لَهُ يسْتَأْنف وعظه ونصحه: " وَإِيَّاك أَن تتشاغل بالتعبد من غير علم فَإِن خلقا كثيرا من المتزهدين والمتصوفة ضلوا طَرِيق الْهدى إِذْ عمِلُوا بِغَيْر علم.
واستر نَفسك بثوبين جميلين لَا يشهر انك بَين أهل الدُّنْيَا برفعتهما، وَلَا بَين المتزهدين بضعتهما.
وحاسب نَفسك عِنْد كل نظرة وَكلمَة وخطرة، فَإنَّك مسئول عَن ذَلِك.
وعَلى قدر انتفاعك بِالْعلمِ ينْتَفع السامعون، وَمَتى لم يعْمل الْوَاعِظ بِعِلْمِهِ زلت موعظته عَن الْقُلُوب كَمَا يزل المَاء عَن الْحجر.
فَلَا تعظن إِلَّا بَيِّنَة، وَلَا تمشين إِلَّا بنية، وَلَا تأكلن لقْمَة إِلَّا بنية، وَمَعَ مطالعة أَخْلَاق السّلف تنكشف لَك الْأُمُور..ثمَّ يَقُول: وَعَلَيْك بِكِتَاب (منهاج المريدين)، فَإِنَّهُ يعلمك السلوك فاجعله جليسك ومعلمك، وتلمح كتاب (صيد الخاطر) فَإنَّك تقع مواقعات تصلح لَك أَمر دينك ودنياك، وَتحفظ كتاب (جنَّة النّظر) فَإِنَّهُ يكفى فِي تلقيح فهمك للفقه.
وَمَتى تشاغلت بِكِتَاب (الحدائق) أطلعك على جُمْهُور الحَدِيث، وَإِذا الْتفت إِلَى كتاب (الْكَشْف) أبان لَك مَسْتُور مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ من الحَدِيث، وَلَا تتشاغلن بكتب التفاسير الَّتِي صنفتها الْأَعَاجِم، وَمَا ترك (المغنى) و(زَاد الْمسير) لَك حَاجَة فِي شئ من التَّفْسِير.
وَأما مَا جمعته لَك من كتاب الْوَعْظ، فَلَا حَاجَة لَك بعْدهَا إِلَى زِيَادَة أصلا.
".
_________________
(١) نقلا عَن مُقَدّمَة كتاب " صيد الخاطر " تَحْقِيق الْعَلامَة. الْمُوفق بِاللَّه الشَّيْخ مُحَمَّد الْغَزالِيّ (*)
[ ٢٢ ]
وفيهَا يَقُول بعد مطْلعهَا: وَقد علمت يَا بنى أَنى قد صنفت مائَة كتاب.
فَمِنْهَا التَّفْسِير الْكَبِير فِي ٢٠ مجلدا، والتاريخ ٢٠ مجلدا، وتهذيب الْمسند ٢٠ مجلدا، وباقى الْكتب بَين كبار وصغار..يكون خمس مجلدات، ومحلدين وَثَلَاثَة وَأَرْبَعَة، وَأَقل وَأكْثر.
كفيتك بِهَذِهِ التصانيف عَن اسْتِعَارَة الْكتب وَجمع الْهم فِي التَّأْلِيف، فَعَلَيْك بِالْحِفْظِ، وَإِنَّمَا الْحِفْظ رَأس المَال، وَالتَّصَرُّف ربح، وأصدق فِي الْحَالين فِي الالتجاء إِلَى الْحق سُبْحَانَهُ، فراع حُدُوده.
إِلَخ.
وَقد صنف ﵀ كتاب " الموضوعات " فَأفَاد بِهِ وأطاب وأوفى.
وَإنَّهُ إِن كَانَ عَابَ عَلَيْهِ بعض أهل الحَدِيث كَابْن الصّلاح تساهله فِي وصم بعض الْأَحَادِيث بِالْوَضْعِ، على حِين أَنَّهَا لَيست إِلَّا ضَعِيفَة، فَإِن لأبي الْفرج رأى فِي ذَلِك مُعْتَبر، وَدَلِيل حَاضر فِي وصمها بِالْوَضْعِ، ومبررات تَقْتَضِي صِحَة الِاعْتِقَاد بصواب رَأْيه.
برغم ذَلِك فَإِن كتاب " الموضوعات " يعد الْمرجع الأوفى فِي جملَة مراجع الْأَحَادِيث الْمَوْضُوعَة.
لذَلِك أثار الْكتاب دويا كَبِيرا وجدلا كثيرا خلال مئات السنين الَّتِي تلت عصر تأليفه.
من ذَلِك أَن الْحَافِظ جلال الدَّين السُّيُوطِيّ عقب عَلَيْهِ بِكِتَاب أسماه " النكت البديعات فِي الرَّد على الموضوعات ".
ثمَّ لخصه هُوَ نَفسه فِي كتاب آخر سَمَّاهُ " اللآلئ المصنوعة فِي الْأَخْبَار الْمَوْضُوعَة " أضَاف إِلَيْهِ بعض زيادات.
وعَلى الْكتاب الْأَخير عقب الإِمَام أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد بن عراق بِكِتَاب " تَنْزِيه الشَّرِيعَة المرفوعة عَن الْأَخْبَار الشنيعة الْمَوْضُوعَة ".
[ ٢٣ ]
وَقد اشْتَمَل كتاب " الموضوعات " على أَبْوَاب أَرْبَعَة أساسية، عداما تضمنه من شرح مُخْتَلف القضايا الهامة، والإيماءات الذكية الْمُتَعَلّقَة بفنون الحَدِيث.
وَفِيمَا يَلِي مشتملات الْأَبْوَاب الْمَذْكُورَة: الأول: فِي ذمّ الْكَذِب والكذابين.
الثَّانِي: فِي حَدِيث " من كذب عَليّ..إِلَخ ".
الثَّالِث: فِي الْوَصِيَّة بالعناية بانتقاد الرِّجَال.
الرَّابِع: فِيمَا اشْتَمَل عَلَيْهِ كتاب " الموضوعات " من الْأَحَادِيث الْمَوْضُوعَة.
وَهَذَا الْبَاب يحتوي على نَحْو خمسين كتابا، مرتبَة على نسق تَرْتِيب كتب الْفِقْه.
وَهُوَ من الْكتب الهامة فِي مَجْمُوعَة مؤلفات الإِمَام أبي الْفرج، كَمَا يعد من أهم المراجع الإسلامية الَّتِي تنشر للمرة الأولى فِي تَارِيخ المكتبة الْعَرَبيَّة الإسلامية.
شَأْنه فِي ذَلِك شَأْن أَكثر كتب هَذَا الإِمَام الْجَلِيل الَّتِي لم تَرَ النُّور بعد وَمَا أَكْثَرهَا وَالَّتِي لم يعرف النَّاس عَنْهَا سوى الْأَقَل مِنْهَا، والقليل من أسمائها.
ويجهلون أَكْثَرهَا.
أما مؤلفاته ﵀ فنزيد عَن ١٠٠ كتاب مِنْهَا: التَّفْسِير الْكَبِير ٢٠ مجلدا المنتظم فِي تَارِيخ الْأُمَم ٢٠ مجلدا تَهْذِيب السّنَن ٢٠ مجلدا تلقيح فهوم الْآثَار (على المعارف لِابْنِ قُتَيْبَة) الوفا فِي فَضَائِل الْمُصْطَفى عجائب الْبَدَائِع الذَّهَب المسبوك فِي سير الْمُلُوك مُخْتَصر المنتظم فِي التَّارِيخ
[ ٢٤ ]
فنون الأفنان فِي عجائب عُلُوم الْقُرْآن لقط الْمَنَافِع فِي الطِّبّ وفراسة الْعَرَب المغنى فِي الْفِقْه زَاد الْمسير صولة الْعقل على الْهوى أَخْبَار أهل الرسوخ فِي النَّاسِخ والمنسوخ
المدهش فِي التَّارِيخ وغرائب الْأَخْبَار شذور الْعُقُود فِي تَارِيخ العهود روح الْأَرْوَاح الْمُقِيم والمقعد صيد الخاطر الأذكياء وأخبارهم الْمُخْتَار من أَخْبَار الْمُخْتَار مثير عزم السَّاكِن إِلَى أشرف الْأَمَاكِن فَضَائِل الْقُدس تبصرة الْأَخْبَار تَقْوِيم اللِّسَان مَنَاقِب عمر بن الْخطاب مَنَاقِب عمر بن عبد الْعَزِيز مَنَاقِب أَحْمد بن حَنْبَل جَامع المسانيد والألقاب نتيجة الْإِحْيَاء (مُخْتَصر الاحياء)
[ ٢٥ ]
التَّحْقِيق فِي أَحَادِيث الْخلاف الحدائق شرح مُشكل الصَّحِيحَيْنِ دفع شُبْهَة التَّشْبِيه وَالرَّدّ على المجسمة تلبيس إِبْلِيس
الحمقى والمغفلين منهاج المريدين جنَّة النّظر الْكَشْف وَسوى ذَلِك كثير.
رحم الله الإِمَام الْجَلِيل وأجزل لَهُ المثوبة وَالْأَجْر، وأسبغ عَلَيْهِ فواضل بره وَرَحمته، بِمَا جَاهد فِي سَبِيل ربه الْكَرِيم، وَمَا لقى وعانى من مشقات..وجزى الله الْأَخ الْكَرِيم، الناشر الْهمام، الشَّيْخ مُحَمَّد بن عبد المحسن.
خير الْجَزَاء بِمَا بذل وَأنْفق فِي التنقيب عَن نفائس كتب السّلف وكنوز المخطوطات، إعلاء لكلمة الله، وَإِظْهَار للدّين الصَّحِيح.
وَصلى الله على رَسُوله الْكَرِيم وعَلى آله وَأَصْحَابه أَجْمَعِينَ.
وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين.
غرَّة رَمَضَان ١٣٨٦ نوفمبر ١٩٦٦ عبد الرحمن مُحَمَّد عُثْمَان
[ ٢٦ ]
الموضوعات يجرى نشر هَذِه الطبعة وهى الأولى نقلا عَن النُّسْخَة الخطية الوحيدة بالجمهورية، المحفوظة بالمكتبة الأزهريه.
بعد تصويرها بقسم التَّصْوِير بدار الْكتب المصرية.
كَذَلِك بعد تَحْقِيق غامض ألفاظها وعباراتها، واستقراء سقط النساخ.
فالخطأ والغامض من الْكَلِمَات والعبارات، بِالْأَصْلِ المخطوط، وضعناه بَين شرطتين ووضعنا صَوَابه بعده بَين أفواس معقوفة.
أما السقط فقد استدركناه استقراءا من مظانه فِي مراجعه الْمُخْتَلفَة، ووضعناه أَيْضا بَين أقواس معقوفة، دون الشرطتين بداهة
وَذَلِكَ تلافيا لِكَثْرَة التعليقات والافتراضات فِي الهوامش مَا أمكن.
حَتَّى تتمّ الْفَائِدَة ويتضح الْمَعْنى فِي ذهن الْقَارئ حَال الْقِرَاءَة.
وَقد جرينا على هَذِه الطَّرِيقَة لمزاياها اعْتِبَارا من الملزمة الرَّابِعَة.
أما مَا اهتدينا إِلَيْهِ من صَوَاب.
فَالله وفْق إِلَيْهِ، وتفضل بِهِ، وأثاب عَلَيْهِ إِن شَاءَ الله.
وَأما مَا كَانَ من خطإ فَمن أَنْفُسنَا.
والعذر فِيهِ أَنا من بنى آدم.
الْمُحَقق
[ ٢٧ ]
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم أَنبأَنَا الشَّيْخ الإِمَام الْعَالم الْحَافِظ جمال الدَّين أَبُو الْفرج عبد الرحمن بن عَليّ بن مُحَمَّد الْجَوْزِيّ الْقرشِي فِيمَا كتب إِلَيّ من بَغْدَاد سنة خمس وَتِسْعين وَخمْس مائَة أَنه قَالَ: الْحَمد لله على التَّعْلِيم حمدا يُوجب الْمَزِيد من التَّقْوِيم، وَالصَّلَاة الْكَامِلَة وَالتَّسْلِيم على مُحَمَّد النَّبِي الْكَرِيم، الْمَبْعُوث بِالْهدى إِلَى الصِّرَاط القويم، الْمُقدم على الْخَلِيل وعَلى الكليم (عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رؤوف رَحِيم) صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله وَأَصْحَابه وَأَتْبَاعه إِلَى يَوْم ظُهُور الهول الْعَظِيم: (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إِلا مَنْ أَتَى الله بقلب سليم) أيقظنا الله وَإِيَّاكُم قبل ذَلِك الْحِين، لأخذ الْعدة، وَثَبت أقدامنا إِذا زعزعت الْأَقْدَام الشدَّة، ورزقنا قولا وفعلا قبل انْقِضَاء الْمدَّة، وَختم صحائفنا بِالْعَفو قبل جفوف قلم الْأَجَل وانتهاء الْمدَّة، وبيض وُجُوهنَا بِالصّدقِ يَوْم نرى الَّذين كذبُوا على الله وُجُوههم مسودة.
أما بعد: فَإِن بعض طلاب الحَدِيث ألح عَليّ أَن أجمع لَهُ الْأَحَادِيث الْمَوْضُوعَة وأعرفه من أَي طَرِيق تعلم أَنَّهَا مَوْضُوعَة، فَرَأَيْت أَن إسعاف الطَّالِب للْعلم بمطلوبه يتَعَيَّن خُصُوصا عِنْد قلَّة الطلاب، لَا سِيمَا لعلم النَّقْل فَإِنَّهُ قد أعرض عَنهُ بِالْكُلِّيَّةِ حَتَّى أَن جمَاعَة من الْفُقَهَاء يبنون على الْعُلُوم الْمَوْضُوعَة.
وَكَثِيرًا من
الْقصاص يُرِيدُونَ الموضوعات، وخلقا من الزهاد يتعبدون بهَا.
وَهَا أَنا أقدم قبل الشُّرُوع فِي الْمَطْلُوب فصولا تكون لذَلِك أصولا وَالله الْمُوفق.
فصل اعْلَم زَاد الله إرشادك وَتَوَلَّى إسعادك أَن الله عزوجل شرف هَذِه الْأمة وفضلها على غَيرهَا من الامم، فَقَالَ عزوجل: [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] وأنبأنا
[ ٢٩ ]
أَبُو الْقَاسِمِ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ الْحُصَيْنِ الشَّيْبَانِيُّ، قَالَ.
أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُذْهِبِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَر حَدثنَا عبد الله بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ " قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرو بن مَيْمُون عَن عبد الله قَالَ: " كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي قُبَّةٍ نَحْوًا مِنْ أَرْبَعِينَ، فَقَالَ: أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبْعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قُلْنَا: نعم، قَالَ: فو الذى نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ " هَذَانِ حديثان مُتَّفق على صحتهما.
أَنْبَأَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن جَعْفَر، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ: حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: " أَلا إِنَّكُمْ تُوفُونَ سَبْعِينَ أُمَّةً أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى ".
فصل ولتكريم هَذِه الْأمة أَسبَاب هيأها الله عزوجل لَهَا وَأَكْرمهَا بهَا، مِنْهَا وفور
الْعقل وَقُوَّة الْفَهم وجودة الذِّهْن، وبهذه الْأَشْيَاء تعرف وجود الصَّانِع، وَيظْهر دَلِيل التَّوْحِيد وَنفى الْمثل والشبه، وَبِذَلِك ينَال الْعلم ويخلص الْعَمَل.
وَلما عدمت هَذِه الْأُصُول عِنْد عَامَّة بنى إِسْرَائِيل قَالُوا: (اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَة) ولقوة أذهان أمتنَا قدرت على حفظ الْقُرْآن، وَقد كَانَ من قبلهم يقْرَأ كِتَابه من الصُّحُف.
وبقوة الْفَهم تلمحوا العواقب فصبروا على الْجِهَاد وذلوا النُّفُوس، وَقد عرضت لمن قبلنَا غزَاة فَقَالُوا: (اذْهَبْ أَنْت وَرَبك فَقَاتلا) وفضائل أمتنَا،
[ ٣٠ ]
وَمَا ميزت بِهِ كثير إِلَّا أَن من أعجب ذَلِك حفظ الله عزوجل لكتابنا عَن تَبْدِيل قَالَ الله عزوجل: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون) فَمَا يُمكن تَبْدِيل كلمة مِنْهُ وَقد بدلت الْكتب قبله.
وَمن ذَلِك أَن سنة نَبينَا ﷺ مأثورة بنقلها خلف عَن سلف، وَلم يكن هَذَا لأحد من الْأمة (١) قبلهَا، وَلما لم يُمكن أحد أَن يدْخل فِي الْقُرْآن شَيْئا لَيْسَ مِنْهُ أَخذ أَقوام يزِيدُونَ فِي حَدِيث رَسُول الله ﷺ وينقصون ويبدلون ويضعون عَلَيْهِ مَا لم يقل، فَأَنْشَأَ الله عزوجل عُلَمَاء يَذبُّونَ عَن النَّقْل، ويوضحون الصَّحِيح ويفضحون الْقَبِيح، وَمَا يخلى الله عزوجل مِنْهُم عصرا من العصور، غير أَن هَذَا النَّسْل قد قل فِي هَذَا الزَّمَان فَصَارَ أعز من عنقاء مغرب.
أَنبأَنَا عبد الملك بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ الْكَرُوخِيُّ قَالَ: أَنبأَنَا عبد الله بْنُ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّمِيمِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا لاحِقُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَفْص الْقَزاز قَالَ: حَدثنَا عبد الملك بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ الطَّائِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ " يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ ".
فصل وَقد كَانَ قدماء الْعلمَاء يعْرفُونَ صَحِيح الْمَنْقُول من سقيمه، ومعلوله من سليمه، ثمَّ يستخرجون حكمه ويستنبطون علمه، ثمَّ طَالَتْ طَرِيق الْبَحْث من بعدهمْ فقلدوهم فِيمَا نقلوا، وَأخذُوا عَنْهُم مَا هذبوا، فَكَانَ الْأَمر متحاملا إِلَى أَن آلت الْحَال إِلَى خلف لَا يفرقون بَين صَحِيح وَسَقِيم، وَلَا يعْرفُونَ نسرا من ظليم، وَلَا
_________________
(١) هَكَذَا بالاصل ولعلها مصحفة من كلمة الامم وهى أقرب للسياق. (*)
[ ٣١ ]
يَأْخُذُونَ الشئ من معدنه، فالفقيه مِنْهُم يقلل التَّعْلِيق فِي خبر حَدثنَا خبر خَبره، والمتعبد ينصب لأجل حَدِيث لَا يدرى من سطره، والقاص يروي للعوام الْأَحَادِيث الْمُنكرَة وَيذكر لَهُم مَا لَو شم ربح الْعلم مَا ذكره، فَيخرج الْعَوام من عِنْده يتدارسون الْبَاطِل فَإِذا أنكر عَلَيْهِم عَالم قَالُوا.
قد سمعنَا هَذَا بأخبرنا وَحدثنَا فكم قد أفسد الْقصاص من الْخلق بالأحاديث الْمَوْضُوعَة، كم لون قد أصفر بِالْجُوعِ وَكم هائم على وَجهه بالسياحة، وَكم مَانع لنَفسِهِ مَا قد أُبِيح، وَكم تَارِك رِوَايَة الْعلم زعما مِنْهُ مُخَالفَة النَّفس فِي هَواهَا فِي ذَلِك، وَكم موتم أَوْلَاده بالتزهد وَهُوَ حَيّ، وَكم معرض عَن زَوجته لَا يوفيها حَقّهَا فَهِيَ لَا أيم وَلَا ذَات بعل.
فصل وَاعْلَم وفقك الله أَن الْأَحَادِيث على سِتَّة أَقسَام، الْقسم الأول مَا اتّفق على صِحَّته وَكَانَ أَبُو عبد الله البُخَارِيّ أول من (١) الصِّحَاح، ثمَّ تبعه مُسلم، وَكَانَ مرادهما الحَدِيث الَّذِي يرويهِ الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور بالرواية عَن رَسُول الله ﷺ، وَلذَلِك الصَّحَابِيّ راويان ثقتان عَنهُ لذَلِك الحَدِيث، ثمَّ يرويهِ عَنهُ التَّابِعِيّ الْمَشْهُور بالرواية عَن الصَّحَابَة، وَله راويان ثقتان عَنهُ، ثمَّ يرويهِ عَنهُ من أَتبَاع التَّابِعين الْحَافِظ المتقن الْمَشْهُور وَله رُوَاة ثقاة، ثمَّ يكون شيخ البُخَارِيّ حَافِظًا متقنا فَهَذِهِ
الدرجَة الْعليا.
وَقد كَانَ مُسلم بن الْحجَّاج أَرَادَ أَن يخرج الصَّحِيح على ثَلَاثَة أَقسَام فِي الروَاة، فَلَمَّا فرغ من الْقسم الأول توفى.
قَالَ الْحَاكِم ﵀: وَقد تركا أَحَادِيث جَيِّدَة الطَّرِيق لنَوْع احْتِيَاط نظرا فِيهِ، مِنْهَا أَحَادِيث رَوَاهَا الثقاة إِلَى الصَّحَابِيّ غير أَن هَذَا الصَّحَابِيّ لم يكن لَهُ غير راو وَاحِد مثل حَدِيث مرداس الْأَسْلَمِيّ والمستورد وذكين لما لم يكن لَهُم راو غير قيس بن أبي حَازِم، وَكَذَلِكَ حَدِيث
_________________
(١) هُنَا بَيَاض فِي الاصل وَلَعَلَّ موضعهَا كلمة خرج بِالتَّشْدِيدِ. (*)
[ ٣٢ ]
عُرْوَة بن ضرس فَإِنَّهُ لَا رَاوِي لَهُ إِلَّا الشّعبِيّ، فَلم يخرجَا ذَلِك، وَكَذَلِكَ حَدِيث عُمَيْر بن قَتَادَة الكتبي (١) لما لم يكن لَهُ راو غير ابْنه عُمَيْر لم يخرجَا حَدِيثه، وَكَذَلِكَ حَدِيث ابْن أبي ليلى الْأنْصَارِيّ لما لم يكن لَهُ راو غير ابْنه عبد الرحمن، وَكَذَلِكَ حَدِيث قيس بن أبي غرزة لما لم يكن لَهُ غير أبي وَائِل شَقِيق بن سَلمَة، وَحَدِيث أُسَامَة بن شريك وَقُطْبَة بن مَالك لما لم يكن لَهما راو غير زِيَاد بن علاقَة، قَالَ: وَكَذَلِكَ تركا أَحَادِيث عَن التَّابِعين إِذْ لم يكن لأَحَدهم راو غير عَمْرو بن دِينَار، وَكَذَلِكَ عَمْرو بن أبان بن عُثْمَان وَمُحَمّد بن عُرْوَة بن الزبير وَسنَان بن أبي سِنَان لَيْسَ لَهُم راو غير الزُّهْرِيّ، وَكَذَلِكَ يُوسُف بن مَسْعُود الزرقي وَعبد الله بن أنيس الْأنْصَارِيّ وَعبد الرَّحْمَن بن الْمُغيرَة تفرد بالرواية عَنْهُم يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ، فَلم يخرجَا عَنْهُم، وَكَذَلِكَ فعلا فِي أَحَادِيث غرائب يَرْوِيهَا الثقاة الْعُدُول لما انْفَرد بهَا وَاحِد من الثقاة تركاها مثل حَدِيث الْعَلَاء بن عبد الرحمن عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة إِن النَّبِي ﷺ قَالَ: " إِذا انتصف شعْبَان فَلَا تَصُومُوا حَتَّى يجِئ رَمَضَان " وَقد خرج مُسلم كثيرا من حَدِيث الْعَلَاء فِي الصَّحِيح وَترك هَذَا وأشباهه مِمَّا انْفَرد بِهِ الْعَلَاء عَن أَبِيه.
وَقد ترك أَحَادِيث جمَاعَة عَن آبَائِهِم عَن أجدادهم لكَون ذَلِك لم يتواتر إِلَّا من حَدِيثهمْ كَحَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده
وبهز بن حَكِيم عَن أَبِيه عَن جده.
وَإيَاس بن مُعَاوِيَة بن قُرَّة عَن أَبِيه عَن جده وأجدادهم من الصَّحَابَة.
وَقد يروي الحَدِيث ثِقَة فيسنده، ثمَّ يرويهِ جمَاعَة فَلَا يَرْفَعُونَهُ فيتركان إِخْرَاجه.
قَالَ المُصَنّف: وَاعْلَم أَن الَّذِي ذكره الْحَاكِم من اشْتِرَاط عَدْلَيْنِ عَن عَدْلَيْنِ لَيْسَ بِصَحِيح فَإِنَّهُمَا مَا اشْترطَا هَذَا، وَإِنَّمَا ظَنّه الْحَاكِم وَقدره فِي نَفسه وظنه غلط، وَإِنَّمَا قد يتَّفق مثل هَذَا، وَقَوله تركا رِوَايَة من لَيْسَ لَهُ غير راو وَاحِد غلط أَيْضا "،
_________________
(١) هَكَذَا هِيَ بالاصل ولعلها مصحفة من كلمة الليثى. (٣ الموضوعات ١) (*)
[ ٣٣ ]
فَإِن البُخَارِيّ وَمُسلمًا قد أخرجَا حَدِيث الْمسيب بن حزن فِي وَفَاة أبي طَالب وَلم يرو عَن الْمسيب غير ابْنه سعيد.
وَأخرج البُخَارِيّ حَدِيث قيس بن أبي حَازِم عَن مرداس الْأَسْلَمِيّ: " يذهب الصالحون أَولا أَولا "، وَلَيْسَ لمرداس راو غير قيس وَأخرج حَدِيث الْحسن الْبَصْرِيّ عَن عَمْرو بن تغلب: " إِنِّي لأعطى الرجل وَالَّذِي أدع أحب إِلَى " وَلم يروه عَن عَمْرو غير الْحسن فِي أَشْيَاء كَثِيرَة عِنْد البُخَارِيّ.
وَأخرج مُسلم حَدِيث الْأَغَر الْمُزنِيّ " إِنَّه ليغان على قلبِي " وَلم يرو عَنهُ غير أبي بردة وَأخرج حَدِيث أبي رِفَاعَة الْعَدْوى، وَلم يرو عَنهُ غير عبد الله بن الصَّامِت، وَأخرج حَدِيث ربيعَة بن كَعْب الْأَسْلَمِيّ، وَلم يرو عَنهُ غير أبي سَلمَة بن عبد الرحمن فقد كَانَ الْحَاكِم مجزفا فِي قَوْله، وَإِنَّمَا اشْترط البُخَارِيّ وَمُسلم الثِّقَة والاشتهار وَقد تركا أَشْيَاء كَثِيرَة تَركهَا قريب وَأَشْيَاء لاوجه لتركها، فمما ترك البُخَارِيّ الرِّوَايَة عَن حَمَّاد بن سَلمَة مَعَ علمه بِثِقَتِهِ لِأَنَّهُ قيل لَهُ إِنَّه كَانَ لَهُ ربيب يدْخل فِي حَدِيثه مَا لَيْسَ مِنْهُ، وَترك الرِّوَايَة عَن سهل بن أبي صَالح لِأَنَّهُ قد تكلم فِي سَمَاعه من أَبِيه وَقيل صحيفه، وَاعْتمد عَلَيْهِ مُسلم لما وجده تَارَة يحدث عَن أَخِيه عَن أَبِيه وَتارَة عَن
عبد الله بن دِينَار مرّة عَن الْأَعْمَش عَن أَبِيه فَلَو كَانَ سَمَاعه صحيفه كَانَ يروي الْكل عَن أَبِيه، وَمن الْأَشْيَاء الَّتِى لاوجه لتركها أَن يرفع الحَدِيث ثِقَة فيقفه آخر فَترك هَذَا لاوجه لَهُ، لِأَن الرّفْع زِيَادَة وَالزِّيَادَة من الثِّقَة مَقْبُولَة إِلَّا أَن يفقه الْأَكْثَرُونَ وَيَرْفَعهُ وَاحِد فَالظَّاهِر غلطه، وَإِن كَانَ من الْجَائِز أَن يكون قد حفظ دونهم، وَأما ترك حَدِيث ثِقَة لكَونه لم يرو عَنهُ غير وَاحِد فقبيح لِأَنَّهُ إِذا صَحَّ النَّقْل وَجب أَن يخرج.
وَأما حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب فَإِن شعيبا هُوَ ابْن مُحَمَّد بن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ فَإِذا قَالَ: عَن أَبِيه عَن جده فَإِن أَرَادَ بجده مُحَمَّدًا فَلَيْسَ بصحابى، وَإِن أَرَادَ بجده عبد الله فقد لقِيه شُعَيْب وَسمع مِنْهُ، وَإِذا لم يقل عَن جده عبد الله احْتمل، فَهَذَا عذر لمن ترك إِخْرَاج هَذَا، فَهَذَا الْكَلَام مشعب من ذكر كَمَا اتّفق البُخَارِيّ وَمُسلم على إِخْرَاجه وَهُوَ الْقسم الأول وَهُوَ الْغَايَة.
[ ٣٤ ]
الْقسم الثَّانِي: مَا انْفَرد بِهِ البُخَارِيّ أَو مُسلم فَهَذَا مَحْكُوم لَهُ بِالصِّحَّةِ عِنْد جُمْهُور أهل النَّقْل.
الْقسم الثَّالِث: مَا صَحَّ سَنَده على رَأْي أحد الشَّيْخَيْنِ فَيلْحق بِمَا أَخْرجَاهُ إِذا لم يعرف لَهُ عِلّة مَانِعَة، وَهَذَا يعز وجوده ويقل، وَقد صنف أَبُو عبد الله الْحَاكِم كتابا كَبِيرا سَمَّاهُ الْمُسْتَدْرك على الشَّيْخَيْنِ وَلَو نُوقِشَ فِيهِ بَان غلطه.
الْقسم الرَّابِع: مَا فِيهِ ضعف قريب مُحْتَمل وَهَذَا هُوَ الْحسن وَيصْلح الْبناء عَلَيْهِ وَالْعَمَل بِهِ، وَقد كَانَ أَحْمد بن حَنْبَل يقدم الحَدِيث الضَّعِيف على الْقيَاس.
الْقسم الْخَامِس: الشَّديد الضعْف الْكثير التزلزل، فَهَذَا تَتَفَاوَت مراتبه عِنْد الْعلمَاء فبعضهم يُدْنِيه من الحسان وَيَزْعُم أَنه لَيْسَ بِقَوي التزلزل، وَبَعْضهمْ يرى شدَّة تزلزله فيلحقه بالموضوعات.
وَالْقسم السَّادِس: الموضوعات الْمَقْطُوع بِأَنَّهَا محَال وَكذب، فَتَارَة تكون
مَوْضُوعَة فِي نَفسهَا وَتارَة تُوضَع على الرَّسُول ﷺ وهى كَلَام غَيره.
فصل وَأما الْأَقْسَام الْأَرْبَعَة الأول فالقلب عِنْدهَا سَاكن، وَأما الْقَاسِم الْخَامِس: فقد جمعت لكم جمهوره فِي كتابي الْمُسَمّى " بالعلل المتناهية فِي الْأَحَادِيث الْوَاهِيَة " وَقد جردت لَك فِي ذَلِك الْكتاب " الموضوعات " إِلَّا أَنِّي لما رَأَيْتهَا كَثِيرَة وَرَأَيْت أَقْوَامًا قد وضعُوا نسخا وَجعلُوا الحَدِيث الْوَاحِد أوراقا كَثِيرَة تركت ذكر مَا لَا يخفى أَنه مَوْضُوع، وَرُبمَا كتبت بعض الحَدِيث المطول ورفضت بعضه لتطويله وركاكة أَلْفَاظه شحا على الزَّمَان أَن يذهب فِيمَا لَيْسَ فِيهِ كَبِير فَائِدَة.
فصل وَاعْلَم أَن الروَاة الَّذين وَقع فِي حَدِيثهمْ الْمَوْضُوع وَالْكذب والمقلوب انقسموا خَمْسَة أَقسَام:
[ ٣٥ ]
الْقسم الأول: قوم غلب عَلَيْهِم الزّهْد والتقشف فتغفلوا عَن الْحِفْظ والتمييز وَمِنْهُم من ضَاعَت كتبه أَو احترقت أَو دَفنهَا ثمَّ حدث من حفظه فغلط، فَهَؤُلَاءِ تَارَة يرفعون الْمُرْسل وَتارَة يسندون الْمَوْقُوف، وَتارَة يقلبون الْإِسْنَاد وَتارَة يدْخلُونَ حَدِيثا فِي حَدِيث.
وَالْقسم الثَّانِي: قوم لم يعانوا على النَّقْل فَكثر خطأهم وفحش على نَحْو مَا جرى للقسم الأول.
وَالْقسم الثَّالِث: قوم ثقاة لكِنهمْ اخْتلطت عُقُولهمْ فِي آخر أعمارهم فخلطوا فِي الرِّوَايَة.
وَالْقسم الرَّابِع: قوم غلب عَلَيْهِم السَّلامَة والغفلة، ثمَّ انقسم هَؤُلَاءِ فَمنهمْ من كَانَ يلقن فيتلقن، وَيُقَال لَهُ: قل فَيَقُول.
وَقد كَانَ بعض أَوْلَاد هَؤُلَاءِ
أَو.. (١) يضع لَهُ الحَدِيث فيدون وَلَا يعلم، وَمِنْهُم من كَانَ يروي الْأَحَادِيث، وَإِن لم تكن سَمَاعا لَهُ ظنا مِنْهُ أَن ذَلِك جَائِز.
وَقد قيل لبَعض متغفليهم: هَذِه الصَّحِيفَة سماعك؟ فَقَالَ: لَا وَلَكِن مَاتَ الَّذِي رَوَاهَا فرويتها مَكَانَهُ.
وَالْقسم الْخَامِس: قوم تعمدوا الْكَذِب، ثمَّ انقسم هَؤُلَاءِ ثَلَاثَة أَقسَام: الْقسم الأول: قوم رووا الْخَطَأ من غير أَن يعلمُوا أَنه خطأ، فَلَمَّا عرفُوا وَجه الصَّوَاب وأتقنوا بِهِ أصروا على الْخَطَأ أَنَفَة من أَن ينسبوا إِلَى غلط.
وَالْقسم الثَّانِي: قوم رووا عَن كَذَّابين وضعفاؤهم يعلمُونَ ودلسوا أَسْمَاءَهُم فالكذب من أُولَئِكَ الْمَجْرُوحين وَالْخَطَأ الْقَبِيح من هَؤُلَاءِ المدلسين وهم فِي مرتبَة الْكَذَّابين لما قد صَحَّ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: " من روى عَنى حَدِيثا يرى أَنه كذب فَهُوَ أحد الْكَذَّابين " وَمن هَذَا الْقسم قوم رووا عَن أَقوام
_________________
(١) هُنَا بَيَاض فِي الاصل لَعَلَّ مَكَانَهُ روانه. (*)
[ ٣٦ ]
مَا رَأَوْهُمْ مثل إِبْرَاهِيم بن هدبة عَن أنس، وَكَانَ بواسط شيخ يحدث عَن أنس وَيحدث عَن شريك، فَقيل لَهُ حِين حدث عَن أنس لَعَلَّك سمعته من شريك؟ فَقَالَ لَهُم: أَقُول لكم الصدْق سَمِعت هَذَا من أنس عَن شريك.
وَقد حدث عبد الله بن إِسْحَاق الْكرْمَانِي عَن مُحَمَّد بن أبي يَعْقُوب، فَقيل لَهُ: مَاتَ مُحَمَّد قبل أَن تولد بتسع سِنِين.
وَحدث مُحَمَّد بن حَاتِم الكتبي عَن عبد بن حميد، فَقَالَ أَبُو عبد الله الْحَاكِم: هَذَا الشَّيْخ سمع من عبد بن حميد بعد مَوته بِثَلَاث عشرَة سنة.
الْقسم الثَّلَاث: قوم تعمدوا الْكَذِب الصَّرِيح لَا لأَنهم أخطأوا وَلَا لأَنهم رووا عَن كَذَّاب فَهَؤُلَاءِ تَارَة يكذبُون فِي الْأَسَانِيد فيروون عَمَّن لم بسمعوا مِنْهُ وَتارَة يسرقون الْأَحَادِيث الَّتِي يَرْوِيهَا غَيرهم، وَتارَة يضعون أَحَادِيث وَهَؤُلَاء
الوضاعون انقسموا سَبْعَة أَقسَام: الْقسم الأول: الزَّنَادِقَة الَّذين قصدُوا إِفْسَاد الشَّرِيعَة وإيقاع الشَّك فِيهَا فِي قُلُوب الْعَوام والتلاعب بِالدّينِ، كَعبد الْكَرِيم بن أبي العرجاء، وَكَانَ خَال معن ابْن زَائِدَة وربيب حَمَّاد بن سَلمَة، وَكَانَ يدس الْأَحَادِيث فِي كتب حَمَّاد كَذَلِك قَالَ أَبُو أَحْمد ابْن عدي الْحَافِظ، فَلَمَّا أَخذ بن أبي العرجاء أَتَى بِهِ مُحَمَّد بن سُلَيْمَان ابْن عَليّ فَأمر بِضَرْب عُنُقه، فَلَمَّا أَيقَن بِالْقَتْلِ، قَالَ: وَالله لقد وضعت فِيكُم أَرْبَعَة آلَاف حَدِيث أحرم فِيهَا الْحَلَال وَأحل فِيهَا الْحَرَام، وَلَقَد فطرتكم فِي يَوْم صومكم وصومتكم فِي يَوْم فطركم.
أَنبأَنَا يحيى بن عَليّ قَالَ أَنبأَنَا أَحْمد بن عَليّ بن ثَابت، قَالَ: أَنبأَنَا أَبُو سعيد أَحْمد بن الْمَالِينِي، قَالَ: أَنبأَنَا عبد الله بن عدي الْحَافِظ، قَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن عَليّ الْمَدِينِيّ قَالَ: حَدثنَا أَبُو أُميَّة قَالَ: حَدثنَا سُلَيْمَان بن حَرْب قَالَ حَدثنَا حَمَّاد ابْن زيد.
أَو قَالَ: حَدثنِي صَاحب لي عَن حَمَّاد بن زيد عَن جَعْفَر بن سُلَيْمَان
[ ٣٧ ]
قَالَ: سَمِعت المهدى يَقُول: أقرّ عِنْدِي رجل من الزَّنَادِقَة أَنه وضع أَربع مائَة حَدِيث فَهِيَ تحول فِي أَيدي النَّاس.
قَالَ المُصَنّف: وَكَانَ مِمَّن يضع الحَدِيث مُغيرَة بن سعيد وَبَيَان.
قَالَ ابْن نمير: كَانَ مُغيرَة ساحرا، وَكَانَ بَيَان زنديقا فَقَتَلَهُمَا خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي وأحرقهما بالنَّار.
وَقد كَانَ فِي هَؤُلَاءِ الزَّنَادِقَة من مُغفل فيدس فِي كِتَابه مَا لَيْسَ من حَدِيثه فيرويه ذَلِك الشَّيْخ ظنا مِنْهُ أَن ذَلِك من حَدِيثه.
أَنبأَنَا عبد الْوَهَّاب بن الْمُبَارك الْحَافِظ قَالَ أَنبأَنَا قاضى الْقُضَاة أَبُو بكر الشَّامي قَالَ: أَنبأَنَا أَبُو الْحسن العسقي قَالَ حَدثنَا يُوسُف بن الدخيل قَالَ حَدثنَا أَبُو جَعْفَر العقيل قَالَ حَدثنَا أَحْمد بن عَليّ الْأَبَّار قَالَ حَدثنَا عبد الرحيم بن حَازِم الْبَلْخِي
قَالَ حَدثنَا الحكم ابْن الْمُبَارك قَالَ: سَمِعت حَمَّاد بن زيد يَقُول: وضعت الزَّنَادِقَة على رَسُول الله ﷺ أَرْبَعَة عشر ألف حَدِيث.
الْقسم الثَّانِي: قوم كَانُوا يقصدون وضع الحَدِيث نصْرَة لمذهبهم، وسول لَهُم الشَّيْطَان أَن ذَلِك جَائِز وَهَذَا مَذْكُور عَن قوم من المسالمية.
أَنبأَنَا أَبُو مَنْصُور بن جبرون عَن أبي مُحَمَّد الْجَوْهَرِي عَن الدَّارَقُطْنِيّ عَن أبي حَاتِم بن حبَان الْحَافِظ قَالَ: سَمِعت عبد الله بن عَليّ يَقُول: سَمِعت مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْجُنَيْد يَقُول: سَمِعت عبد الله بن يزِيد المعري يَقُول عَن رجل من أهل الْبدع رَجَعَ عَن بدعته فَجعل يَقُول: انْظُرُوا هَذَا الحَدِيث مِمَّن تأخذونه فَإنَّا كُنَّا إِذا رَأينَا رَأيا جعلنَا لَهُ حَدِيثا.
أَنبأَنَا أَبُو بكر مُحَمَّد بن عبد الْبَاقِي الْبَزَّار قَالَ: أَنبأَنَا أَبُو مُحَمَّد الْجَوْهَرِي قَالَ: أَنبأَنَا إِبْرَاهِيم بن أَحْمد الْحرفِي قَالَ: حَدثنَا جَعْفَر بن مُحَمَّد الفيريابي قَالَ حَدثنِي يُوسُف بن الْفرج أَبُو نعيم الْحلَبِي وَإِسْحَاق بن البهلول الْأَنْبَارِي قَالَ حَدثنَا عبد الله ابْن يزِيد الْمقري قَالَ حَدثنَا ابْن لَهِيعَة قَالَ سَمِعت شَيخا مِمَّن الْخَوَارِج تَابَ وَرجع
[ ٣٨ ]
وَهُوَ يَقُول: إِن هَذِه الْأَحَادِيث دين فانظروا عَمَّن تأخذون دينكُمْ فَإنَّا كُنَّا إِذا هوينا أمرا صيرناه حَدِيثا.
أَنبأَنَا أَبُو المعمر الْأنْصَارِيّ قَالَ أَنبأَنَا أَبُو مُحَمَّد السَّمرقَنْدِي قَالَ أَنبأَنَا أَبُو بكر ابْن ثَابت الْخَطِيب قَالَ أَنبأَنَا أَبُو الْحسن عَليّ بن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم الْبَزَّاز قَالَ حَدثنَا يزِيد بن إِسْمَاعِيل الْخلال قَالَ حَدثنَا أَبُو عَوْف الْبزورِي قَالَ حَدثنَا عبد الله ابْن أبي أُميَّة قَالَ حَدثنِي حَمَّاد بن سَلمَة قَالَ حَدثنِي شيخ لَهُم يعْنى الرافضة قَالَ: كُنَّا إِذا اجْتَمَعنَا استحسنا شَيْئا جَعَلْنَاهُ حَدِيثا.
أَنبأَنَا مُحَمَّد بن نَاصِر الْحَافِظ عَن أبي بكر بن خلف الشِّيرَازِيّ قَالَ سَمِعت
الْحَاكِم أَبَا عبد الله النَّيْسَابُورِي يَقُول: مُحَمَّد بن الْقَاسِم الطالكاني وَكَانَ من رُؤَسَاء المرجئة مِمَّن يضع الحَدِيث على مَذْهَبهم أَنبأَنَا أَبُو المعمر قَالَ أَنا عبد الله بن أَحْمد السَّمرقَنْدِي قَالَ أَنا أَبُو بكر بن عَليّ بن ثَابت قَالَ: أَنبأَنَا القَاضِي أَبُو الْحسن على ابْن مُحَمَّد بن حبيب قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن الْمُعَلَّى الْأَزْدِيّ قَالَ أَنبأَنَا مُحَمَّد بن حمدَان قَالَ حَدثنَا أَبُو العيناء عَن أبي أنس الْحَرَّانِي قَالَ: قَالَ الْمُخْتَار لرجل من أَصْحَاب الحَدِيث ضع لي حَدِيثا عَن النَّبِي ﷺ أَنِّي كَائِن بعده خَليفَة وطالب لَهُ بترة وَلَده وَهَذِه عشرَة آلَاف دِرْهَم وخلعة ومركوب وخادم، فَقَالَ الرجل: أما عَن النَّبِي ﷺ فَلَا، وَلَكِن اختر من شِئْت من الصَّحَابَة وأحطك من الثّمن مَا شِئْت قَالَ عَنى النَّبِي ﷺ أوكد، قَالَ والعذات أَشد.
وَالْقسم الثَّالِث: قوم وضعُوا الاحاديث فِي التَّرْغِيب والترهيب ليحئوا النَّاس بزعمهم على الْخَيْر ويزجروهم عَن الشرو هَذَا تعاط (١) على الشَّرِيعَة ومضمون فعلهم أَن الشَّرِيعَة نَاقِصَة تحْتَاج إِلَى تَتِمَّة فقد أتممناها.
_________________
(١) هِيَ كَذَلِك بالاصل ولعلها مصحفة من كلمة افتئات. (*)
[ ٣٩ ]
أَنبأَنَا إِسْمَاعِيل بن أَحْمد السَّمرقَنْدِي قَالَ أَنبأَنَا إِسْمَاعِيل بن أبي الْفضل الْإِسْمَاعِيلِيّ قَالَ أَنبأَنَا حَمْزَة بن يُوسُف السَّهْمِي قَالَ أَنبأَنَا أَبُو أَحْمد بن عدي قَالَ سَمِعت أَبَا عبد الله النهاوندي قَالَ: قلت لغلام خَلِيل هَذِه الْأَحَادِيث الَّتِي تحدث بهَا من الرَّقَائِق، فَقَالَ: وضعناها لنرقق بهَا قُلُوب الْعَامَّة.
أَنبأَنَا أَبُو مَنْصُور عبد الرحمن بن مُحَمَّد الْقَزاز قَالَ أَنبأَنَا أَبُو بكر أَحْمد بن عَليّ ابْن ثَابت قَالَ: حَدثنِي الْحسن بن عَليّ التَّمِيمِي قَالَ: قَرَأت على أبي بكر مُحَمَّد بن الْحسن المقرى قَالَ: قالى أَبُو جَعْفَر بن الشعيري لما حدث غُلَام خَلِيل عَن بكر ابْن عِيسَى عَن أبي عوان قلت لَهُ: يَا أَبَا عبد الله إِن هَذَا الرجل قديم الْوَفَاة، وَلم
تلْحقهُ أَنْت وَلَا من فِي سنك ففكر فِي هَذَا ثمَّ خفته (١) فَقلت لَهُ أحسبك سَمِعت من رجل يُقَال لَهُ بكر بن عِيسَى حَدثَك عَن بكر بن عِيسَى هَذَا فَسكت وافترقنا فَلَمَّا كَانَ من الْغَد قَالَ: يَا أَبَا جَعْفَر علمت أَنى نظرت البارحة فِيمَن سَمِعت مِنْهُ بِالْبَصْرَةِ يُقَال لَهُ بكر بن عِيسَى فوجدتهم سِتِّينَ رجلا.
قَالَ المُصَنّف: كَانَ غُلَام خَلِيل يتزهد ويهجن شهوات الدُّنْيَا وبتقوت الباقلا تصوفا، وغلقت أسواق بَغْدَاد يَوْم مَوته فَحسن لَهُ السُّلْطَان هَذَا الْفِعْل نسْأَل الله السَّلامَة.
أَنبأَنَا أَبُو مَنْصُور بن خيرون عَن أبي مُحَمَّد الْجَوْهَرِي عَن الدَّارَقُطْنِيّ عَن أبي حَاتِم بن حبَان الْحَافِظ قَالَ سَمِعت عبد الله بن جَابر يَقُول: سَمِعت جَعْفَر بن مُحَمَّد الا دين يَقُول: سَمِعت مُحَمَّد بن عِيسَى الطباع، يَقُول: سَمِعت بن مهدى يَقُول لِميسرَة بن عبد ربه من أَيْن جِئْت بِهَذِهِ الْأَحَادِيث: من قَرَأَ كَذَا فَلهُ كَذَا قَالَ وَضَعتهَا أَرغب النَّاس فِيهَا.
قَالَ ابْن حبَان وَحدثنَا مَكْحُول قَالَ حَدثنَا أَبُو الْحُسَيْن الرهاوي قَالَ سَأَلت عبد الْجَبَّار بن مُحَمَّد بن أبي دَاوُد النَّخعِيّ، فَقَالَ: كَانَ أطول
_________________
(١) هِيَ كَذَلِك بالاصل ولعلها مصحفة من خنقه أَي الْبكاء. (*)
[ ٤٠ ]
النَّاس قيَاما بلَيْل وَأَكْثَرهم صياما بنهار وَكَانَ يضع الحَدِيث وضعا.
قَالَ ابْن حبَان: وَكَانَ أَبُو بشر أَحْمد بن مُحَمَّد الْفَقِيه الْمروزِي من أَصْلَب أهل زمانة فِي السّنة وأذپهم عَنْهَا وأقمعهم لمن خالفها، وَكَانَ مَعَ هَذَا يضع الحَدِيث.
قد وضع فِي فَضَائِل قزوين نَحْو أَرْبَعِينَ حَدِيثا كَانَ يَقُول إِنِّي أحتسب فِي ذَلِك.
أَنبأَنَا مُحَمَّد بن نَاصِر الْحَافِظ أَنبأَنَا أَبُو بكر بن خلف الشِّيرَازِيّ عَن أَبى عبد الله الْحَاكِم قَالَ سَمِعت أَبَا عَليّ الْحَافِظ يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن يُونُس الْمقري يَقُول سَمِعت جَعْفَر بن أَحْمد بن نصر يَقُول سَمِعت أَبَا عمار الْمروزِي يَقُول: قيل لأبي
عصمَة نوح بن أبي مَرْيَم الْمروزِي من أَيْن لَك عَن عِكْرِمَة عَن بن عَبَّاس فِي فَضَائِل الْقُرْآن سُورَة سُورَة وَلَيْسَ عِنْد أَصْحَاب عِكْرِمَة هَذَا! فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْت النَّاس أَعرضُوا عَن الْقُرْآن وَاشْتَغلُوا بِفقه أبي حنيفَة وَمَغَازِي ابْن إِسْحَاق فَوضعت هَذَا الحَدِيث حسبَة.
وَقد حكى مُؤَمل بن إِسْمَاعِيل أَن رجلا وضع فِي فَضَائِل الْقُرْآن حَدِيثا طَويلا.
وَسَيَأْتِي فِي كتاب الْعلم إِن شَاءَ الله.
أَنبأَنَا إِسْمَاعِيل بن أَحْمد أَنبأَنَا أَبُو الْقَاسِم الْإِسْمَاعِيلِيّ أَنبأَنَا حَمْزَة السَّهْمِي أَنبأَنَا أَبُو أَحْمد بن عدي سَمِعت أَبَا بدر أَحْمد بن خَالِد يَقُول: كَانَ وهب بن حَفْص من الصَّالِحين مكث عشْرين سنة لَا يكلم أحدا.
قَالَ أَبُو عرُوبَة، وَكَانَ يكذب كذبا فَاحِشا.
أَنبأَنَا أَبُو المعمر الْأنْصَارِيّ قَالَ أَنبأَنَا أَبُو مُحَمَّد بن السَّمرقَنْدِي قَالَ أَنبأَنَا أَبُو بكر بن ثَابت قَالَ أَنبأَنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر بن عَلان قَالَ أَنبأَنَا أَبُو الْفَتْح مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الْأَزْدِيّ حَدثنَا الْحُسَيْن بن مُحَمَّد حَدثنَا عبيد الله بن عمر النواريزي قَالَ: سَمِعت يحيى بن سعيد الْقطَّان يَقُول.
مَا رَأَيْت الْكَذِب فِي أحد أَكثر مِنْهُ فِي من ينْسب إِلَى الْخَيْر والزهد.
الْقسم الرَّابِع: قوم استجازوا وضع الْأَسَانِيد لكل كَلَام حسن، فأنبأنا
[ ٤١ ]
عبد الْوَهَّاب الْحَافِظ قَالَ أَنبأَنَا ابْن بكران القَاضِي قَالَ أَنبأَنَا العتيقي قَالَ حَدثنَا يُوسُف ابْنُ الدَّخِيلِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَر الْعقيلِيّ قَالَ حَدثنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن صَدَقَة قَالَ حَدثنَا أَبُو زرْعَة الدِّمَشْقِي قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن خَالِد عَن أَبِيه قَالَ سَمِعت مُحَمَّد بن سعيد يَقُول: لَا بَأْس إِذا كَانَ كَلَام حسن أَن تضع لَهُ إِسْنَادًا.
الْقسم الْخَامِس: قوم كَانَ يعرض لَهُم غَرَض فيضعون الحَدِيث.
فَمنهمْ من قصد بذلك التَّقَرُّب إِلَى السُّلْطَان بنصرة غَرَض كَانَ لَهُ كغياث بن إِبْرَاهِيم فَإِنَّهُ
حِين أَدخل على المهدى وَكَانَ المهدى يحب الْحمام إِذا قدامه حمام فَقيل لَهُ حدث أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ حَدثنَا فلَان عَن فلَان أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: " لاسبق إِلَّا فِي نصل أَو خف أَو حافر أَو جنَاح " فَأمر لَهُ المهدى ببدرة، فَلَمَّا قَامَ قَالَ: اشْهَدْ على فَقَالَ أَنه فتأ (١) كَذَّاب على رَسُول الله ﷺ قَالَ المهدى أَنا حَملته على ذَلِك.
ثمَّ أَمر بِذبح الْحمام ورفض مَا كَانَ فِيهِ.
وَمِنْهُم من كَانَ يضع الحَدِيث جَوَابا لسائليه كَمَا روى المعيطي عَن إِبْرَاهِيم بن أبي يحيى أَنه سُئِلَ عَن رجل أعْطى الْغَزل الحائك فنسج لَهُ وَفضل مِنْهُ خيوط، فَقَالَ صَاحب الثَّوْب هِيَ لي وَقَالَ النساج هِيَ لي فالخيوط لمن؟ فَقَالَ إِبْرَاهِيم: حَدثنِي ابْن جريج عَن عَطاء قَالَ: إِن كَانَ صَاحب الثَّوْب أعطَاهُ إِلَّا ردهالح (٢) فالخيوط لَهُ، وَإِلَّا فَهِيَ للحائك.
وَمِنْهُم من كَانَ يَضَعهُ فِي ذمّ من يُرِيد أَن يذمه كَمَا روينه عَن سعد بن طريف أَنه رأى ابْنه يبكى، فَقَالَ: مَالك، فَقَالَ: ضَرَبَنِي الْمعلم، فَقَالَ: أَنا وَالله لأخزينهم، حَدثنِي عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: " معلمو صِبْيَانكُمْ شِرَاركُمْ " وَقِيلَ لِمَأْمُونِ بْنِ أَحْمَدَ الأَثَرِيِّ (٣) إِلَى الشَّافِعِيِّ وَإِلَى مَنْ تَبِعَ لَهُ بِخُرَاسَانَ، فَقَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بن عبيد الله حَدثنَا عبد الله بن معدان عَن
_________________
(١) هَكَذَا وَردت الْعبارَة بالاصل وَالْمَحْفُوظ بدلهَا: أشهد على قفاك أَنه قفا كَذَّاب.
(٢) هِيَ كَذَلِك بالاصل أَيْضا ولعلها مصحفة من كلة أجرهَا.
(٣) هِيَ كَذَلِك بالاصل أَيْضا ولعلها مصحفة من كلة أَلا ترى. (*)
[ ٤٢ ]
أَنْسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " يَكُونُ فِي أُمَّتِي رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ أَضَرُّ عَلَى أُمَّتِي مِنْ إِبْلِيسَ " وَسَنَذْكُرُ هَذَا فِيمَا بعد.
وَقيل لِمُحَمَّدِ بْنِ عُكَاشَةَ الْكَرْمَانِيِّ إِنَّ قَوْمًا يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ فِي الرُّكُوعِ وَبَعْدَ رَفْعِ الرَّأْسِ مِنَ الرُّكُوعِ، فَقَالَ حَدَّثَنَا الْمُسَيَّبُ بْنُ وَاضِحٍ حَدثنَا عبد الله بْنُ الْمُبَارَكِ
عَنْ يُوسُفَ بْنِ يَزِيدَ عَنِ الزَّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ " مَنْ رَفَعَ يَدَيْهِ فِي الرُّكُوعِ فَلا صَلاةَ لَهُ ".
الْقسم السَّادِس: قوم وضعُوا أَحَادِيث فِي ضد الأغراب ليطلبوا وَيسمع مِنْهُم.
قَالَ أَبُو عبد الله الْحَاكِم مِنْهُم إِبْرَاهِيم بن إليسع وَهُوَ ابْن أبي حَبَّة كَانَ يحدث عَن جَعْفَر الصَّادِق وَهِشَام بن عُرْوَة فيركب حَدِيث هَذَا على حَدِيث ذَاك لتستغرب تِلْكَ الْأَحَادِيث بِتِلْكَ الْأَسَانِيد.
قَالَ وَمِنْهُم حَمَّاد بن عَمْرو النصيبنى وبهلول بن عبيد وأصرم بن حَوْشَب، وَمِنْهُم من كَانَ يدعى سَماع من لم يسمع مِنْهُ ليكْثر حَدِيثه.
قَالَ عَمْرو بن عون: قدم علينا شيخ مخضوب بِالْحِنَّاءِ يحدث عَن أنس فَاجْتمع عَلَيْهِ خلق أَكثر من عشْرين ألفا وَحمل حَدِيثه إِلَى هشيم وَيزِيد بن هَارُون، فَقَالُوا: أَحَادِيث صِحَاح سمعناها من حميد والتيمي فَدخل السُّوق فَاشْترى مغازي ابْن إِسْحَاق وَقعد يحدث عَنهُ، فَقَالُوا لَهُ: أَيْن رَأَيْته فَبكى وَقَالَ الصدْق يزين كل شئ لم أره لكني أَخْبرنِي أنس عَنهُ فمزقوا الْكتب.
وروى مُسلم بن الْحجَّاج أَن يحيى بن أَكْثَم دخل مَعَ أَمِير الْمُؤمنِينَ حمص فَرَأى كل من بهَا شَبيه التيران فَدخل شيخ على رَأسه ديبة وَله جُبَّة فأدناه وَقَالَ يَا شيخ من أتيت، قَالَ: اسْتَغْنَيْت عَن جَمِيع النَّاس بشيخي، قَالَ: وَمن لقى شيخك؟ قَالَ الْأَوْزَاعِيّ.
قَالَ الْأَوْزَاعِيّ عَمَّن؟ قَالَ: عَن مَكْحُول.
قَالَ وَمَكْحُول
[ ٤٣ ]
عَمَّن؟ قَالَ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة.
قَالَ وسُفْيَان عَمَّن! قَالَ عَن عَائِشَة.
فَقَالَ لَهُ يحيى: يَا شيخ أَرَاك تعلو إِلَى أَسْفَل.
الْقسم السَّابِع: قوم شقّ عَلَيْهِم الْحِفْظ فَضربُوا نقد الْوَقْت وَرُبمَا رَأَوْا أَن الْحِفْظ مَعْرُوف فَأتوا بِمَا يغرب مِمَّا يحصل مَقْصُود هم فَهَؤُلَاءِ قِسْمَانِ أَحدهمَا الْقصاص
ومعظم الْبلَاء مِنْهُم يجرى، لأَنهم يزِيدُونَ أَحَادِيث تثقف وترقق والصحاح يقل فِيهَا هَذَا.
ثمَّ إِن الْحِفْظ يشق عَلَيْهِم ويتفق عدم الدَّين وَمن يحضرهم جهال فَيَقُولُونَ وَلَقَد حكى لي فقيهان ثقتان عَن بعض قصاص زَمَاننَا وكلن يظْهر النّسك والتخشع أَنه حكى لَهما قَالَ: قلت يَوْم عَاشُورَاء قَالَ رَسُول الله ﷺ: من فعل الْيَوْم كَذَا فَلهُ كَذَا، وَمن فعل كَذَا فَلهُ كَذَا إِلَى آخر الْمجْلس فَقَالَا لَهُ: وَمن أَيْن حفظت هَذِه الْأَحَادِيث، فَقَالَ: وَالله مَا حَفظتهَا، وَلَا أعرفهَا بل فِي وقتي قلتهَا.
قَالَ المُصَنّف: وَلَا جرم، ذَلِك الْقصاص شَدِيد النعير سَاقِط الجاه لَا يلْتَفت النَّاس إِلَيْهِ وَلَا لَهُ دنيا وَلَا آخِرَة.
وَقد صنف بعض قصاص زَمَاننَا كتابا فَذكر فِيهِ أَن الْحسن وَالْحُسَيْن دخلا على عمر بن الْخطاب ﵃ وَهُوَ مَشْغُول فَلَمَّا فرغ من شغله رفع رَأسه فرآهما، فَقَامَ فقبلهما ووهب لكل وَاحِد مِنْهُمَا ألفا وَقَالَ اجعلاني فِي حل فَمَا عرفت دخولكما فَرَجَعَا وشكراه بَين يدى أَبِيهِمَا عَليّ بن أبي طَالب ﵁، فَقَالَ عَليّ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: عمر بن الْخطاب نور فِي الْإِسْلَام وسراج لأهل الْجنَّة.
فَرَجَعَا فحدثاه، فَدَعَا بِدَوَاةٍ وَقِرْطَاس وَكتب بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم حَدثنِي سيدا شباب أهل الْجنَّة عَن أَبِيهِمَا المرتضى عَن جدهما الْمُصْطَفى أَنه قَالَ عمر نور الْإِسْلَام فِي الدُّنْيَا وسراج أهل الْجنَّة فِي الْجنَّة وَأوصى أَن تجْعَل فِي كَفنه على صَدره فَوضع، فَلَمَّا أَصْبحُوا وجدوه على قَبره وَفِيه صدق الْحسن وَالْحُسَيْن وَصدق أَبوهُمَا وَصدق رَسُول الله
[ ٤٤ ]
ﷺ عمر نور الْإِسْلَام وسراج أهل الْجنَّة.
قَالَ المُصَنّف: وَالْعجب بِهَذَا الَّذِي بلغت بِهِ الوقاحة إِلَى أَن يضيف مثل هَذَا وَمَا كَفاهُ حثى عرضه على كبار الْفُقَهَاء فَكَتَبُوا على تصويب ذَلِك التصنيف،
فَلَا هُوَ عرف أَن مثل هَذَا محَال ولاهم عرفُوا.
وَهَذَا جهل متوفر، علم بِهِ أَنه من أَجْهَل الْجُهَّال الَّذين مَا شموا ريح النَّقْل وَلَعَلَّه قد سَمعه من بعض الطرقيين.
قَالَ المُصَنّف: وَقد ذكرت فِي كتاب الْقصاص عَنْهُم طرفا من هَذِه الْأَشْيَاء وَمَا أَكثر مَا يعرض على أَحَادِيث فِي مجْلِس الْوَعْظ فد ذكرهَا قصاص الزَّمَان فأردها عَلَيْهِم وَأبين أَنَّهَا محَال فيحقدون عَليّ حِين أبين عُيُوب شغلهمْ حَتَّى قلت يَوْمًا، قُولُوا لمن يُورد هَذِه الْأَحَادِيث مَا يتهيأ لكم مَعَ وجود هَذَا النَّاقِد إِنْفَاق زايف، وَذكرت حَدِيثا حَدثنَا بِهِ أَبُو الْفَتْح الكروخي قَالَ حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد الْأنْصَارِيّ قَالَ أَنبأَنَا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم قَالَ سَمِعت أَبَا بكر الجوزقي يَقُول: سَمِعت غير وَاحِد من مَشَايِخنَا يذكرُونَ عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة أَنه قَالَ مادام أَبُو حَامِد الشَّرْقِي فِي الْأَحْيَاء لَا يتهيأ لأحد أَن يكذب على رَسُول الله ﷺ.
أَنبأَنَا أَبُو مَنْصُور عبد الرحمن بن مُحَمَّد الْقَزاز قَالَ أَنبأَنَا أَحْمد بن عَليّ بن ثَابت قَالَ أَنبأَنَا القَاضِي أَبُو الْعَلَاء الوَاسِطِيّ قَالَ أَنبأَنَا أَبُو أَحْمد الْحُسَيْن بن عَليّ التَّمِيمِي أَنه سمع مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة وَنظر إِلَى أبي حَامِد الشَّرْقِي، فَقَالَ: حَيَاة أبي حَامِد تحجز بَين النَّاس وَالْكذب عَليّ رَسُول الله ﷺ.
قَالَ المُصَنّف: أَبُو حَامِد اسْمه أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْحسن النَّيْسَابُورِي يعرف بِابْن الشَّرْقِي سمع من مُسلم بن الْحجَّاج وَغَيره وَكَانَ حَافِظًا متقنا.
أَنبأَنَا أَبُو الْعِزّ أَحْمد بن عبيد الله بن كادش قَالَ سَمِعت القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن مُحَمَّد بن عَليّ بن الغريق يَقُول سَمِعت أَبَا الْحسن الدَّارقطني يَقُول: يَا أهل بَغْدَاد
[ ٤٥ ]
لَا تظنون أَن أحدا يقدر يكذب عَليّ رَسُول الله ﷺ وَأَنا حَيّ.
وَقد روينَا عَن ابْن الْمُبَارك أَنه قيل لَهُ هَذِه الْأَحَادِيث المصنوعة، فَقَالَ: تعيش
لَهَا الجهابذة.
الْقسم الثَّانِي: الشحاذون، فَمنهمْ قصاص وَمِنْهُم غير قصاص، وَمن هَؤُلَاءِ من يضع وَأَكْثَرهم يحفظ الْمَوْضُوع.
أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي الْبَزَّارُ قَالَ أَنْبَأَنَا هَنَّادُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ النَّسَفِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا يَحْيَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُزَكِّي قَالَ حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِد قَالَ حَدثنَا إِبْرَاهِيم ابْن عَبْدِ الْوَاحِدِ الطَّبَرِيُّ قَالَ سَمِعْتُ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ الطَّيَالِسِيُّ يَقُولُ صَلَّى أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ فِي مَسْجِدِ الرَّصَافَةَ فَقَامَ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ قَصَّاصٌ فَقَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ قَالا حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: " مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ خَلَقَ اللَّهُ كُلَّ كَلِمَةٍ مِنْهَا طَيْرًا مِنْقَارُهُ مِنْ ذَهَبٍ وَرِيشُهُ مِنْ مُرْجَانٍ " وَأَخَذَ فِي قِصَّةِ نَحْوِ عِشْرِينَ وَرَقَةً فَجَعَلَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَنْظُرُ إِلَى يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ وَيَحْيَى يَنْظُرُ إِلَى أَحْمَدَ، فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ حَدَّثْتَهُ بِهَذَا، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا سَمِعْتُ بِهَذَا إِلا السَّاعَةَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قِصَصِهِ وَأَخَذَ الْقُطَيْعَاتِ، ثُمَّ قَعَدَ يَنْتَظِرُ بَقِيَّتَهَا قَالَ لَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ بِيَدِهِ تَعَالَ فَجَاءَ مُتَوَهِّمًا النَّوَالَ، فَقَالَ لَهُ يَحْيَى مَنْ حَدَّثَكَ بِهَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ: أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، فَقَالَ أَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَهَذَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ مَا سَمِعْنَا بِهَذَا قَطُّ فِي حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإِنْ كَانَ لابُدَّ وَالْكَذِبَ فَعَلَى غَيْرِنَا فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: لَمْ أَزَلْ أَسْمَعُ أَنَّ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ أَحْمَقَ مَا تَحَقَّقْتُهُ إِلا السَّاعَةَ، قَالَ لَهُ يَحْيَى كَيْفَ عَلِمْتَ أَنِّي أَحْمَقَ؟ قَالَ كَأَنَّ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ غَيْرُكُمَا، قَدْ كَتَبْتُ عَنْ سَبْعَةَ عَشْرَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، فَوَضَعَ أَحْمَدُ كُمَّهُ عَلَى وَجْهِهِ، وَقَالَ: دَعْهُ يَقُومُ فَقَامَ كَالْمُسْتَهْزِئِ بهما.
[ ٤٦ ]
أَنبأَنَا مُحَمَّد بن عبد الملك عَن أبي مُحَمَّد الْجَوْهَرِي عَن الدَّارَقُطْنِيِّ عَنْ أَبِي حَاتِمٍ الْبُسْتِيِّ قَالَ: دَخَلْتُ بِأَجْرِوَانَ مَدِينَةٍ بَيْنَ الرَّقَّةِ وَحَرَّانَ فَحَضَرْتُ الْجَامِعَ، فَلَمَّا فَرَغْنَا مِنَ الصَّلاةِ قَامَ بَيْنَ أَيْدِينَا شَابٌّ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَلِيفَةَ قَالَ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ: " مَنْ قَضَى لِمُسْلِمٍ حَاجَةً فَعَلَ اللَّهُ بِهِ كَذَا وَكَذَا " فَلَمَّا فَرَغَ دَعْوَتَهُ، فَقُلْتُ رَأَيْتَ أَبَا خَلِيفَةَ قَالَ لَا، قُلْتُ: كَيْفَ تَرْوِي عَنْهُ وَلَمْ تَرَهُ، فَقَالَ: إِنَّ الْمُنَاقَشَةَ مَعَنَا مِنْ قِلَّةِ الْمُرُوءَةِ أَنَا أَحْفَظُ هَذَا الإِسْنَادِ الْوَاحِدِ وَكُلَّمَا سَمِعْتُ حَدِيثًا ضَمَمْتُهُ إِلَى هَذا الإِسْنَادِ.
فصل والكذابون والوضاعون خلق كثير قد جمعت أَسْمَاءَهُم فِي كتاب الضُّعَفَاء والمتروكين، وستري فِي كل حَدِيث نذكرهُ من هَذَا الْكتاب اسْم وَاضعه وَالْمُتَّهَم بِهِ، وَكَانَ من كبار الْكَذَّابين وهب بن وهب القَاضِي، وَمُحَمّد بن السَّائِب الْكَلْبِيّ، وَمُحَمّد بن سعيد الشَّامي المصلوب، وَأَبُو دَاوُد النَّخعِيّ وَإِسْحَاق ابْن نجيع الْمَلْطِي وغياث بن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، والمغيرة بن سعيد الْكُوفِي، وَأحمد بن عبد الله الجويباري، ومأمون بن أَحْمد الْهَرَوِيّ، وَمُحَمّد بن عكاشة الْكرْمَانِي، وَمُحَمّد بن الْقَاسِم الكانكاني.
أَنبأَنَا أَبُو مَنْصُور الْقَزاز قَالَ أَنبأَنَا أَبُو بكر الْخَطِيب قَالَ أَنبأَنَا مُحَمَّد بن أَحْمد بن رزق قَالَ أَنبأَنَا هبة الله بن مُحَمَّد بن حنين الْفراء قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن عُثْمَان ابْن أبي شيبَة قَالَ سَمِعت يحيى بن معِين يَقُول: كَانَ بِبَغْدَاد قوم يضعون الحَدِيث مِنْهُم إِسْحَاق بن نجيع الْمَلْطِي وَمُحَمّد بن زِيَاد الْيَشْكُرِي.
أَنبأَنَا الْقَزاز قَالَ أَنبأَنَا أَبُو بكر الْخَطِيب قَالَ حَدثنِي مُحَمَّد بن عَليّ الصُّورِي قَالَ أَنبأَنَا أَحْمد بن إِبْرَاهِيم بن مَرْزُوق الْمعدل قَالَ أَنبأَنَا الْحسن بن رَشِيق قَالَ:
[ ٤٧ ]
حَدثنَا أَبُو عبد الرَّحْمَن أَحْمد بن شُعَيْب النَّسَائِيّ قَالَ: الكذابون المعروفون بِوَضْع الحَدِيث على رَسُول الله ﷺ أَرْبَعَة: ابْن أبي يحيى بِالْمَدِينَةِ، والواقدي بِبَغْدَاد، وَمُقَاتِل بن سُلَيْمَان بخراسان، وَمُحَمّد بن سعيد وَيعرف بالمصلوب بِالشَّام.
أَنبأَنَا زَاهِر بن طَاهِر قَالَ أَنبأَنَا أَبُو عُثْمَان الصَّابُونِي.
وَأَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ قَالَ أَنبأَنَا أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الله النَّيْسَابُورِي قَالَ سَمِعت أَبَا عبد الله مُحَمَّد ابْن الْعَبَّاس الضَّبِّيّ يَقُول سَمِعت سهل بن السّري الْحَافِظ يَقُول: قد وضع أَحْمد ابْن عبد الله الجويباري وَمُحَمّد بن عكاشة الْكرْمَانِي وَمُحَمّد بن تَمِيم الفارابي على رَسُول الله ﷺ أَكثر من عشرَة آلَاف حَدِيث.
أَنبأَنَا مُحَمَّد بن عبد الْبَاقِي قَالَ أَنبأَنَا أَحْمد بن أَحْمد قَالَ أَنبأَنَا أَحْمد بن عبد الله الْحَافِظ قَالَ حَدثنَا أَحْمد بن جَعْفَر بن سلم قَالَ حَدثنَا أَحْمد بن عَليّ الْأَبَّار قَالَ حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن سعيد قَالَ حَدثنَا جَعْفَر بن اليسع قَالَ: رؤى شُعْبَة متقنعا فِي شدَّة الْحر فَقيل لَهُ إِلَى أَيْن يَا أَبَا بسطَام؟ قَالَ: استعدي على رجل يكذب عَليّ رَسُول الله ﷺ.
فصل وَلَقَد رد الله كيد هَؤُلَاءِ الوضاعين والكذابين بأخبار أخيار فضحوهم وكشفوا قبايحهم وَمَا كذب أحد قطّ إِلَّا وَافْتَضَحَ، ويكفى الْكَاذِب أَن الْقُلُوب تأبي قبُول قَوْله، فَإِن الْبَاطِل مظلم وعَلى الْحق نور وَهَذَا فِي العاجل، وَأما فِي الْآخِرَة فخسرانهم فِيهَا مُتَحَقق.
أَنبأَنَا عبد الْوَهَّاب قَالَ أَنبأَنَا بن بكران الشَّامي قَالَ أَنبأَنَا أَبُو الْحسن العتيقي قَالَ أَنبأَنَا يُوسُف بن الدخيل قَالَ حَدثنَا أَبُو جَعْفَر الْعقيلِيّ قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله الْحَضْرَمِيّ قَالَ حَدثنَا جُمْهُور بن مَنْصُور قَالَ حَدثنَا أَبُو الْحَارِث الزبيدِيّ قَالَ
سَمِعت سُفْيَان يَقُول: مَا ستر الله عزوجل أحدا يكذب فِي الحَدِيث.
وَقد روينَا
[ ٤٨ ]
عَن ابْن الْمُبَارك أَنه قَالَ: لوهم رجل فِي السحر أَن يكذب فِي الحَدِيث لأصبح النَّاس يَقُولُونَ فلَان كَذَّاب.
أَنبأَنَا أَبُو مَنْصُور الْقَزاز قَالَ أَنبأَنَا أَبُو بكر أَحْمد بن عَليّ بن ثَابت قَالَ: أَخْبرنِي أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن الْعَبَّاس الخزاز قَالَ: حَدثنَا أَبُو مُحَمَّد سُلَيْمَان بن دَاوُد الطوسي قَالَ: سَمِعت أَبَا حسان الزيَادي يَقُول: سَمِعت حسان بن زيد يَقُول: لم يستعن على الْكَذَّابين بِمثل التَّارِيخ يَقُول الشَّيْخ [يُقَال للشَّيْخ] سنة كم ولدت؟ فَإِذا أقرّ بمولده عرفنَا صدقه من كذبه.
فصل وَقد نَدم جمَاعَة من الْكَذَّابين على كذبهمْ وتنصلوا من ذَلِك، فأنبأنا مُحَمَّد ابْن نَاصِر الْحَافِظ قَالَ أَنبأَنَا أَبُو سهل بن سعد سَعْدَوَيْه قَالَ أَنبأَنَا مُحَمَّد بن الْفضل الْقرشِي قَالَ أَنبأَنَا أَبُو بكر بن مرْدَوَيْه قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن الْحسن الدقاق قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن عُثْمَان بن أبي شيبَة قَالَ حَدثنَا أبي قَالَ حَدثنَا أَبُو شيبَة قَالَ: كنت أَطُوف بِالْبَيْتِ وَرجل من قدامى يَقُول: اللَّهُمَّ اغْفِر لي، وَمَا أَرَاك تفعل، فَقلت يَا هَذَا قنوطك أَكثر من ذَنْبك، فَقَالَ لي دَعْنِي، فَقلت لَهُ: أَخْبرنِي، فَقَالَ: إِنِّي كذبت على رَسُول الله ﷺ خمسين حَدِيثا وطارت فِي النَّاس مَا أقدر أَن أرد مِنْهَا شَيْئا.
وَقَالَ ابْن لَهِيعَة: دخلت على شيخ وَهُوَ يبكى، فَقلت مَا يبكيك، فَقَالَ: وضعت أَربع مائَة حَدِيث أدرملها مارمامح (١) النَّاس فَلَا أدرى كَيفَ أصنع؟ وَقد روى مثل هَذَا سُلَيْمَان بن حَرْب وَأَنه دخل على رجل فَقَالَ: مِثَال ذَلِك.
وَمرض نصر بن طريف فَقَالَ لعوداه قد حضر من أَمْرِي مَا ترَوْنَ، وإنى
_________________
(١) فِي الْعبارَة تَصْحِيف ولعلها " أدخلتها فِي تَارِيخ ". (٤ الموضوعات ١) (*)
[ ٤٩ ]
كذبت فِي أَحَادِيث وَأَسْتَغْفِر الله، فَقَالُوا: مَا أحسن مَا صنعت تبت إِلَى الله عزوجل ثمَّ صَحَّ من مَرضه فَمر فِي تِلْكَ الْأَحَادِيث بِعَينهَا.
أَنبأَنَا مُحَمَّد بن نَاصِر عَن أبي بكر بن خلف الشِّيرَازِيّ عَن أَبى عبد الله الْحَاكِم قَالَ سَمِعت عبد الْعَزِيز بن عبد الملك الأموى قَالَ سَمِعت إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد النَّحْوِيّ يَقُول سَمِعت الْمحَامِلِي يَقُول سَمِعت أَبَا العيناء يَقُول: أَنا والحافظ وَضعنَا حَدِيث فدك وَأَدْخَلْنَاهُ على الشُّيُوخ بِبَغْدَاد فقبلوه إِلَّا ابْن شيبَة الْعلوِي فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يشبه آخر هَذَا أَوله.
فأبي أَن يقبله قَالَ إِسْمَاعِيل: وَكَانَ أَبُو العيناء يحدث بِهَذَا بعد مَا تَابَ.
فصل وَمن التغفيل قَول المتزهد عِنْد سَماع الْقدح فِي الْكَذَّابين هَذَا غيبَة، وَإِنَّمَا هُوَ نصيحة لِلْإِسْلَامِ.
فَإِن الْخَبَر يحْتَمل الصدْق وَالْكذب ولابد من النّظر فِي حَال الرَّاوِي، قَالَ يحيى بن سعيد سَأَلت مَالك بن أنس وسُفْيَان الثَّوْريّ وَشعْبَة وسُفْيَان ابْن عُيَيْنَة عَن الرجل يكذب فِي الحَدِيث أَو يهم أبين أمره؟ قَالُوا: نعم بَين أمره للنَّاس.
وَكَانَ شُعْبَة يَقُول: تَعَالَوْا حَتَّى نغتاب فِي الله عزوجل، وَسُئِلَ أَن يكف عَن بَيَان.
فَقَالَ: لَا يحل الْكَفّ عَنهُ لِأَن الْأَمر دين.
قَالَ بن مهْدي: مَرَرْت مَعَ سُفْيَان الثَّوْريّ بِرَجُل فَقَالَ كَذَّاب وَالله لَوْلَا أَنه لَا يحل لي أَن أسكت لسكت.
وَقَالَ الشَّافِعِي: إِذا علم رجل من مُحدث الْكَذِب مَا يَسعهُ السُّكُوت عَنهُ، وَلَا يكون ذَلِك غيبَة لِأَن الْعلمَاء كالنقاد، وَلَا يسع النَّاقِد فِي دينه أَن لَا يبين الزُّيُوف وَغَيرهَا.
أَنبأَنَا إِسْمَاعِيل بن أَحْمد قَالَ أَنبأَنَا عمر بن عبيد الله الْبَقَّال قَالَ أَنبأَنَا أَبُو الْحُسَيْن بن بَشرَان قَالَ أَنبأَنَا عُثْمَان بن أَحْمد الدقاق قَالَ حَدثنَا حَنْبَل قَالَ
[ ٥٠ ]
سَمِعت أَبَا عبد الله يَقُول: مَا أَشك فِي أبي البخترى أَنه يضع الحَدِيث.
قَالَ حَنْبَل حَدثنَا يحيى بن معِين قَالَ حَدثنَا يحيى بن يعلى عَن زَائِدَة قَالَ: كَانَ وَالله جَابر الْجعْفِيّ كذابا.
أَنبأَنَا الْمُبَارك بن أَحْمد الْأنْصَارِيّ قَالَ أَنبأَنَا عبد الله بن أَحْمد السَّمرقَنْدِي قَالَ أَنبأَنَا أَحْمد بن عَليّ بن ثَابت قَالَ أَبُو الْقَاسِم الْأَزْهَرِي قَالَ حَدثنَا عبد الله ابْن عُثْمَان الدقاق قَالَ أَنبأَنَا مُحَمَّد بن محلد قَالَ سَمِعت مُحَمَّد بن بنْدَار الْجِرْجَانِيّ يَقُول: قلت لِأَحْمَد بن حَنْبَل يَا أَبَا عبد الله ليَشُد [إِنَّه ليشق] عَليّ أَن أَقُول فلَان كَذَّاب، وَفُلَان ضَعِيف، فَقَالَ لي: إِذا سكت أَنْت وَسكت أَنا فَمَتَى يعرف الْجَاهِل الصَّحِيح من السقيم.
قَالَ المُصَنّف: وَهَذَا الْكَلَام من الْعلمَاء ظَاهر الْمَعْنى فَإِن الرَّسُول ﷺ قَالَ: عَلَيْكُم بِسنتي، والمحال لَيْسَ من سنته، فقد نبه بِهَذَا على معرفَة الثقاة من غَيرهم وتلخيص الصَّحِيح من السقيم، وَقد كَانَ ينصب مِنْبَر الحسان ليرد عَنهُ مَا يتقوله الْأَعْدَاء عَلَيْهِ مِمَّا لَا يضر لِأَنَّهُ قَول مُشْرك لَا يدْخل بقوله فِي الدَّين شَيْئا، فَكيف لَا تندب من ندب عَنهُ دخل من يدْخل فِي شَرعه مَا لَيْسَ فِيهِ.
قَالَ أبوالوفا عَليّ بن عقيل الْفَقِيه: قَالَ شَيخنَا أَبُو الْفضل الْهَمدَانِي: مبتدعة الْإِسْلَام والواضعون للأحاديث أَشد من الْمُلْحِدِينَ لِأَن الْمُلْحِدِينَ قصدُوا إِفْسَاد الدَّين من خَارج، وَهَؤُلَاء قصدُوا إفساده من دَاخل، فهم كَأَهل بلد سعوا فِي إِفْسَاد أَحْوَاله، والملحدون كالحاضرين من خَارج، فالدخلاء يفتحون الْحصن فَهُوَ شَرّ على الاسلام من غير الملابسين لاه.
فصل وَإِذ قد أنهيت هَذِه الْفُصُول الَّتِي هِيَ كالأصول فَأَنا أرتب هَذَا الْكتاب كتبا يشْتَمل كل كتاب على أَبْوَاب فأذكره على تَرْتِيب الْكتب المصنفة فِي الْفِقْه
[ ٥١ ]
ليسهل الطّلب على طَالب الحَدِيث، وأذكر كل حَدِيث بِإِسْنَادِهِ وَأبين علته وَالْمُتَّهَم بِهِ تَنْزِيها لشريعتنا عَن الْمحَال، وتحذيرا من الْعَمَل بِمَا لَيْسَ بمشروع، وَأَنا أحرج على من يروي من كتَابنَا هَذَا حَدِيثا مُنْفَصِلا عَن الْقدح فِيهِ فَإِنَّهُ يكون خائنا على الشَّرْع، كَيفَ لَا وَقد أَنبأَنَا هبة الله بن مُحَمَّد بْنِ الْحُصَيْنِ قَالَ أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُذْهِبِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ حَدثنَا عبد الله بن أَحْمد ابْن حَنْبَلٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ وَشُعْبَةُ عَن خَبِيث بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ مَيْمُونِ ابْن أَبِي شَبِيبٍ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " من حَدَّثَ بِحَدِيثٍ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَذَّابِينَ "، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَنبأَنَا الكروخي قَالَ: أَنبأَنَا أَبُو عَامر الْأَزْدِيّ، وَأَبُو بكر الغورجي قَالَا: أَنبأَنَا الجراحي قَالَ حَدثنَا المحبوبي قَالَ حَدثنَا التِّرْمِذِيّ قَالَ سَأَلت أَبَا مُحَمَّد عبد الله بن عبد الرحمن عَن هَذَا الحَدِيث، فَقلت من روى حَدِيثا يعلم أَن إِسْنَاده خطأ أَو روى النَّاس حَدِيثا مُرْسلا فأسنده بَعضهم أَو قلب إِسْنَاده يحلف أَن يكون رَاوِيه دَاخِلا فِي هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ: لَا، إِنَّمَا معنى الحَدِيث أَن يروي الرجل الحَدِيث، وَلَا يعرف لذَلِك الحَدِيث عَن النَّبِي ﷺ فَأَخَاف أَن يكون الْمُحدث بِهِ دَاخِلا فِي هَذَا الحَدِيث.
قَالَ المُصَنّف: وَلَقَد عجبت من كثير من الْمُحدثين طلبُوا لتكثير أَحَادِيثهم فرووا الْأَحَادِيث الْمَوْضُوعَة وَلم يبينوها للنَّاس وَهَذَا من الْخَطَأ الْقَبِيح وَالْجِنَايَة على الْإِسْلَام، وأقبح من هَذَا حَال المدلسين الَّذين يروون عَن كَذَّاب وَضَعِيف
لَا يحْتَج بِهِ فيغيرون اسْمه، أَو كنيته، أَو نسبه أَو يسقطون اسْمه من الْإِسْنَاد أَو يسمونه وَلَا ينسبونه مثل أَن يكون فِي الْإِسْنَاد عمر بن صبح، وَهُوَ مِمَّن يضع الحَدِيث فيرويه الرَّاوِي وَيَقُول: عَن عمر وَلَا ينْسبهُ وَلَا يدرى من عمر، وَقد دلسوا مُحَمَّد بن سعيد الْكذَّاب، وَكَانَ قتل على الزندقة على وُجُوه كَثِيرَة ليخفى قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: وَكَانَ النَّاس [النقاش] يروي عَن مُحَمَّد بن يُوسُف بن يَعْقُوب الرَّازِيّ،
[ ٥٢ ]
وَهُوَ كَذَّاب فَيَقُول تَارَة حَدثنَا مُحَمَّد بن طريف بن عَاصِم وَتارَة مُحَمَّد بن نَبهَان وَتارَة مُحَمَّد بن يُوسُف وَتارَة مُحَمَّد بن عَاصِم الْحَنَفِيّ.
وَمِنْهُم من ينْسب الرجل إِلَى جده لِئَلَّا يعرف مثل أَن يَقُول حَدثنَا مُحَمَّد بن مُوسَى وَهُوَ الْكُدَيْمِي، وَإِنَّمَا مُحَمَّد بن يُونُس بن مُوسَى، وَكَانَ فيهم من يسوى الحَدِيث، وَهُوَ أَن يكون بَين الرجلَيْن الثقتين ضَعِيف وَيحْتَمل أَن يكون الثقتان قد رأى أَحدهمَا الآخر فَيسْقط الرَّاوِي ذَلِك الضَّعِيف ليتصل الْخَبَر عَن الثقاة وَهَذِه جنايات قبيحة على الْإِسْلَام.
فصل وَقبل الشُّرُوع فِي ذكر الْأَحَادِيث نذْكر أَرْبَعَة أَبْوَاب ذكرهَا مِنْهُم، الْبَاب الأول فِي ذمّ الْكَذِب، وَالْبَاب الثَّانِي فِي قَوْله ﵇: " من كذب عَليّ مُتَعَمدا " فيذكر طرق الحَدِيث وَعدد من رَوَاهُ من الصَّحَابَة وَالْكَلَام فِي مَعْنَاهُ وتأويله، وَالْبَاب الثَّالِث يَأْمر فِيهِ بانتقاد الرِّجَال ويحذر من الرِّوَايَة عَن الْكَذَّابين والمجهولين.
وَالرَّابِع نذْكر فِيهِ مَا يشْتَمل عَلَيْهِ هَذَا الْكتاب من الْكتب.