تمهيد: ندرة ترجمة ابن المواق وآثار ذلك على الباحثين
المبحث الأول: اسم ونسب ابن المواق
المبحث الثاني: البيئة العلمية التي نشأ بها ابن المواق
المبحث الثالث: شيوخ ابن المواق
المبحث الرابع: تلاميذ ابن المواق
المبحث الخامس: المذهب الفقهي لإبن المواق
المبحث السادس: المكانة العلمية لإبن المواق
المبحث السابع: ابن المواق والتصحيح والتضعيف
المبحث الثامن: ابن المواق وعلم الجرح والتعديل
المبحث التاسع: ابن المواق وعلم علل الحديث
المبحث العاشر: مصنفات ابن المواق
المبحث الحادي عشر: تأكيد نسبة بغية النقاد لإبن المواق
[ الدراسة / ١٥٩ ]
تمهيد عام بين يدي ترجمة ابن المواق:
من الملاحظ أن ترجمة ابن المواق شحيحة ونادرة، ولم تتناولها المصادر والمراجع بالشكل الذي يسمح بإعطاء صورة واضحة العالم عن هذه الشخصية العلمية الفذة، فليس لدينا ما يمكن أن نركب منه الجوانب المكونة لهذا النبوغ الذي كان لديه في علم الحديث، وغيره من العلوم التي شارك فيها.
ندرة ترجمة ابن المواق في المصادر، وآثار ذلك على الباحثين:
لو رجعنا إلى المصادر التي ترجمت لأبي عبد الله بن المواق، لما وجدنا ما يشفي الغليل في هذا الصدد، بل لعل أفضل من ترجمه هو ابن عبد اللك في "الذيل والتكملة لكتاب موصول الصلة"، ولم تصل فيه ترجمته لأكثر من صفحة ونصف، وحتى صاحب "الإعلام بمن حل بمراكش وأغمات من الأعلام" لما تناول التعريف به لم يرد على نقل هذه الترجمة بنصها من "الذيل والتكملة"، اللهم إلا ما كان من التعريف بوالد المترجم، وذكر بعض شيوخه، وتسليط الضوء على بعض ما كان يتمتع به من مكانة علمية كل ذلك في
إيجاز واقتضاب.
أما غير هذين المصدرين فلا يعرج على ابن المواق إلا من خلال الكلام على كتابه "بغية النقاد"، أو"المآخذ الحفال "، أو نقول عنه وعزوها له
وقد كان لهذا الشح في هذه الترجمة نتائج على التعريف به، نضرب لذلك أمثلة، منها:
- عدم معرفته بالمرة عند بعض رجال العلم، ولا أقول من طرف المشارقة فحسب، بل حتى من طرف أقرب الناس إليه -أعني المغاربة- أسوق لذلك مثالا، فهذا محمد بن الحسين العراقي الحسني، الأستاذ بكلية القرويين وأمين خزانتها - لما قام بالتعليق على شرح الحافظ العراقي لألفيته المسمى بالتبصرة والتذكرة، وكذا على فتح الباقي للحافظ زكرياء الأنصاري، والتعريف بالأعلام الواردة في
[ الدراسة / ١٦١ ]
الشرحين المذكورين قال في شأن الامام ابن المواق:
"ابن المواق الحافظ، أبو عبد الله محمد بن أبي بكر: هكذا في جل شروح الألفية، ولم أقف على من ترجمه في الكتب المعتمدة في التراجم". اهـ (١)
- عدم ضبط اسم والده عند طائفة من الباحثين، إذ بعضهم قال فيه: (يحيى) (٢)، بينما اسمه:
(أبو بكر)، وكنيته: (أبو يحيى). (٣)
- بل أكثر من هذا نجد بعضهم زاد إغراقا في الخلط بين مترجمنا: ابن المواق، وبين المواق الفقيه، رغم أن المواق ليس من طبقة الأول: ولا يشترك معه لا في اسمه، ولا في نسبه، ولا فيما اشتهر به من علم، فالمواق اسمه: محمد بن يسوف، (٤) وقد اشتهر بالفقه، وهو الذي شرح "مختصر خليل" وصاحب كتاب "سنن المهتدين في مقامات الدين".
وكانت وفاته سنة ٨٩٧، وممن تنبه إلى هذا الأمر، أبو سالم العياشي، فقد ذكر أنه اطلع على نسخة من "تكملة ابن الأبار"، جاء في هامشها -بخط
_________________
(١) هامش التبصرة والتذكرة، وفتح الباقي ١/ ١١٠. ملاحظة: تم التعليق على الشرحين المذكورين في ٢٠ رجب الفرد عام ١٣٥٤ هـ.
(٢) ممن وقع في الخطأ: صاحب الرسالة المستطرفة (ص: ١٧٨)، وصاحب: معلمة القرآن والحديث في المغرب الأقصى (ص: ١٣٧)، والموسوعة المغربية للأعلام البشرية والحضارية (٢/ ٢٣، ١٢٦)، وصاحب الشروح والتعليقات على كتب الأحكام (١/ ١٢٥)، وصاحب كتاب: الحركة العلمية في سبتة خلال القرن السابع (ص: ٢٠٤)، وصاحب كتاب: "مظاهر النهضة الحديثية في عهد يعقوب المنصور الموحدي" (٢/ ٥٢).
(٣) انظر -غير مأمور-: الذيل والتكملة ١/ ٢٧٢ - الإعلام، للتعارجي ٤/ ٢٣٣ - ملء العيبة: ٥/ ٥٠، ٥٥.
(٤) أبو عبد الله: محمد بن يوسف العبدري الغرناطي، الشهير بالمواق، صالحها وإمامها المتفنن الحائز قصب السبق. . عالمها العامل ومفتيها الزكي الفاضل، المحقق النظار المتحلي بالوقار، خاتمة علماء الأندلس، له شرحان على مختصر خليل، أكبرهما: (التاج الإكليل). - نيل الإبتهاج، للتنبوكتي ٣٢٤ - الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي، للحجوي الثعالبي ٤/ ٢٦٣. . - شجرة النور الزكية ١/ ٢٦٢ - الأعلام، للزركلي ٧/ ١٥٤ ..
[ الدراسة / ١٦٢ ]
الإمام أبي عبد الله القصار- عند الكلام على عبد الحق الإشبيلي وابن القطان الفاسي ما نصه:
(وتعقب الناقد المحقق أبو عبد الله المواق كتاب شيخه ابن القطان تعقبا ظهر فيه نبله). اهـ
فقال أبو سالم العياشي تعفيبا على ذلك: (فظن بعض الأصحاب أن المراد به الواق شارح المختصر، فاستبعد ذلك، فلما ظفرت بهذا (أي كتاب المآخذ الحفال . لإبن المواق) علمنا أنه غيره). اهـ (١)
وممن تنبه إليه كذلك محمد بن جعفر الكتاني حيث قال: (وابن المواق هذا غير محمد بن يوسف المواق شارح مختصر خليل خلافا لما قد يتوهم). (٢)
ووقع في هذا الوهم حاجي خليفة (٣) وتبعه في ذلك إسماعيل باشا. (٤)
ونفس الوهم نجده عند كثير من الباحثين المعاصرين الذين ذاع صيتهم، وكثر النقل عنهم، واعتمدت أحكامهم عند طائفة كبيرة من الناس. (٥)
_________________
(١) الرحلة العياشية، لأبي سالم العباشي (ت ١٠٩٠ هـ) ٢/ ٢٤٧.
(٢) الرسالة المستطرفة ص: ١٧٩.
(٣) قال حاجي خليفة: (بغية النقاد في أصول الحديث، للإمام الحافظ عبد الله بن المواق المغربي المتوفي سنة ٧٩٨). اهـ - كشف الظنون ١/ ٢٥١.
(٤) جاء في إيضاح المكنون في الذل على كشف الظنون (٢/ ٢٩): "سنن المهتدين في مقامات الدين -لأبي عبد الله محمد بن يوسف العبدري كان حيا سنة ٧٣٣ ثلاث وثلاثين وسبع مائة". اهـ وقال إسماعيل باشا كذلك: "ابن المواق -عبد الله بن مواق المغربي المتوفي سنة ٨٩٧ سبع وتسعين وثمان مائة. صنف بغية الناقد في أصول الحديث". اهـ هدية العارفين ١/ ٤٧٠. وعرف به شعيب الأرناؤوط -في الهامش ص: ٣٠٧ - عند تحقيقه لكتاب: العواصم والقواصم بقوله: (واسمه عبد الله توفي سنة ٨٩٧ هـ، وقد ذكر ذلك في كتابه "بغية النقاد" في مصطلح الحديث).
(٥) جاء في صفحة ٩٤ من كتاب "معجم المصنفات الواردة في فتح الباري"، الذي صنفه: أبو عبيدة مشهور بن حسن ابن سلمان، وأبو حذيفة رائد بن صبري، ما يلي: (١٩٤ - "بغية النقاد"، لإبن المواق، (عبد الله بن المواق المغربي، ت ٧٩٨). =
[ الدراسة / ١٦٣ ]