علم العلل
[ الدراسة / ٩٩ ]
الذي يرجع إلى كتب الأحكام الثلاثة، وكذا "بيان الوهم والإيهام"، و"بغية النقاد" يلحظ أن هذه الكتب لها جانبان يمكن أن يُرى من خلالهما موضوعها:
١ - جانب موضوعه من حيث النقد الحديثي؛ وهو: علم العلل.
٢ - جانب موضوعه من حيث كون الكتاب تخصص في أحاديث الأحكام. وأتناول الآن ما يتعلق بالجانب الأول:
كان من منهج عبد الحق الإشبيلي في كتابه "الأحكام الوسطى" بيان الحديث الصحيح من المعلل، وبالتالي فقد اشتمل كتابه على ما صح من الأحاديث، وما كان به علة بينها إِمَّا بالتنصيص عليها أو بالإشارة إليها، ثم جاء أبو الحسن بن القطان ليعقب عليه فيما وَهِمَه أو تَوَهَّمه في كتابه، وهذا ما حدا به
أن يسمي كتابه: "بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام"، ولما كان
الكمال شيئا لا مجال للوصول إليه فقد جاء ابن المواق ليتابع المسيرة فوضع بدوره تعقيبا على كتاب شيخه ابن القطان؛ وهو الكتاب الذي بين أيدينا: "بغية النقاد" فكانت الكتب الثلاثة تدور في محور واحد هو محور علم العلل، وهو علم من أشرف وأدق علوم الحديث، لا يخوض فيه إلا الجهابذة من كبار المحدثين ونقدة الحديث، فاقتضى الأمر أن أضع مقدمة تمهيدية في هذا العلم:
العلة فى اللغة:
تطلق العلة في اللغة على معان منها:
- المرض، يقال: عل واعتل، وأعله الله تعالى، فهو معل وعليل. (١)
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة، لإبن الفارس ٤/ ١٣
[ الدراسة / ١٠١ ]
- التكرار، يقال: عله بالشراب إذا سقاه مرة ثانية. (١)
- التلهية والأشغال، يقال: علله بالشيء إذا ألهاه وشغله به، ومنه تعليل الصبي بالطعام.
وقال صاحب القاموس: "والعلة بالكسر المرض، عل يعِل واعتل، وأعله الله تعالى، فهو معل وعليل، ولا تقل: معلول، والمتكلمون يقولونها، ولست منهم على ثلج". اهـ (٢)
ولكن كثيرا من المحدثين يطلقون على الحديث الذي فيه علة معلول، ومن الذين وقع ذلك في كلامهم: البخاري، والترمذي، والدارقطني، وأبو أحمد بن عدي، وأبو عبد الله الحاكم، وأبو يعلى الخليلي، وسمى الحافظ ابن حجر كتابه "الزهر المطلول في الخبر المعلول". (٣)
وقد أنكر بعض العلماء استعمال كلمة معلول للحديث الذي توجد فيه علة؛ قال ابن الصلاح: "والمعلول مرذول عند أهل العربية واللغة" (٤)
وتبعه النووي فقال: إنه لحن. (٥) ووافقه السيوطي على ذلك. (٦)
وحجتهم في ذلك أن اسم الفعول من أعل الرباعي لا يأتي على صيغة مفعول، بل يقولون فيه: معل، أما معلل فهو مفعول ل: علل، وهو بمعنى ألهاه بالشيء وشغله به.
_________________
(١) القاموس المحيط ٤/ ٢١.
(٢) القامرس المحيط ٤/ ٢١ - اللسان ١٣/ ٤٩٥.
(٣) التقييد والإيضاح ١١٧ .. - فتح المغيث بشرح ألفية العراقي، للحافظ نفسه، بتحقيق محمود ربيع. ص: ١٠١ - تدريب الراوي ١/ ٢٥١.
(٤) علوم الحديث ص: ٧٩.
(٥) التدريب ١/ ٢٥١.
(٦) نفس المصدر.
[ الدراسة / ١٠٢ ]
لكن قد يجاب عن ذلك بأنه قد ورد في لغة العرب هكذا: "معلول"؛ قال الحافظ العراقي: " قد حكاه جماعة من أهل اللغة، منهم قطرب، فيما حكاه اللبي، والجوهري في الصحاح، والمطرزي في المغرب واستعمل أبو إسحاق (الزجاج) لفظة المعلول في المتقارب من العروض". (١)
وقال الجوهري في الصحاح: "اعتل أي مرض، فهو عليل، ولا أعلك الله، أي لا أصابك بعلة وعل الشيء فهو معلول". (٢)
وقال محمد بن عمر بن عبد العزنر بن القوطية: "عل الإنسان مرض، والشيء أصابته العلة فيكون استعماله بالمعنى الذي أرادوه غير منكر، بل قال بعضهم: استعمال هذا اللفظ أولى لوقوعه في عبارات أهل الفن، مع ثبوته لغة، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، قال ابن هشام في شرح بانت سعاد:
تحلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت كأنها منهل بالراح معلول (٣)
والأصل فيه أن الإبل إذا شربت في أول الورد يقال فيها نهلت، من النهل، فإذا ردت إلى أعطانها فسقيت ثانية فذلك علل.
ولقد جنح الحافظان البلقيني والعراقي إلى تسميته بالمعلل.
قال البلقيني: وصواب الإستعمال "المعلل" إذا كان من أعل.
والحافظ العراقي ممن لا يرتضي استعمال معلول في الحديث المعلل لذا يقول في منظومته:
وسم مابعلة مشمول معللا ولا تقل معلول
ويظهر أن صاحب الصباح المنير قد فَصَّل القول في الموضوع حيث انتصر لمن
_________________
(١) التقيد والإيضاح ص: ١١٦.
(٢) الصحاح ١٧٧٣
(٣) ترجيه النظر، للشيخ الجزائري ص: ٢٦٤.
[ الدراسة / ١٠٣ ]
استعمل العلول فيما قصده المحدثون وعلماء الأصول وغيرهم من حيث اللغة، بل ذهب إلى أنه هو الأكثر استعمالا عند أهل اللغة. (١)
العلة في الإصطلاح:
تناول كثير من المحدثين تعريف العلة، واختلفت تعريفاتهم، فتقاربت بعضها في المعنى واختلفت أخرى.
ولعل أول كتاب ذكر. تعريف العلة هو كتاب: معرفة علوم الحديث للحاكم، وقد جاء فيه: "وهو علم برأسه غير الصحيح والسقيم والجرح والتعديل" (٢)
ويقول الحاكم أيضا: " وإنما يعلل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل" (٣)
أما ابن الصلاح فيعرف علل الحديث بقوله:
"وهي عبارة عن أسباب خفية غامضة قادحة فيه، فالحديث العلل هو الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته مع أن الظاهر السلامة منها، ويتطرق ذلك إلى الإسناد الذي رجاله ثقات، الجامع شروط الصحة من حيث الظاهر" (٤)
وأما الحافظ زين الدين عبد الرحيم العراقي (ت ٨٠٤ هـ) فقد عرف العلة بقوله: "العلة عبارة عن أسباب خفية غامضة طرأت على الحديث فأثرت فيه، أي قدحت في صحته". (٥)
ويمكن أن يقال بأن الحاكم إنما أعطى بعض العالم العامة لعلم العلة، ولم يضع
_________________
(١) المصباح المنير ص: ٦٧.
(٢) معرفة علوم الحديث ص: ١١٢.
(٣) نفس المرجع.
(٤) مقدمة ابن الصلاح. ٨١.
(٥) فتح المغيث بشرح ألفية الحديث، للحافظ العراقي نفسه. ص: ١٠٤.
[ الدراسة / ١٠٤ ]
له تعريفا جامعا مانعا، إذ كلامه لا يشمل ضوابط ومقاييس العلة عند المحدثين.
وفي تعريف ابن الصلاح قصور حيث لم يتناول الإشارة إلى وقوع العلة في المتن، هذا بالإضافة إلى الدور؛ حيث ورد في التعريف لفظ العلة.
ويلاحظ في تعريف العراقي أن لفظة (طرأت) تشعر بأن الحديث كان في أصله صحيحا فدخلت عليه العلة، لكن هذا ليس بلازم في كل حديث معلول.
وللحافظ العراقي تعريف آخر للحديث المعلل نقله عنه برهان الدين البقاعي (ت ٨٥٥ ص) في نكته على ألفيتة؛ حيث جاء فيه: "والمعلل خبر ظاهره السلامة اطلع فيه بعد التفتيش على قادح". (١)
ولعل هذا التعريف أكثر قبولا من غيره.
لكن الذي يرجع إلى كتب العلل يلاحظ أن المحدثين توسعوا في إطلاقها، وهذا ما ذكره ابن الصلاح بقوله:
"ثم اعلم أنه قد يطلق اسم العلة على غير ما ذكرناه من باقي الأسباب القادحة في الحديث، الخرجة له من حال الصحة إلى حال الضعف، المانعة من العمل به، على ما هو مقتضى لفظ العلة في الأصل؛ ولذلك نجد في كتب علل الحديث الكثير من الجرح بالكذب، والغفلة، وسوء الحفظ، ونحو ذلك من أنواع الجرح.
وسمى الترمذي النسخ علة من علل الحديث.
ثم إن بعضهم أطلق اسم العلة على ما ليس بقادح من وجوه الخلاف؛ نحو إرسال من أرسل الحديث الذي أسنده الثقة الضابط حتى قال: من أقسام الصحيح ما هو صحيح معلول، كما قال بعضهم من الصحيح ما هو صحيح شاذ، والله أعلم. اهـ (٢)
_________________
(١) نفس المرجع.
(٢) علوم الحديث ص: ٨٤.
[ الدراسة / ١٠٥ ]
العلة في اصطلاح المحدثين الأندلسيين والمغاربة:
الأندلسيون والمغاربة من المحدثين جنحوا إلى الدلالة الواسعة لصطلح العلة، ولذا نجدهم يعللون الحديث بكل ما ينافي شروط القبول سواء كان ظاهرا أم خفيا، فالإرسال والإنقطاع والإعضال والتدليس والإضطراب؛ كل ذلك يعتبر عندهم علة. (١)
قال ابن عبد البر: الإنقطاع في الأثر علة تمنع من وجوب العمل به. (٢)
وذكر ابن عبد البر حديث خزيمة بن جزي في السؤال عن أحفاش الأرض، وعقب عليه بأنه لا يحتج بمثله لضعف إسناده ولا يعرج عليه بم لأنه يدور على عبد الكريم بن أبي المخارق وليس يرويه غيره، وهو ضعيف متروك الحديث، ثم ذكر شاهدا من حديث عبد الرحمن بن معقل -صاحب الدثنية- وهو رجل يعد في الصحابة، ثم عقب ابن عبد البر عليه بقوله: وهو أيضا حديث ضعيف، وإسناده ليس بالقائم عند أهل العلم؛ وهو يدور على أبي محمد -رجل مجهول- وهو حديث لا يصح عندهم وعبد الرحمن بن معقل لا يعرف إلا بهذا الحديث، ولا تصح صحبته، وإنما ذكرت هذا الحديث والذي قبله ليوقف عليهما، ولرواية الناس لهما، ولتبيين العلة فيهما". (٣)
فالقوادح التي ذكر ابن عبد البر في الحديثين؛ من جرح ابن أبي المخارق وانفراده بالحديث، وجهالة أبي محمد كلها قوادح ظاهرة، وقد جعلها كلها من العلل.
ومن منهج ابن حزم أنه لا يفرق بين القوادح الظاهرة والخفية في التعليل، وقد أورد الدكتور إبراهيم بن الصديق بعض النماذج للإستدلال على ذلك؛ منها قوله:
_________________
(١) مبحث "التعليل عند المغاربة" مستفاد من أطروحة الدكتوراه: علم العلل في المغرب، لفضيلة العلامة إبراهيم بن الصديق، للتوسع فيه يرجع إلى الأطروحة (١/ ٧٢ )
(٢) التمهيد ١/ ٥.
(٣) التمهيد / ١٦١ - علم العلل في المغرب ١/ ٧٢
[ الدراسة / ١٠٦ ]
(وقال ابن حزم: فإن ذكروا حديثا رويناه من طريق هشام الدستوائي عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص فإن رواية عطاء لهذا الخبر مضطربة معلولة، وعطاء قد تغير بأخرة".
فسمى الإضطراب والتغير، وهما ظاهران علة كما ترى.
وقال ابن حزم أيضا، بعد أن ذكر حديثين عن المغيرة في مسح أعلى الخفين وأسفلهما:
"وأما حديثا المغيرة فأحدهما عن ابن شهاب عن المغيرة، ولم يولد ابن شهاب إلا بعد موت المغيرة بدهر طويل. وهذا قادح ظاهر".
وأضاف: "والثاني مدلس أخطأ فيه الوليد بن مسلم في موضعين، ثم أسند من طريق ثور بن يزيد، قال حدثت عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة أن رسول الله - ﷺ - مسح أعلى الخفين وأسفلهما، فصح أن ثورا لم يسمع من رجاء ابن حيوة وأنه مرسل لم يذكر كاتب المغيرة".
وهذا قادح خفي وهو العلة في الإصطلاح وأضاف:
"وعلة ثالثة، وهي أنه لم يسم فيه كاتب المغيرة"
والجهل بالراوي قادح ظاهر، ومع ذلك سماه علة). (١)
والذي يعود إلى قسم "العلل" من كتاب تقييد المهمل لأبي علي الجياني يجده قد سار على نفس النهج الذي اصطلح عليه الغاربة، فهو لا يفرق بين ما كان ظاهرا وما كان خفيا من القوادح.
ويزداد الأمر بيانا بالرجوع إلى كتاب الأحكام الشرعية، لعبد الحق الإشبيلي، حيث يطالعنا في مقدمة كتابه بما يسلط الضوء على اتساع دلالة العلة عنده؛
_________________
(١) علم العلل في الغرب ١/ ٧٣
[ الدراسة / ١٠٧ ]
حيث يقول:
(وأكثر ما ذكر من العلل ما يوجب حكما ويثبت ضعفا ويخرج الحديث من العمل به إلى الرغبة عنه والترك له، أو الإعتبار بروايته، مثل القطع والإرسال والتوفيق، وضعف الراوي، والاختلاف الكثير في الإسناد، وليس كل إسناد يفسده الاختلاف. وليس الإرسال أيضا علة عند قوم إذا كان الذي يرسله إماما، ولا التوقيف علة أخرى إذا كان الذي يسنده ثقة، وضعف الراوي علة عند الجميع). (١)
أما ابن القطان فهو إمام الغاربة في علم العلل في هذه الحقبة -النصف الثاني من القرن السادس والقسم الأول من القرن السابع- ونظرة أولى إلى كتابه: "بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام" تعطي الجزم بأنه لم يخرج عن الإصطلاح الواسع الدلالة لهذا العلم، إذ حتى محترزات الإتصال والعدالة هي الأخرى مما يعلل به ابن القطان
وسيتضح من خلال منهج ابن المواق في التعليل المزيد من التفصيل العملي لمدرسة التعليل بالمغرب.
_________________
(١) مخطوط: الأحكام الشرعية، لعبد الحق الإشبيلي: الجزء الأول، الورقة ٣،٢.
[ الدراسة / ١٠٨ ]