الكتب المؤلفة في أحاديث الأحكام
[ الدراسة / ١٠٩ ]
تقدم الجانب الأول من موضوع الكتب الثلاثة -"الأحكام" و"البيان" و"البغية"- وهو علم العلل أما الجانب الثاني لهذه الكتب فهو تصنيفها باعتبارها كتب أحكام، وهذا يقتضي أن نلقي نظرة موجزة عن الكتب الحديثية التي صنفت في الأحكام.
اهتم المحدثون في فترات غير قليلة بذكر سند الحديث، وهم إذا ذكروه قد تفصوا من عهدته، لشيوع المعرفة بالرجال، جرحهم وتعديلهم، سابقهم ولاحقهم، ولمعرفة من سمع من هذا الراوي، ومن لم يسمع منه، ومن يدلس ومن لا يدلس، ومن-روي المناكر، ومن يتحاشاها، من له علم بشيوخه عامة، وبرواة عصره، ومن هو مقصور العلم بمعرفة حال شيوخه الذين أخذ عنهم، وبمن اختلط في فترة من عمره، وبمن لم يختلط، كما كان لهم علم ومعرفة بعلل الأخبار، وناسخها من منسوخها، ومتقدمها من لاحقها.
وكانت دائرة العلوم الإسلامية محصورة فى الكتاب والسنة، وثم اتسعت هذه الدائرة لتتفرع إلى علوم أخرى؛ من فقه وأصول وحديث وتفسير وكلام، وأصبح كل علم منها قائما بذاته، له أسسه وقواعده التي تضبط مساره وتحدد اتجاهه، فغلبت إحدى هذه الفروع المعرفية على كل طائفة من العلماء، وشاع التخصص فى الدراسة والتحصيل، وأصبح أهل كل تخصص لا ينازعون أهل التخصص الآخر، لكن التداخل بين العلوم الإسلامية يفرض احتياج كل طائفة إلى الأخرى، وكتاب الله هو أصل هذه العلوم وإليه مرجعها، لكنه أجمل في مواطن كثيرة، وترك للسنة التفصيل فيها، ولم يعرج على أحكام في مجالات أخرى باعتبار أن الرسول - ﷺ - سيتكفل ببيانها من هنا كانت أحاديث رسول الله - ﷺ - قطب الرحى للعلوم الإسلامية، فلا يستعاض عنها بشيء، ولا يقوم مقامها علم من العلوم.
ولما كانت جميع أفعال الإنسان وأقواله وتصرفاته محكومة بشرع الله احتاج الناس لعرفة هذا الشرع، ولا مجال لمعرفته إلا بالرجوع إلى ما صح عن رسول الله - ﷺ - من الأقوال والأفعال والتقريرات التي تبين ذلك، ثم إن مجال اتساع
[ الدراسة / ١١١ ]
العلوم من جهة، وضعف الهمة من جهة ثانية لم يعد يسمح لأهل الفقه مثلا أن يعودوا إلى دواوين السنة وكتبها الكثيرة لإنتقاء الصحيح منها دون غيره لبناء الأحكام الفقهية عليه، فكانت الحاجة الملحة للمحدثين -وهم فرسان هذا العلم- أن يدلوا بدلوهم لييسرو للفقهاء النصوص الحديثية التي تكون مرتكز عملهم، وهكذا برزت المؤلفات فى أحاديث الأحكام محذوفة السند، مبينة الرتبة، منصوص على ما فيه علة منها، مع الإشارة إلى مخرجيها، وهذه بعضها:
- الجامع في حد صحيح الحديث باختصار الأسانيد، للحافظ أبي محمد علي ابن سعيد، المعروف بابن حزم الأندلسي المتوفى سنة ٤٥٦ هـ. (١)
- "الجامع لنكت الأحكام" المستخرج من الكتب المشهورة في الإسلام، لأبي القاسم زيدون بن علي القيرواني، الشهير بأبي القاسم الزيدوني -ولما كان مؤلفه فقيها فإنه لم يكن موفيا بالناحية الفنية الحديثية؛ التي وضع الكتاب من أجلها، وفي هذا الصدد يقول عبد الحق الإشبيلي:
(وإن أبا القاسم -﵀- أخذ الأحاديث غثها وسمينها، صحيحها وسقيمها، فأخرجها بجملتها ولم يتكلم في شيء من عللها إلا الشيء اليسير والنادر القليل، وقد ترك أحاديث فى الأحكام لم يخرجها، إذ لم تكن في الكتب التي أخرج حديثها، وإن كان فيها أحاديث معتلة فقد أخرج أمثالها في الوهن وأيضا فإن أبا القاسم عمد إلى الحديث فأخرجه من كتب كثيرة وترجم عليه بأسماء عديدة، ولم يذكر إلا لفظا واحدا، ولم يبين لفظ من هو، ولا من انفرد به، وقلما يجيء الحديث الواحد في كتب كثيرة إلا باختلاف في لفظ أو معنى أو زيادة أو نقصان، ولم يبين هو شيئا من ذلك إلا في النزر القليل، أو في الحديث
_________________
(١) إيضاح المكنون فى الذيل على كشف الظنون، لإسماعيل باشا ٣/ ٣٥٦. ويقول د. إبراهيم بن الصديق بشأن كتاب ابن حزم هذا: (ولعلها أول محاولة في هذا المجال)، حيث كان كتابه جامعا لصحيح الحديث، مختصر الأسانيد، مشتملا على أكمل ألفاظها وأصح معانيها. علم العلل فى المغرب ١/ ١٧.
[ الدراسة / ١١٢ ]
من المائة، أو في أكثر، أو فيما كان من ذلك، وليس الاختلاف في اللفظ مما يقدح في الحديث إذا كان المعنى متفقا، ولكن الأولى أن ينسب كل كلام إلى قائله، ويعزى كل لفظ إلى الناطق به). (١)
وفي نفس المرحلة التاريخية -تقريبا- كانت محاولة أخرى في التأليف في أحاديث الأحكام في المشرق العربي، للحافظ المحدث أبي محمد الحسين بن مسعود البغوي (ت ٥١٦ هـ) تتجلى في كتابه الشهير بـ (مصابيح السنة).
وهو كتاب انتخبه البغوي من صحيحي البخاري ومسلم، وسنن أبي داود والترمذي والنسائي والدارمي، ذاكرا أحاديثه محذوفة الأسانيد، ولم يهتم بذكر من أخرج كل حديث على حدة، ولا ذكر صحابيه.
يقول في مقدمة كتابه عن أحاديث الكتاب:
(جمعتها للمنقطعين إلى العبادة، لتكون لهم بعد كتاب الله تعالى حظا من السن، وعونا على ما هم فيه من الطاعة، وتركت ذكر أسانيدها حذرا من الإطالة عليهم، واعتمادا على نقل الأئمة، ربما سميت في بعضها الصحالي الذي يرويه عن رسول الله - ﷺ - وتجد أحاديث كل باب منها تنقسم إلى صحاح وحسان (٢) وما كان فيها من ضعيف أو غريب أشرت إليه وأعرضت عما كان منكرا أو موضوعا). (٣)
_________________
(١) الأحكام الشرعة الوسطى، لعبد الحق، مخ: خزانة ابن يوسف (١ /ل: ٣. ب )، وكذلك: علم العلل في المغرب ١/ ٩٨، ٩٩. هذا الكتاب أي "الجامع لنكت الأحكام" من مرويات القاضي عياض؛ فقد رواه عن أبي جعفر أحمد ابن سعيد بن خالد بن بشتغير اللخمين عبد الفادر بن الحناط، عن أبي حفص بن الحذاء، عن مؤلفه. انظر -غير مأمور- الفنية، للقاضي عاض ترجمة أحمد بن سعيد (تحقيق: د. محمد بن عبد الكريم) ص: ١٦٦.
(٢) للبغوي اصطلاح خاص في تقسيم الأحاديث إلى صحاح وحسان، فهو يعني بالصحاح ما كان مخرجا في أحد الصحيحين، وبالحسان ما كان في غيرها.
(٣) مقدمة مصابيح السنة: ٢.
[ الدراسة / ١١٣ ]
ومن الذين ساهموا في تثبيت مسيرة التصنيف في أحاديث الأحكام أبو جعفر أحمد بن عبد الملك الأنصاري الإشبيلي، المعروف بابن أبي مروان (ت ٥٤٩ هـ) وذلك في كتابه: "المنتخب المنتقى" حيث جمع فيه مفترق الصحيح من الحديث الواقع في المصنفات والمسندات.
يقول ابن الأبار:
(كان حافظا عارفا بالحديث ورجاله، فقيها ظاهري المذهب، على طريقة ابن حزم، وله تأليف مفيد في الحديث سماه: "المنتخب المنتقى" جمع فيه مفترق الصحيح مما افترق في أمهات المسندات من نوازل الشرع. (١)
ولما كان عبد الحق الإشبيلي من خواص تلامذة أبي جعفر بن أبي مروان فقد استفاد منه ومن كتابه "المنتخب المنتقى" فجعله نواة لكتابه: (الأحكام).
قال ابن الأبار: (وعليه بنى كتابه أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن الإشبيلي، ومنه استفاد، وكان صاحبا لأبي جعفر هذا وملازما له). (٢)
بل إن الشيخ أحمد بن الصديق، -﵀-، ادعى أن عبد الحق قد أغار على كشاب ابن أبي مروان ونسبه إليه، حيث قال:
(فائدة في ترجمة أبي جعفر أحمد بن عبد الملك الأنصاري المعروف بابن أبي مروان من تكملة ابن الأبار: كان حافظا عارفا بالحديث ورجاله، فقيها ظاهري
_________________
(١) التكملة، لإبن الأبار ١/ ٥٨، (نقلا عن علم العلل في المغرب ١/ ١٠٠).
(٢) التكملة، لإبن الأبار ١/ ٥٨، (نقلا عن علم العلل في المغرب ١/ ١٠١). وينظر في الموضوع كذلك: سير أعلام النبلاء ٢٠/ ٢٤٩ - مقدمة الأحكام الشرعية الصغرى ١/ ٤١ .. الشروح والتعليقات، لأبي عبد الرحمن بن عقيل ١/ ٥٢ - عبد الحق وآثاره ٨٥.
[ الدراسة / ١١٤ ]
على طريقة ابن حزم، وله تأليف مفيد سماه: "المنتقى" جمع فيه ما افترق في
أمهات المسندات من نوازل الشرع، بنى كتابه أبو محمد عبد الحق الإشبيلي في الأحكام عليه، ومنه استفاد، وكان صاحبا لأبي جعفر هذا وملازما له، واستشهد بلبلة عند ثورة أهلها قلت (أحمد بن الصديق): فضاع هذا المسكبن وحاز الشهرة عبد الحق بكتاب الأحكام، ولكن إن كانت تلك الأوهام منه فقد سلمه الله من ابن القطان، ووقع في يده عبد الحق؛ وذلك جزاء من يغير على كتب الناس ويدعي ما ليس له). اهـ (١)
_________________
(١) مخطوط جونة العطار في طرف الفوائد والأخبار، لأحمد بن الصديق. ٢/ ٦٧.
[ الدراسة / ١١٥ ]
الفصل الأول