كان ابن المواق -﵀- يلتزم بالآداب العلمية في تعقيباته سواء مع شيخه ابن القطان أو مع عبد الحق الإشبيلي، أو غيرهما، وهذه بعض السمات التي كان يسير عليها في تعقيباته:
أ - التماس العذر: للواهم أو المخطئ والظن الحسن به:
ففي حديث أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ - قال (إذا قال الرجل في مجلس هلم أقامرك فقد وجبت عليه كفارة يمين) (١) هكذا ذكره عبد الحق الإشبيلي، فتعقبه ابن المواق بأنه أسقط من آخره قوله "وإن لم يفعل" وقال: (ومثل هذا لا يصح أن يتركه اختصارا، وإنما يتركه سهوا لوضوح موقعه من فقه الحديث) اهـ.
ب - عدم الإسراع بنسبة الوهم للواهم دون التثبت والتأكيد من ذلك:
ففى حديث البراء بن عازب: (قضى رسول الله صلى عليه وسلم بحفظ الحائط ) (٢) ذكر عبد الحق الإشبيلي رواية معمر لهذا الحديث، وقد جهد ابن المواق نفسه ليجد هذه الرواية مذكورة عند بعض من روى الحديث، فلما لم يقف عليها، لم يدع عدم وجودها، بل قال: "والإحاطة لله". ومعنى ذلك أنه رجح عدم عثوره عليها، لعدم إحاطته بروايات الأحاديث، ولم يوهم الإشبيلي لمجرد ذلك.
ج - الهدف هو الوصول إلى الحق:
كان هدف ابن المواق -﵀- بيان الأوهام وتصحيح الأخطاء الواقعة في كتاب بيان الوهم والإيهام، وكذا في كتاب الأحكام الوسطى، ولذا كان تارة ينتصر لعبد الحق فيما أصاب فيه، وأخرى يصوب ما ذكره ابن القطان،
_________________
(١) البغية: (ح: ٢٣٥).
(٢) البغية: (ح: ٢).
[ الدراسة / ٣٠٩ ]
وثالثة يشيد بهما معا، ورابعة يوهمهما معا، وكل هذا في آداب متناهية.
نموذج لانتصاره لعبد الحق الإشبيلي:
في حديث جعفر بن عبد الله المخزومي؛ قال رأيت محمد بن عباد بن جعفر قبل الحجر، ثم سجد عليه، قلت ما هذا؟ قال رأيت خالك ابن عباس قبل الحجر، ثم سجد عليه، وقال رأيت عمر قبله وسجد عليه، وقال رأيت رسول الله - ﷺ - قبل الحجر وسجد عليه (١) ساق عبد الحق الإشبيلي هذا الحديث من عند البزاز، لكن ابن القطان نَفَى أن يكون هذا الحديث مذكورا في حديث عمر عند البزاز، وقال: ولعله في بعض أماليه وإنما أعرفه هكذا عند ابن السكن، لكن ابن المواق اعترض عليه بأنه عند البزاز من حديث عمر فيما روى ابن عباس عنه، وإنما لم يعثر عليه، لأن البزاز لم يترجم باسم الراوي عن ابن عباس، بل ضمنه تحت ترجمة نافع بن جبير عن ابن عباس.
نموذ لموافقته لإبن القطان:
في حديث ابن عمر: (التكبير في العيدين في الركعة الأولى سبع تكبيرات وفي الآخرة خمس) (٢) ذكر هذا الحديث عبد الحق ونسبه إلى البزار؛ وقال في إسناده فرج بن فضالة.
فجهد ابن القطان نفسه ليجد هذا الحديث في مسند البزار، فلم يقف عليه فيه، ولذا جوز أن يكون وقع له في بعض أماليه، ثم قال أبو الحسن ابن القطان: (والذي في مسند البزار إنما هو الفعل لا القول ومن غير رواية الفرج بن فضالة).
وقد بحث ابن المواق عن الحديث في مسند البزار فلم يلقه فيه ولذا قال: (هو كما ذكر، هذا الحديث لم يقع في مسند البزار بذلك اللفظ الذي ذكره ق أصلا، وإنما ذكره الترمذي في كتاب العلل من طريق فرج (بن فضالة.) اهـ.
_________________
(١) البغية: (ح: ٣٣٧).
(٢) البغية: (ح: ٣٣٦).
[ الدراسة / ٣١٠ ]
نموذج آخر
في حديث ابن مسعود: (جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم) (١) ساقه عبد الحق الإشبيلي من عند البزار، ثم نقل عنه قوله: (ليس له أصل من حديث عبد الله). وعقب عليه ابن القطان بقوله: (٥ ذا الحديث والكلام بعده ليس في مسند حديث عبد الله بن مسعود من كتاب البزار، ولعله نقله من بعض أماليه، التي تقع في مجالس مكتوبة في أضعاف كتابه، في بعض النسخ ولعله يعثر عليه بعد إن شاء الله) اهـ.
فبحث عنه ابن المواق واستبشر خيرا بوجوده في مسند البزار: حيث قال (قد عثر عليه، والحمد لله، وهو كما قدره؛ فإن البزار ذكره في آخر المسند؛ في المشايخ المقلين عقب حديث وابصة بنت معبد في إملاء ذكره هنالك). اهـ
نموذج لتوهيمها معا:
ذكر عبد الحق الإشبيلي -من طريق أبي أحمد- حديث ابن مسعود: يا عمير أعتقك الحديث .. وتعقبه ابن القطان في باب نسبه الأحاديث إلى غير رواتها؛ لأن ابن الخراط ذكر في مسنده "القاسم بن عبد الله" بينما هو: "القاسم بن عبد الرحمن"، لكن ابن القطان لم يتنبه لوهم آخر لعبد الحق؛ حث سقط له من سنده: "يونس بن عمران" فإنه هو الذي يرويه عن القاسم بن عبد الرحمن، فاستدرك ابن المواق عليه ذلك وعده من أوهامهما. (٢)
د - بيان سبب الخلل أو الوهم:
ابن المواق حريص على بيان سبب الأوهام التي فيها عبد الحق الإشبيلي، أو أبو الحسن بن القطان الفاسى؛ فمن ذلك مثلا أن عبد الحق وهم أوهاما لم يكن هو الذي وهمها في أول الأمر؛ وإنما نقلها عن غيره كما هي؛ فكانت البلية فيها
_________________
(١) البغية: (ح: ٣٣٥).
(٢) البغية: (ح: ٤٥).
[ الدراسة / ٣١١ ]
ممن نقل عنه، وليس منه، وهذا بعض ما نبه عليه الحافظ ابن المواق؛ من ذلك:
ففي حديث ابن عباس أن رجلا قال لرسول الله - ﷺ -: إني نذرت أن أنحر نفسي (١) ذكره عبد الحق الإشبيلي بإسقاط راويين من إسناده، وهما: ابن عباس ومولاه كريب الراوي عنه؛ فجعل الحديث معضلا، بينما هو في مسند البزار، الذي نسبه إليه مسندا، قال الحافظ ابن المواق: (وإنما نقله ق من عند أبي محمد ابن حزم؛ فهو السابق إلى هذا الوهم فيه، وتبعه أبو محمد فسقط بسقوطه، والصواب في ذلك ما ذكرناه). اهـ
وفي حديث ابن عمر: من مثل بمملوكه فهو حر .. (٢) تغير لعبد الحق الإشبيلي راو من رواته؛ وهو (عمر بن عيسى) فأورده: (عمرو بن عيسى)، فصحح الحافظ ابن المواق هذا الوهم، ثم بين سببه؛ فقال: (وإنما جر على ق الوهم في هذا الأخير أبو محمد بن حزم؛ فإنه وقع عنده فيه: "عمرو بن عيسى"). اهـ
وفي حديث محمد بن عبد الرحمن؛ قال في كتاب صدقة النبي - ﷺ - في كتاب عمر بن الخطاب أن البقر يؤخذ منها مثل ما يؤخذ من الإبل .. (٣) وهم عبد الحق في اسم أحد رواته (سليمان بن أبي داود)، فقال فيه: (سليمان بن داود)، فلما نقله ع عن عبد الحق فلم ينتبه لوهمه؛ فنقله كما هو عنده، فوهم بوهمه، فصححه الحافظ ابن المواق، ثم قال: (وإنما غلط -والله أعلم- بما وقع فيه من الوهم في كتاب بن أبي حاتم، فإنه ذكره كذلك في باب السنين، وقاله على الصواب في المحمدين لما ذكر ابنه محمد بن سليمان؛ فقال: ابن أبي داود الحراني، فذكره على الصواب) اهـ.
_________________
(١) البغية: (ح: ٤٩).
(٢) البغية: (ح: ٣٩).
(٣) البغية: (ح: ٢٩٢).
[ الدراسة / ٣١٢ ]
وفي حديث الحسن مرفوعا: من طلق لاعبا أو أنكح لاعبا (١) وقع وهم لعبد الحق في أحد رواته وهو (إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى)، حيث قال فيه (إبراهيم بن محمد بن أبي ليلى)، فنبه ابن المواق على هذا الوهم مبينا أصل هذه الجناية؛ فقال: (وإنما جنى عليه هذا الوهم أبو محمد بن حزم؛ فإنه وقع عنده في المحلى كذلك، وكثيرا ما يجني عليه). اهـ
وفي حديث زينب بنت جابر الأحمسية التي حجت وهي مصمتة .. (٢) وقع لإبن القطان وهم في اسم راو من رواته؛ وهو: (أحمد بن بشير)؛ فقال فيه: (أحمد بن بشر)، فصححه ابن المواق ونبه إلى مصدر الوهم حيث قال: (وكما ذكره ع وقع لإبن حزم في المحلى، فوهم فيه جميعهم). اهـ
وفي حديث علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه-؛ قال: سمع النبي - ﷺ - رجلا طلق البتة فغضب وقال: "تتخذون آيات الله هزؤا .. " (٣) وهم أبو محمد الإشبيلي في (إسماعيل بن أمية) فذكره (إسماعيل بن أبي أمية)، فنبه ابن المواق على هذا الوهم؛ وقال: (وإنما غلط ق لأن الدارقطني ذكر قبل هذا الحديث متصلا به حديثا رواه من طريق إسماعيل بن أبي أمية الذراع، عن حماد بن زيد عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس؛ قال: سمعت معاذ بن جبل؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يا معاذ من طلق في بدعة واحدة أو اثنتين، أو ثلاثا ألزمناه بدعته .. " ثم ذكر الحديث المتقدم من طريق إسماعيل بن أمية .. فتوهم ق أنهما رجل واحد، وليس كذلك، ولو تثبت فيما ذكره الدارقطني في كل واحد منهما .. لعلم أنهما رجلان: أحدهما بصري، والآخر كوفي، فالبصري هو إسماعيل بن أبي أمية؛ وهو أبو الصلت الذراع والكوفي هو إسماعيل بن أمية القرشي).اهـ
_________________
(١) البغية: (ح: ٢٧٩).
(٢) البغية: (ح: ٣٧١)
(٣) البغية: (ح: ٢٨١)
[ الدراسة / ٣١٣ ]
هـ - الدعاء للواهم عند توهيمه تطييبا لخاطره:
ذكر عبد الحق الإشبيلي حديث بريدة إذا جلست في صلاتك فلا تتركن التشهد: لا إله إلا الله، وأني رسول الله، والصلاة علي، وعلى أهل بيتي .. (١) فنبه ابن المواق إلى أن جملة (أهل بيتي) زيدت في هذا الخبر، وأنها ليست في مسند البزار، وهو الأصل الذي نقله منه، ثم قال: (وأراه إنما دخل عليه الوهم من ذكره قبل ذلك: الحديث الذي أورده من حديث أبي مسعود الأنصاري متضمنا هذه الزيادة فاشتبه عليه عند النقل، فنسبه إلى حديث بريدة واهما، والله يتجاوز عنا وعنه، فالظن به أنه لا يأتي شيئًا من هذا بقصد، رحمنا الله وإياه) اهـ.
وفي حديث جابر بن عبد الله أن رسول الله - ﷺ -، كَفَّن حمزة في نمرة في ثوب واحد (٢)؛ قال: عبد الحق الإشبيلي عقبه: (صحح أبو عيسى هذا الحديث). هكذا ذكر، فنبه ابن المواق أن أبا عيسى الترمذي ذكر حديث عائشة: كفن رسول الله - ﷺ - في ثلاثة أثواب .. تم قال الترمذي عقبه: (حديث عائشة حديث حسن صحيح). قال ابن المواق: (اعتقد ق أن التصحيح لحديث جابر لما رآه بعده، ولم يتثبت عند النقل، والله يتجاوز عنا وعنه بمنه وكرمه). اهـ
وخلاصة القول أن لإبن المواق سمات عامة في تعقيباته؛ منها:
التنبيه على موطن الوهم أو الخلل في آداب متناهية، والمعاتبة في لطف، والظن الحسن بمن يقعون في الأوهام، وتنزيههم عن تعمد الوقوع فيما وقعوا من الخلل ونحوه، ونشدان الحق في كل تعقيب تعقيب، والإنصاف ببيان موطن الصواب عند الإصابة، وموطن الخطأ أو الوهم عند الزلل، وعدم إجحاف الواهم حقه، إذا وهم في ذكر حديث، ثم ذكره على الصواب ثانية، والتريث في إصدار الأحكام قبل التأكد
_________________
(١) البغية: (ح: ٢١٤).
(٢) البغية: (ح: ١٢٦).
[ الدراسة / ٣١٤ ]