اختلف الأئمة في حكم الإسناد المعنعن علي مذاهب؛ منها:
المذهب الأول: السند المعنعن من قبيل المرسل والمنقطع ما لم يتبين اتصاله من جهة أخرى.
وهذا القول حكاه ابن الصلاح ولم يسم قائله. (٢)
وكان من مذهب شعبة أن الإسناد المعنعن ونحوه ليس بحجة؛ وهذا ما نقله عنه الحافظ السخاوي:
(كل إسناد ليس فيه حدثنا وأخبرنا فهو خل وبقل) (٣). ونُقل عنه كذلك: (فلان عن فلان ليس بحديث). (٤)
_________________
(١) السند المعنعن هو ما يقال فيه: (فلان عن فلان). مقدمة ابن الصلاح ص: ٥٦ - السنن الأيين، لإبن رشيد ص: ٢١.
(٢) ونص كلامه: (فلان عن فلان عده بعض الناس من قبيل المرسل والمنقطع حتى يتبين اتصاله بغيره) علوم الحديث، لإبن الصلاح - بتحقيق نور الدين عتر- ص: ٥٦.
(٣) فتح المغيث، للسخاوي. بتحقيق الشيخ علي حسن علي ١/ ١٩٣.
(٤) رواه الخطيب البغدادي في الكفاية -بسنده إلى شعبة- ص: ٤١٢، ونقلها كذلك السخاوي في الفتح، مع نسبتها لشعبة ١/ ١٩٣.
[ الدراسة / ٢٤٣ ]
قال الحافظ ابن رجب الحنبلي -بعد نقله لكلام شعبة السابق-: قال وكيع وقال سفيان: (هو حديث). (١)
لكن الذي استقر عليه شعبة مؤخرا (أنه حديث)، وهذا ما صرح به ابن عبد البر حيث قال: (ثم إن شعبة انصرف عن هذا إلى قول سفيان. (٢)
المذهب الثاني: أن العنعنة تفيد الإتصال بشروط ثلاثة هي: المعاصرة وثبوت اللقيا والسلامة من التدليس (٣)، وهذا الذي عليه حذاق الفن كعلي بن المديني والإمام البخاري وطائفة. (٤)
وقريب من هذا ما ذهب إليه ابن عبد البر -مع دعوى الإجماع- حيث قال:
"اعلم وفقك الله أني تأملت أقاويل أئمة أهل الحديث، ونظرت في كتب من اشترط الصحيح في النقل منهم ومن لم يشترطه، فوجدتهم أجمعوا على قبول الإسناد المعنعن، لا خلاف بينهم في ذلك، إذا جمع شروطًا ثلاثة، وهي:
١ - عدالة المحدثين في أحوالهم.
٢ - ولقاء بعضهم بعضا مجالسة ومشاهدة.
٣ - وأن يكونوا برآء من التدليس. (٥)
_________________
(١) شرح علل الترمذي، لإبن رجب. بتحقيق د. همام عبد الرحيم سعيد: ١/ ٣٦٢.
(٢) التمهيد، لإبن عبد البر: ١/ ١٣.
(٣) التدليس في الإصطلاح أقسام منها: تدليس الإسناد؛ وهو أن يروي عمن لقيه ما لم يسمعه منه، أو عمن عاصره ولم يلقه، موهما أنه قد لقيه وسمع منه، وذلك بلفظ محتمل كقال فلان أو عن فلان ونحوهما. - علوم الحديث، لإبن الصلاح، بتحقيق نور الدين عتر ص: ٦٦.
(٤) جامع التحصيل في أحكام المراسيل للعلائي ص: ١٣٤.
(٥) مقدمة كتاب التمهيد ١/ ١٢ ..
[ الدراسة / ٢٤٤ ]
وقال الخطب البغدادي: "وأهل العلم مجمعون على أن قول المحدث: "حدثنا فلان عن فلان" صحيح معمول به إذا كان شيخه الذي ذكره يعرف أنه قد أدرك الذي حدث عنه ولقيه وسمع منه، ولم يكن هذا المحدث ممن يدلس، ولا يعلم أنه يستجيز إذا حدثه أحد شيوخه عن بعض من أدرك حديثًا نازلا فسمى بينهما في الإسناد من حدثه به، أن يسقط ذلك المسمى ويروي الحديث عاليا، فيقول: "حدثنا فلان عن فلان" أعني الذي لم يسمعه منه، لأن الظاهر من الحديث السالم رواية مما وصفنا الإتصال، وإن كانت العنعنة هي الغالبة على إسناده" (١)
ومن الذين ادعوا الإجماع على عد الأحاديث العنعنة متصلة، إذا خلت من التدليس، الحاكم النسيابوري. (٢)
المذهب الثالث: وهو اشترط المعاصرة مع إمكان اللقاء دون تحقق ثبوته، فمتي كان الراوي بريئا من تهمة التدليس، وكان لقاؤه بالمروي عنه بالعنعنة ممكنا من حيث السن والبلد، كان حديثه عنه متصلا سواء ثبت أنهما التقيا أو لم يثبت ذلك.
وهذا ما ذهب إليه الإمام مسلم في صحيحه، ونافح عنه في مقدمة كتابه بما لا مزيد عليه، ومنه قوله: "وذلك لأن القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار والروايات قديما وحديثا، أن كل رجل ثقة روى عن مثله حديثا وجائز ممكن له لقاؤه والسماع منه، لكونهما جميعا كانا في عصر واحد وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا ولا تشافها بكلام، فالرواية ثابتة والحجة بها لازمة، إلا أن تكون هناك دلالة بينة أن هذا الراوي لم يلق من روى عنه، أو لم يسمع منه شيئا، فأما والأمر مبهم على الإمكان الذي فسرنا، فالرواية على السماع أبدا، حتى تكون الدلالة التي بينا ". (٣)
_________________
(١) الكفاية، للخطب البغدادي. ص: ٤٢١.
(٢) معرفة علوم الحديث ص: ٤٣.
(٣) مسلم ١/ ١٤.
[ الدراسة / ٢٤٥ ]
ومذهب أبي الحسن بن القطان أنه لا يعد الحديث المعنعن متصلا وإن ثبت سماع المُعَنْعِن من المعنعَن عنه ما لم يصرح بسماعه لذلك الحديث منه.
قال ابن القطان تعقيبا على عبد الحق الإشبيلي في حديث عرفجة: (فعلى طريقة المحدثين ينبغي أن تكون رواية الأكثرين منقطعة فإنها معنعنة، وقد زاد فيها ابن علية واحدا، ولا يدرأ هذا قولهم أن عبد الرحمن بن طرفة سمع جده، وقول- يزيد بن زريع أنه سمع من جده. فإن هذا الحديث لم يقل فيه أنه سمعه منه، وقد أدخل بينهما فيه الأب ) (١)
ولما تكلم ابن المواق على حديث رافع بن خديج (٢) نقل عن ابن القطان قوله:
"ففيه كما ترى زيادة "رفاعة بن رافع" بين عباية، وجده رافع، ولم يكن في حديث مسلم، من رواية الثوري وأخيه- وهما روياه عن أبيهما - ذكر لسماع عباية من جده رافع، إنما جاء به معنعنا يحتمل الزيادة لواحد فأكثر؛ فبين أبو الاحوص عن سعيد أن بينهما واحدا، وهو رفاعة بن رافع؛ والد عباية، وإن كان الترمذي قد قال: "أن عباية سمع من جده رافع بن خديج"، فليس في ذلك أنه سمع منه هذا الحديث". (٣) ثم اجتهد في رده دعوى ابن القطان، وبين أن الحكم على السند المعنعن الذكور بأنه لا يصح دعوى باطلة، ولكننا نجد ابن المواق يتابع شيخه فيتعقبه بعدم تعليله حديثين ذكرهما عبد الحق من طريق أبي الزبير عن جابر معنعنا (٤)، والذي يظهر لي أنه إنما تعقبه في ذلك جريا على ما التزم به ابن القطان بتعليل رواية أبي الزبير عن جابر بالعنعنة، وإلا فمذهب ابن
_________________
(١) بيان الوهم والإيهام، باب ذكر أحاديث ضعفها من الطرق التي أوردها منها، وهي ضعيفة منها صحيحة أو حسنة من طرق أخر. (٢/ ل: ٨٢. ب). ونقله عنه ابن المواق في الحدث رقم (١) من البغية.
(٢) الحديث رقم ٣٧٧ من البغية.
(٣) وأصل كلام أبي الحسن ابن القطان في بيان الوهم والإيهام، باب: ومن الشكوك في رفعه مما ورد مرفوعا (١/ ل: ٦٩. أ). ونقله عنه ابن المواق في الحديث رقم ٣٧٧ من البغية.
(٤) انظر الحديثين ١٦٣،١٦٢.
[ الدراسة / ٢٤٦ ]
المواق في العنعنة والأنأنة واحد، وسيأتي ذكره في المبحث التالي.