لم ينص البخاري ومسلم على شروط اشترطوها في صحيحيهما، ولكن العلماء فهموا شروطهما بالتتبع والإستقراء، اللهم إلا ما كان من مسلم فقد وضع مقدمة لكتابه ضمنها منهجه الذي سار عليه، تناول فيها بعض ما يمكن أن يدخل في هذا الإطار.
وقد ذكر الحاكم في "معرفة علوم الحديث" صفة الحديث الصحيح؛ فقال في وصفه:
"أن يرويه عن رسول الله - ﷺ - صحابي زائل عنه اسم الجهالة؛ وهو أن يروي
_________________
(١) سنن النسائي. كتاب الجنائز. باب الرخصة في ترك القيام ٤/ ٣٤٨ ح: ١٩٢٣.
(٢) السنن الكبرى. للبيهقي: كتاب الجنائز. ٤/ ٢٨.
(٣) تحفة الأشراف، للحافظ المزي ٥/ ٢٣١ ح: ٦٤٣٨.
[ الدراسة / ٢٧١ ]
عنه تابعيان عدلان، ثم يتداوله أهل الحديث بالقبول إلى وقتنا هذا كالشهادة على الشهادة". (١)
وتكلم الحاكم في "المدخل في أصول الحديث" (٢) على أقسام الحديث فقسمها إلى عشرة أقسام، خمسة منها متفق عليها، وخمسة منها مختلف فيها، فقال:
"فالقسم الأول من المتفق عليها: اختيار البخاري ومسلم وهو الدرجة الأولى من الصحيح، ومثاله الحديث الذي يرويه الصحابي المشهور بالرواية عن رسول الله - ﷺ -، وله راويان ثقتان، ثم يرويه التابعي المشهور بالرواية عن الصحابي وله راويان ثقتان، ثم يرويه عن أتباع التابعين الحافظ المتقن المشهور وله رواه من الطبقة الرابعة ثم يكون شيخ البخاري أو مسلم حافظا متقنا مشهورا بالعدالة في روايته، فهذه الدرجة الأولى من الصحيح". (٣)
وفهمت طائفة كبيرة من كلام الحاكم المتقدم أن شرط الشيخين البخاري ومسلم ألا يخرجا إلا حديثا سمعاه من شيخين عدلين، وكل واحد منهما رواه أيضا عن عدلين كذلك إلى أن يتصل الحديث على هذا النوال برسول الله - ﷺ -، وأنهما لم يخرجا حديثا لم يعرف إلا من جهة واحدة، أو لم يروه إلا راو واحد، وإن كان ثقة. فانبرت طائفة من المحدثين للرد على الحاكم فيما ذهب إليه؛ قال الحازمي:
"فاعلم وفقك الله تعالى أن هذا قول من يستطرف أطراف الآثار، ولم يلج تيار الأخبار، وجهل مخارج الحديث، ولم يعثر على مذاهب أهل التحديث. ومن
_________________
(١) معرفة علوم الحديث. النوع التاسع عشر من علوم الحديث. ص: ٦٢.
(٢) المدخل فى أصول الحديث، للحاكم ص: ١٥٠.
(٣) قال السيوطي: (فعمم [أي الحاكم] في علوم الحدث شرط الصحيح من حيث هو. وخصص ذلك في المدخل بشرط الشيخين). وهذا ما يجعل المؤاخذة عليه أشد في معرفة علوم الحديث لإدعائه أن هذا الشرط لكل حديث صحيح، بينما هو في الدخل شرط للصحيحين فقط.
[ الدراسة / ٢٧٢ ]
عرف مذاهب الفقهاء في انقسام الأخبار إلى المتواتر والآحاد وقف على اصطلاح العلماء في كيفية مخرج الإسناد لم يذهب هذا المذهب وسهل عليه المطلب. ولعمري هذا قول قد قيل ودعوى قد تقدمت". (١)
وقال كذلك؛ "وأما قول الحاكم في القسم الأول: إن اختيار البخاري ومسلم إخراج الحديث عن عدلين، إلى النبي - ﷺ - فهذا غير صحيح طردا وعكسا، بل لو عكس القضية، وحكم كان أسلم، وقد صرح بنحو ما قلت من هو أمكن منه في الحديث، وهو أبو حاتم محمد بن حبان البستي: أخبرني أبو المحاسن محمد بن عبد الملك بن علي الهمداني. أنبأنا أبو القاسم المستملي. أنبأنا أبو الحسن علي بن محمد بن علي. أنبأنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن محمد ابن هارون الزوزني. حدثنا ابن حبان البستي، قال وأما الأخبار فإنها كلها أخبار آحاد؛ لأنه ليس يوجد عن النبي - ﷺ - خبر من رواية عدلين، روى أحدهما عن عدلين، وكل واحد منهما عن عدلين حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله - ﷺ -، فلما استحال هذا وبطل ثبت أن الأخبار كلها أخبار آحاد. ومن اشترط ذلك فقد عمد إلى ترك السنن كلها لعدم وجود السنن إلا من رواية الآحاد. هذا آخر كلام ابن حبان، ومن سبر مطالع الأخبار عرف أن ما ذكره ابن حبان أقرب للصواب ". (٢)
وذكر أبو الفضل بن طاهر المقدسي أن شرك البخاري ومسلما أن يخرجا الحديث المتفق على ثقة نقلته (٣) إلى الصحابي المشهور من غير اختلاف بين
_________________
(١) شروط الأئمة الخمسة، للحازمي. ص: ٣٥.
(٢) الشروط الخمسة، للحازمي ٤٣ ..
(٣) اعترض بعضهم على قوله "المتفق على ثقة نقلته بأن النسائي ضعف جماعة ممن خرج لهم الشيخان أو أحدهما".
[ الدراسة / ٢٧٣ ]
الثقات الأثبات، ويكون إسناده متصلا غير مقطوع، فإن كان للصحابي راويان فصاعدا فحسن، وإن لم يكن له إلا راو واحد إذا صح الطريق إلى ذلك الراوي أخرجاه ". (١)
ثم أورد ابن طاهر ما ذكره الحاكم ناقلا له من كتابه "المدخل إلى معرفة الإكليل" واعترض عليه بقوله: "إن البخاري ومسلما لم يشترطا هذا الشرط ولا نقل عن واحد منهما أنه قال ذلك، والحاكم قدر هذا التقدير، وشرط لهما هذا الشرط على ما أظن. ولعمري إنه لشرط حسن لوكان موجودا في كتابيهما، إلا أنا وجدنا هذه القاعدة التي أسسها الحاكم منتقضة في الكتابين جميعا". (٢)
وقد مثل كل من الحافظ أبي بكر الحازمي، والحافظ أبي الفضل بن طاهر بأمثلة كثيرة للتدليل على بطلان ما ذهب إليه الحاكم، ويمكن أن يكتفى بالإشارة إلى أن البخاري افتتح صحيحه بحديث فرد غريب: (إنما الأعمال بالنيات ..)، واختتمه بحديث فرد غريب كذلك: (كلمتان خفيفتان). وفي صحيح مسلم أمثلة كثيرة من هذا الصنف كذلك. (٣)
ولما وجد بعضهم أنه لا مجال للقول بأن الشرط المتقدم هو شرط البخاري ومسلم تأولوا كلام الحاكم بأن المراد منه إنما هو اشتراط أن يكون لكل راو في الكتابين راويان؛ لا أنه يشترط أن يتفقا في رواية ذلك الحديث بعينه.
_________________
(١) شروط الأئمة الستة، ص: ١٧.
(٢) شروط الأئمة الستة. ص: ٢٢.
(٣) من الذين وافقوا الحاكم على ما ذهب: البيهقي حيث قال عند ذكر حديث بهز، عن أبيه، عن جده (ومن كتمها فإنا آخذوها وشطر إبله ) ما نصه: (فأما البخاري ومسلم فإنهما لم يخرجاه جريا على عادتهما في أن الصحابي أو التابعي، إذا لم كن له إلا راو واحد لم يخرجا حديثه في الصحيحين). السنن الكبرى. يهاب الزكاة. باب ما ورد فيمن كتمه ٤/ ١٠٥. وممن وافقه كذلك: ابن الأثير في جامع الأصول، وكذا: الحافظ أبو بكر بن العربي، لكنه رد ذلك عند شرحه للموطأ.
[ الدراسة / ٢٧٤ ]
قال أبو علي الغساني -ونقله عياض عنه-: "ليس المراد أن يكون كل خبر روياه يجتمع فيه راويان عن صحابيه، ثم عن تابعيه، فمن بعده؛ فإن ذلك يعز وجوده. وإنما المراد أن هذا الصحابي، وهذا التابعي قد روى عنه رجلان خرج بهما عن حد الجهالة". (١)
ولم ير ذلك أبو عبد الله بن المواق مقبولا؛ لذا رد عليه بقوله:
"ما حمل عليه الغساني كلام الحاكم، وتبعه عليه عياض وغيره ليس بالبين. ولا أعلم أحدا روى عنهما أنهما صرحا بذلك، ولا وجود له في كتابيهما ولا خارجا عنهما، فإن كان قائل ذلك عرفه من مذهبهما بالتصفح لتصرفهما في كتابيهما فلم يصب؛ لأن الأمرين معا في كتابيهما، وإن كان أخذه من كون ذلك أكثريا فى كتابيهما فلا دليل على كونهما اشترطاه. ولعل وجود ذلك أكثريا إنما هو لأن من روى عنه أكثر من واحد أكثر ممن لم يرو عنه إلا واحد من الرواة مطلقا، لا بالنسبة لمن خرج لهم في الصحيحين. وليس من الإنصاف التزامهما هذا الشرط من غير أن يثبت عنهما ذلك مع وجود إخلالهما به، لأنهما إذا صح عنها اشترط في لك كان في إخلالهما به درك عليهما". (٢)
وقد اطلع الحافظ ابن حجر على نقد ابن المواق فأعجب به؛ ولذا قال:
"وهذا كلام مقبول وبحث قوي". (٣)
وإن كان الحافظ ابن حجر علق على ما ذهب إليه الحاكم بقوله: "ما ذكره الحاكم وإن كان منتقضا في حق بعض الصحابة الذين أخرج لهم إلا أنه معتبر في حق من بعدهم، فليس في الكتاب حديث أصل من رواية من ليس له إلا راو واحد فقط". (٤)
_________________
(١) نقل ذلك السيوطي فى تدريب الراوي. ص: ١/ ١٢٦.
(٢) نقل ذلك عن ابن المواق السيوطي في "تدريب الراوي" ١/ ١٢٦.
(٣) عن السيوطي في تدريب الراوي ١/ ١٢٦.
(٤) هدي الساري ص: ٩ - ونقله عنه السيوطي في التدريب ١/ ١٢٦ ..
[ الدراسة / ٢٧٥ ]
وقد وجد السخاوي في كلام الحاكم ما فهم منه أنه تراجع عما كان ذهب إليه سابقًا: وهذا كلامه ببعض التصرف:
وقد وجدت في كلام الحاكم التصريح باستثناء الصحابة من ذلك، وإن كان مناقضا لكلامه الأول، ولعله رجع عنه إلى هذا، فقال: "الصحابي المعروف إذا لم نجد له راويا غير تابعي واحد معروف احتججنا به وصححنا حديثه، إذ هو صحيح على شرطهما جميعا، فإن البخاري قد احتج بحديث قيس بن أبي حازم عن كل من مرداس الأسلمي عن النبي - ﷺ -: يذهب الصالحون الأول واحتج بحديث قيس عن عدي بن عميرة عن النبي - ﷺ -: من استعملناه على عمل وليس لهما راو غير قيس بن أبي حازم، وكذلك مسلم قد احتج بأحاديث أبي مالك الأشجعي عن أبيه، وأحاديث مجزأة بن زاهر الأسلمي عن أبيه. (١)