تمهيد:
سلك الحفاظ المتقدمون طرقا ثلاثة في تصانيفهم:
- طائفة سطرت في مقدمة كتابها مُضَمَّنه، وفصلت المنهج الذي ستسير عليه فيه، حتى يتبين للقارئ المهيع المسلوك، وبالتالي لا يقع اختلاف في مقاصد ومرامي المؤلف.
- طائفة ثانية انتقلت في تأليفها مباشرة إلى ما ترمي إليه، دون بيان منهج التصنيف فيه، أو تفاصيله، وهذه كلفت القارئ بالبحث عن المنهج، وحملته عبء استقراء النصوص، وقراءة المرامي والمقاصد من خلال المصنَّف نفسه.
- وطائفة ثالثة وسط بين الطائفتين؛ لا هي فصلت المنهج وبيئته بيانا شافيا، ولا هي تركت الأمر غفلا، وهؤلاء ألمعوا إلماعا إلى منهجهم معتمدين في تبيان بقيته على فطنة القارئ ومعرفته وتمرسه بمناهج المصنفين في كتبهم المختلفة.
وصاحبنا ابن القطان من الطائفة الأولى التي لم تترك القارئ في حيرة من أمره، ولذا تجده يضع مقدمة لكتابه يسطر فيها منهجه فيه، ويضع بين يدي القارئ صورة مجملة لمضمن الكتاب والأبحاث المتناولة فيه، وهذا نص هذه المقدمة: (١)
"الحمد لله كما يحق له ويجب، والصلاة والتسليم على محمد نبيه المصطفى المنتخب وبعد؛ فإن أبا محمد عبد الحق بن عبد الرحمن الأزدي، ثم الإشبيلي -رحمة الله عليه- قد خلد في كتابه الذي جمع فيه أحاديث أحكام أفعال المكلفين علما نافعا وأجرًا قائما، زكا به علمه، ونجح فيه سعيه، وظهر عليه ما صلح فيه من نيته، وصح من طويته، فلذلك شاع الكتاب المذكور وانتشر
_________________
(١) نص هذه المقدمة مأخوذ من مخطوط تركيا لبيان الوهم والإيهام.
[ الدراسة / ١٥١ ]
وتلفي بالقبول، وحق له ذلك لجودة تصنيفه، وبراعة تأليفه واقتصاده وجودة اختياره، فلقد أحسن فيه ما شاء، وأبدع فوق ما أراد، وأربى على الغاية وزاد، ودل منه على حفظ وإتقان، وعلم وفهم واطلاع واتساع، فلذلك لا تجد أحدا ينتمي إلى نوع من أنواع العلوم الشرعية، إلا والكتاب المذكور عنده، أو نفسه متعلقة به، قد حداهم حسن تأليفه إلى الاكباب عليه وإيثاره، وخاصة من لا يشارك في طلبه بشيء من النظر في علم الحديث من فقهاء ومتكلمين وأصوليين، فإنهم الذين قد قنعوا به، ولم يبتغوا سواه، حتى لربما جر عليهم جهالات -ضرهم بها، كما نفع غيرهم ممن ينظر في هذا العلم- منها:
اعتقاد أحدهم أنه لو نظر في كتب الحديث نظر أهله، فرواها وتفقد أسانيدها، وتعرف أحوال رواتها فعلم بذلك صحة الصحيح، وسقم السقيم، وحسن الحسن، فإنها كثير مما احتوى عليه الكتاب المذكور من مشتت الأحاديث التي لا يحتوي عليها إلا ما يتعذر على الأكثر من الناس جمعه، وهذا ممن اعتقده غلط، بل إتقان كتاب من كتب الحديث وتعرفه كما يجب، يحصل به أكثر ما يحصل الكتاب المذكور من صناعة النقل.
فإنه ما من حديث يبحث عنه حق البحث، إلا ويجتمع له من أطرافه، وضم ما في معناه إليه، والتنبه إلى ما يعارضه في جميع ما يقتضيه، أو بعضه، أو يعاضده ومعرفة أحوال نقلته وتواريخهم ما يفتح له في آلاف من الأحاديث.
وكذلك يجب عليه أيضا اعتقاد أن ما ذكره من عند البخاري مثلا لابد فيه من البخاري، وما علم أنه ربما يكون عند جميعهم، وما ذكره من عند أبي داود ربما ليس هو عند الترمذي أو النسائي ولذلك ذكره من عند أبي داود، وما علم أنه ربما لم يخل منه كتاب.
وكذلك أيضا يجر عليهم تحصيل الأحاديث منه غاية التشتت، بحيث يتعرض للغلط في نسبتها إلى مواضعها بأدنى غيبة عنها. ولذلك ما ترى المشتغلين به الآخذين أنفسهم بحفظه ينسبون إلى مسلم ما ليس عنده، وإلى غيره ما لم
[ الدراسة / ١٥٢ ]
يذكر كذلك.
وربما شعر أحدهم بأنه بذلك مدلس كتدليس من يروي ما لم يسمع عمن قد روى عنه من حيث يوهم قوله: ذكر مسلم أو البخاري كذا، أنه قد رأى ذلك في موضعه ونقله من حيث ذكر، فيتحرج من ذلك أحدهم فيحوجه ذلك إلى أن يقول: ذكره عبد الحق، فحصل من ذلك فى مثل ما يحصل فيه من يذكر من النحو مسألة هي في كتاب سيبويه، فيقول: ذكرها المهدوي فى التحصيل، أو مكي في الهداية، أو يذكر مسألة من الفقه هي في أمهات كتبه، فينسبها إلى متأخري الناقلين منها، بخلاف ما يتحصل الأمر عليه في نفس قارئ كتاب مسلم وأبي داود مثلا، فإنه يعلم الأبواب مرتبة مصنفة، وأطرافها من غيره، وما عليها من زيادات أو معارضات أو معاضدات مرتبة عليها في خاطره، بحيث لا يختل، ولا يتثبج إلا في الندرة.
والذي يحصل من علم صحة هذا الذي وصفناه للمزاول أكثر وأبين مما وصفنا منه.
فالكتاب المذكور من حيث حسنه وكثرةُ ما فيه، قد جر الإعراضَ عن النظر الصحيح والترتيب الأول من تحصيل الشيء من معدنه، وأخذه من حيث أخذه هو وغيره، هذا على تقدير سلامته من اختلال نقل، أو إغفال أو خطأ في نظر أهل هذا الشأن.
فأما والأمر على هذا فقد يجب أن يكون نظر من يقرِؤه وبحثه أكثر وأكبر من بحث من يقرأ أصلا من الأصول، لا كما يصنعه كثير ممن أكب عليه من اعتمادهم على ما نقل، وتقليدهم إياه فيما رأى، وذهب إليه من تصحيح أو تسقيم، وقد يعمم بعضهم هذه القضية في جميع نظر المحدث ويقول: إنه كله تقليد.
[ الدراسة / ١٥٣ ]
وإن غاية ما ينتهي إليه الناظر بنظرهم تقليد معدل أو مجرح، فهو كتقليد مصحح أو مضعف للحديث، وهذا ممن يقوله خطأ، بل ينتهى الأمر بالمحدث إلى ما هو الحق من قبول الرواية، ورد الرأي، فهو لا يقلد من صحح ولا من ضعف، كما لا يقلد من حرم ولا من حلل، فإنها في العلمين مسائل مجتهدة، لكنه يقبل من رواية العدل الناقل له من أحوال من روى عنه الحديث ما يحصل عنده الثقة بنقله أو عكس ذلك.
ونقلهم لذلك إما مفصلا، وإما مجملا بلفظ مصطلح عليه، كألفاظ التعديل والتجريح فإنهم قد تواضعوا عليها بدلا من التطواف على جزيئات الأحوال، وتأديتها على التفصيل، فلما كان يحصل لنا من نقل العدل إذا قال لنا: إن فلانا كان ورعا حافظا ضابطا فهما عالما أن فلانا المذكور مقبول الرواية، مرجح جانب صدقه على جانب كذبه، فكذلك يحصل لنا ذلك إذا قال لفظا من الألفاظ المصطلح عليها.
ولبيان هذا المعنى والإنفصال عما يعترض به عليه مواضعه.
ولما كان الحال على ما وصفت من احتواء الكتاب المذكور على ما لا يعصم منه أحد، ولا سيما من جَمَع جَمْعَه وأكثر إكثاره، وكفى المرء نبلا أن تعد معايبه. تجردت لذكر المعثور عليه من ذلك، فذكرته مقيدا به، وممثلا لما لم أعثر عليه من نوعه، إذ الإحاطة متعذرة، وانحصر في ذلك في أمرين، وهما نقله ونظره. أما نقله (١)
فجميع هذا القسم إيهام منه لصحة سفيم أو سقم صحيح، أو لإتصال منقطع، أو لإنقطاع متصل، أو لرفع موقوت، أو لوقوت مرفوع، أو لثقة ضعيف، أو لضعيف ثقة، أو لتيقن مشكوك، أو لتشكك في مستيقن، إلى غير ذلك من مضمنه.
_________________
(١) ذكر هنا مضمن أبواب الكتاب التي سبق لي قريبا أن ذكرتها.
[ الدراسة / ١٥٤ ]
وباعتبار هذين القسمين من الأوهام والإيهامات سميته: (كتاب بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام).
والباب الذي لذكر الزيادة المفسرة أو الكملة هو باب يتسع ويكثر مضمنه، ولم نقصده بالجمع، فالذي ذكرنا فيه إنما هو التييسر ذكره، ولعلنا نعثر منه على الأكثر بعد إن شاء الله.
وقد كنت شرعت في باب أذكر فيه ما ترك ذكره من الأحاديث الصحاح الفيدة أحكاما لأفعال المكلفين -لست أعني ما ترك من حسن أو ضعيف، فإن هذا قد اعترف هو بالعجز عنه وهو فوق ما ذكر، بل من قسم الصحيح- فرأيته أمرا يكثر ويتعذر الإحاطة به، ورأيت منه كثيرا لا أشك في أنه تركه قصدا بعد العلم به والوقوف عليه، وعلمت ذلك؛ إما بأن رأيته قد كتبه في كتابه الكبير الذي يذكر فيه الأحاديث بإسنادها، الذي منه اختصر هذا، وإما بأن يكون مذكورا في باب واحد من مصنف، أو في حديث صحابي واحد من مسند مع ما ذكر هنا، فعلمت أنه ترك ذلك قصدا خطأ أو صوابا، فأعرضت عن هذا المعنى، وهو أيضا إذا تعرض له لا يصلح أن يكون باب من كتاب، بل ديوانا قائما بنفسه، يتجنب فيه ما ذكره هو فقط، وقد يظن ظان أن كتابنا هذا مقصور الإفادة على من له بكتاب أبي محمد عبد الحق اعتناء، فذلك الذي يستفيد منه إصلاح خلل، أو تنبيها على مغفل، وهذا الظن ممن يظنه خطأ.
بل لوكان كتابنا قائما بنفسه، غير مشير إلى كتاب أبي محمد المذكور كان بما فيه من التنبيه على نكت حديثية، خلت عنها وعن أمثالها الكتب، وتعريف برجال يعز وجودهم، ويتعذر الوقوف على المواضع التي استفدنا أحوالهم منها، وأحاديث أفدنا فوائد في متونها، أو في أسانيدها، وعلل نبهنا عليها، وأصول أشرنا إليها، أفيد كتاب وأعظم ثمرة تجتنى.
ومن له بهذا الشأن اعتناء يعرف صحة ما قلت: وقد كاد يكون مما لم نسبق إلى مثله في الصناعة الحديثية، وترتيب النظر فيها المستفاد، بطول البحث، وكثرة
[ الدراسة / ١٥٥ ]
المباحثة والمناظرة والمفاوضة وشدة الإعتناء، ووجود الكتب التعذر وجودها على غيرنا مما تيسر الإنعام به من الله سبحانه علينا له الحمد والشكر.
فليس في كتاب أبي محمد عبد الحق حديث إلا وقد وقفت عليه في الموضع الذي نقله منه، بل وفي مواضع لم يرها هو قط، بل لعله ما سمع بها، إلا أحاديث يسيرة جدا لم أقف عليها في مواضعها، ولم آل جهدا، ولا أدعي سلامة من الخطأ لكني أتيت بالمستطاع، فإن أصبت فأرجو تضعيف الأجر، والله يعفو عن الزلل، ويتفضل بأجزال ثواب بذل المجهود، ولا حول ولا قوة إلا به، وهذا حين أبتدئ مستعينا بالله سبحانه". اهـ
[ الدراسة / ١٥٦ ]