التدليس في اللغة إخفاء العيب وكتمانه، وأصله من الدلس بالتحريك، وهو اختلاط الظلام بالنور، فمن دلس الحديث فقد جعل أمره مظلما على الواقف عليه بما أخفى من حاله، كما تخفى الأشياء على البصر في الظلمة. (٣)
_________________
(١) البغية: الحديث الأول. لوحة ١، وجه ب.
(٢) بيان الوهم والإيهام، باب ذكر أحاديث أوردها على أنها متصلة وهي منقطعة أو مشكوك في اتصالها، المدرك الثالث من مدارك الإنقطاع: (١/ل: ١٠٧. ب).
(٣) فتح المغيث بشرح ألفية الحديث، للإمام أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن السخاوي. تحقيق على حسين ١/ ٢٠٨ - الوسيط في علوم ومصطلح الحديث د. محمد أبو شهبة ص: ٢٩٥.
[ الدراسة / ٢٤٩ ]
وينقسم التدليس إلى قسمين (١) أحدهما:
تدليس الإسناد (٢)، وتحته أنواع، أذكر منها الآتي:
- تدليس الإسقاط: وهو أن يروي المحدث عمن لقيه وسمعه ما لم يسمعه منه موهما أنه سمعه منه، أو عمن لقيه ولم يسمع منه موهما أنه لقيه وسمع منه. ومن صيغة: (عن فلان)، أو (أن فلان)، أو (قال فلان)، ونحو ذلك من الصيغ التي لا تفيد التصريح بالسماع، وقد يكون الساقط واحدا أو أكثر. (٣)
- تدليس القطع: وهو أن يقطع اتصال أداة الرواية بالراوي. (٤).
- تدليس العطف: وهو أن يصرح بالتحديث في شيخ ويعطف عليه شيخا - آخر له، ولا يكون ذلك المروي من الثاني. (٥)
_________________
(١) اكتفيت بذكر أنواع تدليس الإسناد -ولم أذكر تدليس الشيوخ- لأن كلام الحافظ ابن المواق ينصب عليه.
(٢) كره جماعة من العلماء هذا القسم من التدليس وذمره، وكان شعبة بن الحجاج أشد إلناس إنكارا؛ نقل الشافعي عنه أنه قال: (التدليس أخر الكذب). وكان يقول أيضا: (لأن أزني أحب إلي من أن أدلس). قال ابن الصلاح تعقيبا على ذلك: (وهذا من شعبة إفراط محمول على المبالغة في الزجر عنه والتنفير منه). - علوم الحديث، لإبن الصلاح. ص: ٦٧.
(٣) ومن أمثلة تدليس الإسقاط ما أورده الحاكم: روى أبو عوانة عن الأعمش عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر أن النبي - ﷺ - قال: فلان في النار ينادي، يا حنان يا منان. قال أبو عوانة: قلت للأعمش سمعت هذا من إبراهيم؟ قال: لا، حدثني به حكيم بن جبير عنه. انظر: معرفة علوم الحديث ص: ١٠٥.
(٤) مثاله: ما قاله علي بن خشرم: كنا عند ابن عيينة، فقال (الزهري) فقيل له: (هل حدثك؟). فسكت! ثم قال (الزهري) فقيل له: سمعته منه؟. فقال: (لم أسمعه منه ولا منن سمعه منه، حدثني عبد الرازق، عن معمر، عن الزهري). - علوم الحديث، لإبن الصلاح- تحقيق: نور الدين عتر- ص: ٦٦.
(٥) مثاله مما رواه الحاكم أن جماعة من أصحاب هشيم بن بشير اجتمعوا يوما على أن لا يأخذوا منه التدليس، ففطن لذلك فكان يقول في كل حديث يذكره: حدثنا حصين ومغيره عن إبراهيم، فلما فرغ قال لهم: هل دلست لكم اليوم؟ فقالوا: لا. فقال: لم أسمع من مغيرة حرفا مما ذكرته، إنما قلت: حدثني حصين ومغيرة غير مسموع لي. معرفة علوم الحديث ص: ١٠٥.
[ الدراسة / ٢٥٠ ]
- تدليس التسوية: وهو أن يروي المدلس حديثا بين ثقتين لقي أحدهما الآخر، فيسقط الضعيف ويجعل بين الثقتين عبارة موهمة، فيصير الإسناد كله ثقات بحسب الظاهر، وقد كان القدماء يسمونه (تجويدا) (١).
قال بدر الدين الزركشي في نكته على ابن الصلاح: "واعلم أن بعضهم سمى هذا النوع تدليس التسوية، ومنهم أبو الحسن بن القطان وتلميذه ابن المواق؛ فقال في "بغية النقاد":
(وصورته عند أئمة هذا الشأن أن يعمد الراوي إلى إسقاط راو من بين شيخه وبين من رواه عنه شيخه، أو من بين شيخ شيخه ومن رواه عنه شيخ شيخه ليقرب بذلك الإسناد، وإنما يفعل من يفعله منهم في راويين علم التقاؤهما واشتهرت رواية أحدهما عن الآخر حتى يصير معلوم السماع منه، ثم يتفق له في حديث أن ورويه عن رجل عنه، فيعمد ذلك المسوي إلى ذلك الرجل فيسقطه؛ فيبقى الإسناد ظاهر الإتصال فيسوي الإسناد كله ثقات وهذا شر أقسام التدليس؛ لأن الثقة الأول قد لا يكون معروفا بالتدليس ويجده الواقف على المسند كذلك بعد التسوية قد رواه عن ثقة آخر فيحكم له بالصحة، وفى هذا غرور شديد، قال: ومثاله: حديث علي "إذا كان لك ما تبادرهم" ح، جرير (٢) سمع من أبي إسحاق (٣)، وروى عنه الكثير، ثم يروي هذا الحديث عن الحسن بن
_________________
(١) فتح المغيث، للسخاوي ١/ ٢٢٧.
(٢) جرير بن حازم الأزدي أحد الأئمة الكبار الثقات، لكنه كان كدلس كما نص ذلك يحيى الحماني، ذكره ابن حجر ضمن الطبقة الأولى من المدلسين الذين لا يوصفون بالتدليس إلا نادرا. ذكره الذهبي في "الميزان" وقال: (ولولا ذكر ابن عدي له ما أوردته). ترفى سنة سبعين ومائة. /ع. - ميزان الاعتدال، للذهبي ١/ ٣٩٢ ترجمة ١٤٦١ - تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس، لإبن حجر العسقلاني ص: ٣٣ ترجمة ٧.
(٣) أبو إسحاق السبيعي؛ عمرو بن عبد الله. تقدمت ترجمته: قسم التحقيق ص: ١٤٧.
[ الدراسة / ٢٥١ ]
عُمارة (١) عنه، فإسقاط الحسن بن عُمارة لكونه ضعيفًا تسوية". اهـ (٢)