نشأ ابن رشيد في مدينة سبتة، وأخذ بها عن أعلامها، وعلى يدهم تكون علمه، وتفجرت قريحته، وهذه أسماء بعض شيوخه بسبتة:
١ - عبيد الله بن أبي الربيع، أبو الحسين، (ت ٦٨٧) وكان إماما في النحو، فقيها فرضيا، لازمه ابن رشيد، وأخذ عنه القرآن بالقراءات السبع بمضمن كتاب التيسير، وقيد عنه تقييدا حسنا على كتاب سيبويه. (١)
٢ - علي بن محمد، أبو الحسن التلمساني الكتامي، المعروف بابن الخضار (٦٨٣ هـ)، قرأ عليه القراءات السبع بأحكامها. (٢)
٣ - عبد العزيز الغافقي، سمع منه ابن رشيد صحيح البخاري. (٣)
فما أنس من نفشه أنه أتم أخذ ما عندهم حتى تاقت نفسه إلى الرحلة، وهو لا -يز ال في عنفوان الشباب -أواسط العقد الثالث من عمره- فكانت رحلته لأداء فريضة الحج ولإتمام المعلومات، ولقاء المشايخ، وأخذ الإجازات، ومما يؤكد ذلك ما سطره في رحلته الحافلة من مناقشات ومذاكرات ومساجلات دارت بينه وبين من لقيه من العلماء والمحدثين تبين فيها نبوغه، وظهر فيها تفوقه.
قال ابن القاضي: (رحل إلى المشرق لأداء فريضة الحج سنة تلاث وثمانين وست مائة (٦٨٣)، وكانت إجازته البحر من المرية، فتلاقي بها هو والوزير أبو عبد الله محمد بن الحكيم، وكان قصدهما واحدا، ومأمهما متعاضدا، فترافقا في السفر، كما ترافقا في الوطن، فدخل إفريقية ومصر والشام وأخذ بها وبالحجاز عمن لقي من الأئمة الأعلام). (٤)
_________________
(١) الدرر الكامنة، لإبن حجر ٤/ ١١١ - بغية الوعاة، للسيوطي ٢/ ١٢٥ - جذوة الإقتباس ٢/ ٢٨٩ - تقديم (السنن الأبين) لإبن خوجة ص: ٢٣.
(٢) جذوة الإقتباس ١/ ٢٩٠.
(٣) مقدمة السنن الأبين ص: ٢٤.
(٤) جذوة الإقتباس، لإبن القاضي ١/ ٢٨٩.
[ الدراسة / ٨٠ ]
فيما أخل به كتاب «البيان» وأغفله أو ألم به فما تممه ولا كمله
تأليف
الحافظ أبي عبد الله محمد بن أبي يحيى أبي بكر بن خلف الشهير بابن المواق (٥٨٣ - ٦٤٢ هـ)
دراسة وتحقيق وتعليق
الدكتور محمد خرشافي
أضواء السلف
[ الدراسة / ٨١ ]
قال ابن رشيد في وصفه: (وهو شيخ في أخلاقه شكاسة وكبر وعدم فهم سمع الأربعين البلدانية للسلفي على الصفراوي، وسمع الخلعيات علي ابن عماد الحراني، وأجاز له جماعة ). (١)
٢ - أبو القاسم عبد الرحمن بن سليم بن منصور الهمداني الشافعي، ويلقب بـ"علم الدين". ذكر ابن رشيد أنه أحد وجوه الإسكندرية، وأنه أجاز له ولأبنائه وأخواته، وكتب له بخطه، وله خط جيد، وفيه نبل وفطانة ويقظة، وسمى بعض شيوخه، ثم روى من طريقه حديث عمرو بن نفيل مرفوعا (الكمأة من المن الذي أنزل الله علي بني إسرائيل، وماؤها شفاء للعين). (٢)
٣ - عبد الله بن منصور بن علي، الملقب بالمكين الأسمر، أحد الصلحاء الفضلاء، وكان متصدرا لإقراء القرآن بالإسكندرية.
قال ابن رشيد: (قرأت عليه بدكان منزله -عمره الله ببقائه- ضحى يوم السبت الحادي والعشرين لجمادى الآخرة من عام أربعة المذكور جميع المجالس الخمسية السلماسية، التي أملاها الحافظ أبو طاهر السلفي بسلماس سنة ست وخمس مائة). (٣)
٤ - أبو الحسن علي بن محمد بن يوسف بن عفيف الخزرجي الساعدي، ويلقب بضياء الدين، ويشهر بالخزرجي، من أهل غرناطة، رحل عن الأندلس قديما واستقر بالإسكندرية. وضياء الدين هذا شيخ صالح فاضل ثبت حاضر الذهن، عدل بالديار المصرية، أديب ناظم. أخذ عنه الحديث، وأول سماعه منه الحديث المسلسل: الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء). (٤)
_________________
(١) ملء العيبة، لإبن رشيد ٣/ ٧.
(٢) ملء العيبة ٣/ ١٧ ..
(٣) ملء العيبة ٣/ ٢٧.
(٤) ملء العيبة ٣/ ٤٣
[ الدراسة / ٨٢ ]
٥ - أبو الحسن علي بن أبي العباس أحمد بن عبد المحسن، المعروف بالغَرَّافي (١)، سأله ابن رشيد الإجازة فأجابه متمثلا بالبيتين:
علم الحديث فضيلة تحصيلها بالسعي والتطواف في الأمصار
فإذا أردت حصولها بإجازة فقد استعضت الصفر بالدينار
ذكر ابن رشيد طائفة من مرويات الغرافي، وعدد مجموعة من شيوخه، ونص على سماع ٥ منه، فذكر من ذلك: "ثلاثيات أبي عبد الله البخاري" وأرخ هذا السماع بالتاسع والعشرين لشهر جمادى الأولى عام أربعة وثمانين وستمائة، وعين موقعه بدار الحديث النبيهة بثغر الإسكندرية المحروس. (٢)
هذه نماذج من شيوخ ابن رشيد بالإسكندرية، وغيرهم كثير.
ثم انتقل أبو محمد إلى القاهرة وبها وجد بغيته في مجموعة من الشيوخ الذين كانت لهم مكانة رفيعة في مختلف العلوم، وخاصة علم الحديث النبوي الشريف، وهؤلاء بعضهم:
١ - أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن محمد بن أبي نصر الحلبي المشهر بابن النحاس، ويلقب ببهاء الدين، وهو أحد أعلام الديار المصرية، إمام في العربية والآداب والخلات، وله نظم رائق، ونثر فائق، وكرم ذات، ومروءة ظاهرة وأخلاق طاهرة، ورواء وبهاء، كانت لإبن رشيد معه عدة لقاءات، منها لقاء في مصر، وآخر في القاهرة - بمسجد الأقمر - وبعد فراغ ابن النحاس من درسه صحبه ابن رشيد إلى منزله، فأكرم وفادته، وعرض عليه جميع كتبه -أو أكثرها- وقال له: حكمك فيها ماض، وهي مباحة لك.
أخذ عنه ابن رشيد كتاب سيبويه، وسمع منه قطعة منتخبة من مسند عبد بن
_________________
(١) نسبة إلى نهر الغرَّاف بالعراق، من أعمال واسط. ملء العيبة ٣/ ٥٣.
(٢) ملء العيبة ٣/ ٥٣ - ٧٨ ..
[ الدراسة / ٨٣ ]
حميد. (١)
٢ - أبو بكر محمد بن إسماعيل بن عبد الله بن عبد المحسن الأنصاري، الشهير بابن الأنماطي. وصفه ابن رشيد بـ (الشيخ الحبيب الأصيل الراوية المسند). قرأ عليه جميع الثلاثيات المستخرجة من مسند عبد بن حميد بمنزل سكناه، وذلك في ظهر يوم الإثنين الثاني والعشرين من شهر رجب لعام أربعة وثمانين وست مائة. كما سمع منه جميع الجزء الأول من حديث بشر بن مطر عن ابن عيينة. (٢)
٣ - أبو عبد الله محمد بن أبي محمد عبد المنعم بن محمد بن يوسف بن أحمد اليماني الأنصاري المعروف بابن الخيَّمي، وصفه ابن رشيد بقوله: (الأديب البارع، الإمام العالم الصوفي الفاضل المعمر، الحسن السمت والصمت).
سمع عليه ابن رشيد جامع الترمذي من باب ما جاء في البكاء من خشية الله إلى آخر باب: الإستئذان ثلاثا، ومن باب ما جاء مثل النبي والأنبياء إلى آخر الكتاب. (٣)
٤ - أبو الفتح محمد بن مجد الدين علي بن وهب القشيري، الشهير بابن دقيق العيد، وصفه ابن رشيد بقوله: (الإمام الأوحدِ، العلامة المجتهد، مفتي الإسلام، ذو التصانيف الجليلة والمباحث الدقيقة، مدرس المذهبين المالكي والشافعي، بقية العلماء الأعلام) (٤). لقيه ابن رشيد أول ما لقيه بالمدرسة الصالحية - دخلها لحاجة عرضت له - وحدث أن سئل الشيخ عن قراءة البسملة في فاتحة الكتاب في الصلاة، فأجاب الشيخ، واستأذن ابن رشيد في ذكر ما يشهد لإختياره، فأذن له، وجرت بينهما مذاكرة طيبة في السألة أوردها ابن رشيد في
_________________
(١) ملء العيبة ٣/ ١٠٧ - ١١١.
(٢) ملء العيبة ٣/ ١٣٧.
(٣) ملء العيبة ٣/ ١٩١ - جذوة الإقتباس ٢/ ٢٩٠.
(٤) ملء العيبة ٣/ ٢٤٥
[ الدراسة / ٨٤ ]
رحلته (١)، ثم ذكر مروياته عنه.
ومن الشام توجه ابن رشيد إلى الحجاز، فالتقى بمشايخ بالمدينة المنورة من أهلها، أو من الوافدين عليها لأداء فريضة الحج؛ نذكر منهم:
١ - أبو إسحاق إبراهيم بن يحيى الفأسي (٢) لقيه ابن رشيد شرقي مسجد النبي - ﷺ -، وقد أقعده الكبر عن التصرف، وكان شيخا فاضلا نبيها، حسن البشر، جميل اللقاء، حاضر الذهن، كريم الخلق. قرأ عليه ابن رشيد جميع ثلاثيات البخاري. (٣)
٢ - أبو محمد عبد السلام بن محمد بن مزوع بن أحمد بن عزاز، لقب بعفيف الدين، البصري ثم المدني الحنبلي، جار رسول الله - ﷺ -، وصفه ابن رشيد بقوله: (الشيخ الإمام الفاضل الثقة المرضي النحوي). سمع عليه وأجازه الجزء الأول والثاني من حديث أبي علي الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان عن شيوخه. (٤)
٣ - أبو نصر، وأبو الحجاج يوسف بن أبي نصر بن أبي الفرج بن أبي نصر بن الشُّقَاري، لقب بعماد الدين، قدم المدينة زائرا في ركب الشام، وصفه ابن رشيد بقوله: (الشيخ الجليل الفاضل). قرأ عليه ابن رشيد جميع ثلاثيات البخاري بسماعه على ابن الزبيدي بسنده المشهور. (٥)
٤ - أحمد بن عثمان بن عمر الشافعي، الصري، خطيب المسجد النبوي، قرأ
_________________
(١) ينظر ذلك في الجزء الثالث من ملء العيبة من صفحة ٢٤٦ إلى ٢٤٨.
(٢) قال ابن رشيد: (منسوب إلى ناس، إحدى قواعد المغرب، هكذا ضبطه لنا بخطه "الفأسي" مهموزا كأنه فر من الإشتراك). ملء العيبة ٥/ ٣٧.
(٣) ملء العيبة ٥/ ٣٧.
(٤) ملء العيبة ٥/ ٤١
(٥) ملء العيبة ٥/ ٦٥
[ الدراسة / ٨٥ ]
عليه ثلاثيات البخاري. (١) وتوجه ابن رشيد من المدينة إلى مكة شرفها الله (٢)، لأداء فريضة الحج، وممن التقى بها وأخذ عنهم من المشايخ:
١ - ٢ - أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن خليل العسقلاني، وأخوه أحمد ابن أبي بكر، أخوان فاضلان، فقيها الحرم الشريف ومفتياه، من أهل مكة، لقيهما ابن رشيد بمنزلهما من الحرم الشريف فتذاكر معهما في مسائل فقهية وأصولية، وكان أول حديث سمعه ابن رشيد منهما - بمنزلهما - حديث عبد الله بن عمرو - ﵁ -، عن رسول الله - ﷺ -: "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء). (٣)
كما سمع من محمد بن أبي بكر بعض (الأربعين حديثا من رواية المحمدين)، (٤) وأجازه ما فيها بالجملة إن لم يكن بالخصوص. (٥)
٣ - أبو اليمن عبد الصمد بن عبد الوهاب بن الحسن بن محمد بن الحسن ابن هبة الله الدمشقي، المعروف بابن عساكر، الشافعي، نزيل مكة. سمع عليه ابن رشيد جملة من الصنفات بأسانيده فيها، منها: كتاب تحفة عيد الأضحى، لأبي القاسم زاهر بن طاهر الشحامي، وجزء من مسلسل يوم العيد، تخريج أبي القاسم علي بن حسن بن هبة الله الشافعي عن شيوخه، كما سمع عليه طائفة من أشعاره (٦)
_________________
(١) ملء العيبة ٥/ ٦٩.
(٢) وكان وصول ابن رشيد إلى مكة ضحى يوم السبت السادس من ذي الحجة لسنة أربع وثمانين وست مائة من الهجرة. (ملء العيبة ٥/ ٨٠).
(٣) أخرخ الحديث الترمذي، وأبو داود وأحمد، والحاكم.
(٤) هذه الأربعين من تصنيف ابن مسدي. (ملء العيبة ٥/ ١٤٠).
(٥) ملء العيبة ٥/ ١٢٩ - ١٤٠.
(٦) ملء العيبة ٥/ ١٤٥ - ١٤٧ - ١٥٤ - ١٦٤ - الإحاطة في أخبار غرناطة ٣/ ١٣٦.
[ الدراسة / ٨٦ ]