ذكر أبو سالم العياشي أنه لما زار مكة عثر على كتب غريبة منها: رحلة الشيخ المحدث محمد بن رشيد السبتي، وأنه رأى منها عدة أجزاء، وصفها بأنها كثيرة الفوائد العلمية، ثم عدد بعض يراه من فوائدها، فكان منه أن قال:
(ومنها لما ذكر عبد الله الصنابحي - راوي حديث الموطأ: إذا توضأ العبد فمضمض واستنشق خرجت خطاياه من فيه الخ ما نصه: اختلف الناس هل وجد في الصحابة من اسمه عبد الله الصنابحي أو لم يوجد، وإنما هو أبو عبد الله
_________________
(١) فتح المغيث ٢/ ١٨.
(٢) فتح الغيث ٢/ ١٨.
(٣) فتح الغيث ٢/ ١٨ - الإضافة - دراسات حديثية - بقلم محمد عمر بازمول، ص: ٢١٠.
(٤) تنقيح الأنظار - المطبوع مع توضيح الأفكار- لإبن الوزير اليماني ٢/ ١٣١ - وينظر كذلك "العواصم والقواصم" له (١/ ٣٠٧ ..)، حيث انتصر لمذهب ابن عبد البر ونقل عن أحمد بن حنبل تصحيحه لحديث: "يحمل هذا العلم ".
[ الدراسة / ٢٨٧ ]
الصنابحي التابعي المشهور، ثم ذكر [أقوال] العلماء، وأطال إلى أن قال: وقد وقفت على كلام جيد في المحاكمة بين هذين القولين في كتاب:
"المأخذ الحفال السامية عن مآخذ الأغفال في شرح ما تضمنه كتاب بيان الوهم من الإخلال والإغفال وما انضاف إليه من تتميم وإكمال". مما تولى تعليقه الحافظ الناقد أبو عبد الله محمد بن الإمام يحيى بن المواق -﵀-، وتولى -﵀- تخريج بعضه من المبيضة، ثم اخترمته المنية ولم ييلغ من تكميله الأمنية فتوليت [القائل هو ابن رشيد] تكميل تخريجه مع زيادة تتمات وكتب ما تركه المؤلف بياضا) اهـ. (١)
وبهذا يتبين أن ابن رشيد لما وجد الناس قد اختلفوا هل في الصحابة من اسمه عبد الصنابحي، أم هو وهم وقع في رواية مالك، وإنما هو أبو عبد الله الصنابحي التابعي ليس إلا، وبالتالىِ فالرواية منقطعة. ذهب إلى ترجيح قول الإمام ابن المواق فيما ذهب إليه من أن مالكا لم يهم؛ وأنهما إثنان: عبد الله صحابي، وأبو عبد الله تابعي.
وكذلك اعتمد صاحب الرحلة -أبو سالم العياشي- قول ابن المواق حيث نص هذه الفائدة على ما ختم به من تأكيد ما ذكر من صحة وجود عبد الله المذكور وكونه صحابيا. (٢)
وبالرجوع إلى ملء العيبة نجد أن ابن رشيد إنما اطلع على كتاب العجالة في الأنساب من تأليف أبي بكر محمد بن موسى الحازمي؛ وقد جاء فيه:
(الصنابحي منسوب إلى صنابح بن زاهر بن عامر بن عوثبان بن زاهر بن يحارب، وهو مراد، بطن من مراد، منهم أبو عبد الله عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي، يروي عن أبي بكر، وبلال، وعبادة بن الصامت، روى عنه عطاء بن
_________________
(١) ماء الموائد ٢/ ٢٤٦
(٢) ماء الموائد ٢/ ٢٤٧.
[ الدراسة / ٢٨٨ ]
يسار، وأبو الخير مرثد بن عبد الله اليزني، وليس له صحبة، لأنه قدم الدينة بعد وفاة رسول الله - ﷺ - بخمس ليال. والصنابح بن الأعسر لا مدخل له مع هذا في الباب. وذاك أحمسي وله صحبة، وهذا صنابحي، وهو تابعي). انتهى كلام الحافظ أبو بكر.
فاشتاق ابن رشيد لمعرفة القول الفصل في المسألة، فما كان إلا أن وقف على كتاب: (المآخذ الحفال السامية ). فكان ذلك شافيا لما في نفسه في هذه المسألة.
قال ابن رشيد السبتي:
(ونص ما أورده [أي ابن المواق] حاكيا كلام شيخه أبي الحسن، -﵀-، ومستدركا عليه ومتعقبا قال:
(ومن التردد فيه في هذا الباب الذي رده بالإنقطاع ويغلب على الظن اتصاله ما ذص من رواية مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله الصنابحي أن رسول الله - ﷺ - قال:
"إذا توضأ العبد المؤمن فمضمض خرجت الخطايا من فيه " الحديث.
ثم قال: وعبد الله الصنابحي لم يلق النبي - ﷺ -، ويقال: أبو عبد الله وهو الصواب. واسمه عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي. قال أبو الحصن -﵀- انتهى ما ذكر، وهو كله مقول.
أكثرهم زعموا أن مالكا وهم في قوله: عن عبد الله الصنابحي في هذا الحديث، وفي الحديث: "إن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان"، وفي صلاته خلف أبي بكر الغرب وقراءته في الأخيرة: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ (١) كل هذه الأحاديث يقول فيها مالك: عن عبد الصنابحي، يزعمون
_________________
(١) سورة آل عمران الآية: ٨.
[ الدراسة / ٢٨٩ ]
أنه وهم فيه، أو لم يعرفه، فأسماه عبد الله، فإن الناس كلهم عبيد الله.
ثم ذكر قول الترمذي: سألت البخاري عنه، فقال: وهم مالك في هذا، فقال "عبد الله الصنابحي"، وهو أبو عبد الله الصنابحي، واسمه عبد الرحمن بن عسيلة، ولم يسمع من النبي - ﷺ -.
وهذا الحديث مرسل. ثم قال: وممن تبعه على هذا، ونقله كما هو أبو عمر بن عبد البر. وممن نحا نحوه أبو محمد بن أبي حاتم وأبوه، ثم ذكر ما ذكره ابن أبي حاتم إلى قوله: سمعت أبي يقول ذلك.
ثم قال: هذا ما ذكره به. وبلا شك أن هذا الذي ذكروا في أبي عبد الصنابحي وهم كما ذكروه. فهو رجل مشهور الخير والفضل، فاتته الصحبة بموت النبي - ﷺ - قبل وصوله إليه بليال، ولكن التكهن بأنه المراد بقول عطاء بن يسار عن عبد الله الصنابحي ونسبة الوهم فيه إلى مالك أو إلى من فوقه. كل ذلك خطأ ولا سبيل إليه إلا بحجة بينة. ومالك -﵀- لم ينفرد بما قال من ذلك عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، بل وافقه عليه أبو غسان محمد بن مطرف، وهو أحد الثقات. وثقه ابن معين وأبو حاتم، وأثنى عليه أحمد بن حنبل، واتفق البخاري ومسلم على الإخراج له والإحتجاج به، ثم ذكر من طريق أبي داود، عن محمد بن حرب الواسطي؛ قال: أنا يزيد بن هارون، أنا ابن مطرف، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عبد عبد الله الصنابحي؛ قال: زعم أبو محمد أن الوتر واجب، فقال عبادة بن الصامت: كذب أبو محمد الحديث.
وممن وافق مالكا وأبا غسان على ذلك زهير بن محمد، رواه عن زيد بن أسلم. كذلك ذكره أبو علي بن السكن فذكر أيضا: عن عبد الله بن محمد؛ قال: أنا سويد ين سعيد؛ قال أنا حفص بن ميصرة في زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، عبد عبد الله الصنابحي، سمعت رسول الله - ﷺ - قال: "إن الشمس تطلع مع قرن الشيطان، فإذا طلعت قارنها، وإذا ارتفعت فارقها". وذكر الحديث ثم قال: هؤلاء مالك وأبو غسان وزهير بن محمد وحفص بن ميسرة كلهم يقول
[ الدراسة / ٢٩٠ ]
فيه؛ عبد الله الصنابحي. نص حفص بن ميسرة على سماعه من النبي - ﷺ - في هذا الحديث. وترجم ابن السكن لأسمه في الصحابة، وقال: يقال له صحبة، معدود في المدنيين. روى عنه عطاء بن يسار. قال: ويقال إن عبد الله الصنابحي غير معروف في الصحابة.
وسأل عباس الدوري يحيى بن معين عن هذا فقال: عبد الله الصنابحي روى عنه المدنيون، ويشبه أن تكون له صحبة.
ثم قال الشيخ أبو الحسن بن القطان -﵀-: "والمتحصل من هذا أنهما رجلان؛ أحدهما أبو عبد الله عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي، ليس له صحبة، يروي عن أبي بكر وعبادة، والآخر عبد الله الصنابحي يروي أيضا عن أبي بكر وعن عبادة. والظاهر منه أن له صحبة، ولا أبت ذلك، ولا أيضا أجعله أبا عبد الله عبد الرحمن بن عيسلة، فإن توهين أربعة من الثقات في ذلك لا يصح، فاعلمه.
قال القاضي أبو عبد الله بن المواق. -﵀-: تكلم أبو الحسن على هذا الحديث كلاما جيدا، ومع ذلك فعليه فيه أدراك.
أحدهما: عده حديث صلاة أبي بكر وقراءته في المغرب: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ مما رواه مالك. فقال فيه: "عن عبد الله الصنابحي" فإنه وهم، وإنما قال فيه مالك: "عن أبي عبد الله الصنابحي، روى الرواة عن مالك عن أبي عبيد. مولى سليمان بن عبد الملك. عن عبادة بن نسي، عن قيس بن الحارث، عن أبي عبد الله الصنابحي أنه قال:
قدمت المدينة في خلافة أبي بكر الصديق، فصليت وراءه المغرب، فقرأ في الركعتين الأوليين بأم القرآن وسورة من قصار المفصل، ثم قام في الثالثة فدنوت منه حتى أن ثيابي لتكاد أن تمس ثيابه، فسمعته قرأ بأم القرآن، وهذه الآية: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾.
[ الدراسة / ٢٩١ ]
الثاني: قوله: "عبد الله الصنابحي روى عن أبي بكر، فإنه أيضا وهم جره وهمه الأول". فإنه لما اعتقد أنه الراوي حديث أبي بكر صلاة أبي بكر في المغرب عد فيمن روى عنه عبد الله الصنابحي أبا بكر، وليس كذلك، فإن عبد الله الصنابحي لا تعرف له رواية إلا في الأحاديث الثلاثة: حديث الوضوء، وحديث إن الشمس تطلع، وحديث الوتر، فاعلمه.
الثالث: قوله إن مالكا لم يعرفه؛ فأسماه عبد الله، فإن الناس كلهم عبيد الله، ونَسْبُه هذا إلى من يقوله، ولم يسم أحدا وهو خطأ من قائله. فإن مالكا، ﵀، أشد الناس تحفظا وتورعا فى رواية الحديث والإتيان به على نص ما سمعه. ويشهد على صحة ما قلناه وخطأ من قال ذلك أنه ذكره في حديث "صلاة أبي بكر المغرب" على ما سمعه من أبي عبيد، فقال: عن أبي عبد الله الصنابحي. فدل ذلك أنه في الحديثين أتى به على ما سمع من زيد بن أسلم. والله أعلم.
وقد قال أبو عمر بن عبد البر: ما أظن هذا الإضطراب جاء إلا من زيد بن أسلم.
قال القاضي أبو عبد الله محمد بن أبي يحيى: لو كان مالك هو الذي أسماه في الحديثين، لاُنه لم يعرفه كما زعم هذا القائل لأسماه في هذا أيضا كذلك، وإنما نقل -﵀- ما سمع.
الرابع: أنه أغفل من قول ابن معين وغيره في عبد الله الصنابحي ما يقوي مذهبه فيه. وذلك ما روى ابن أبي خيثمة؛ قال: قال لي يحيى بن معين "الصنابحي؛ عبد الرحمن بن عسيلة لم يلق النبي - ﷺ -، وعبد الله الصنابحي، ويقال أبو عبد الله الصنابحي لقي النبي - ﷺ -".
قال القاضي أبو عبد الله: ففرق ابن معين بينهما، وأتبت، لأحدهما الصحبة ونفاها عن الآخر. فذكر البخاري في التاريخ حديث مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله الصنابحي، عن النبي - ﷺ - في الوضوء، ثم قال: وتابعه ابن أبي مريم عن أبي غسان، عن زيد
[ الدراسة / ٢٩٢ ]
قال القاضي أبو عبد الله وأخرج النسائي الحديثين في مسند مالك، ولوكانا عنده على الوهم ما أخرجهما، وكذلك خرجهما في المصنف، ولم يذكر أنهما مرسلان، وذكر مسلم في التمييز أحاديث نسب الوهم فيها إلى مالك، ولم يذكر هذين الحديثين فيهما، وذكره أبو القاسم بن عساكر في الأطراف فجعله في عدد الصحابة من العبادلة. وذكر أن ابن ماجة القزويني روى حديث: "إن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان" عن إسحاق الكوسجي، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم نحوه.
وروى روح بن القاسم العنبري، عن مالك، وعن زهير بن محمد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار قال: سمعت عبد الله الصنابحي يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "إن الشمس تطلع بقرن الشيطان" وذكر الحديث.
خرجه الدارقطني في اختلاف الموطآت فقال: أنا أحمد بن محمد بن يزيد الزعفراني، قال: أنا إسماعيل بن أبي الحارث، وأنا روح فذكره. ففي هذا سماعه من النبي - ﷺ - من رواية مالك وزهير بن محمد كما في رواية سويد بن سعيد عن حفص بن ميسرة. ورواه الحارث بن أبي أسامة عن روح بإسناده، وفيه: سمعت رسول الله - ﷺ -، ذكره قاسم.
وروح بن قاسم أحد الثقات؛ وإسماعيل بن أبي الحارث شيخ للبزار، روى عنه في مسنده، وقال ثقة مأمون؛ وأحمد بن محمد الزعفراني أحد الثقات ذكره الخطيب ووثقه. وحكى أن يوسف القواس ذكره في جملة شيوخه الثقات، فاعلم ذلك.
قال القاضي أبو عبد الله: فهذه الروايات كلها عاضدة لا ذكره، ولكنه أغفلها، والإحاطة لله وحده.
[ الدراسة / ٢٩٣ ]
الدرك الخامس: أنه ذكر هنا رواية زهير بن محمد واعتض بها، ووثقه في جملة من شملهم إطلاق لفظه بل نصه، وقد ضعفه فى حديث عائشة في التسليمة الواحدة؛ وقد ضعف به غير حديث، ونقله هنا اصوب). (١)
قال ابن رشيد السبتي: (انتهى كلام القاضي أبي عبد الله [أي ابن المواق]، أوردناه بجملته، وإن كان فيه بعض ما لا تمس حاجتنا إليه في الموضع، ولكنه، اشتمل على فوائد ومحاسن، فاخترنا إيراده بكامله، والله ينفع بذلك الجميع، ويتغمدنا برحمته إنه منعم كريم رؤوف رحيم). (٢)