علم الجرح والتعديل من أهم العلوم، وأعظمها خطرا، إذ هو واجب لصون الشريعة وحفظ الدين من تحريف الغالين، واتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، ولا يقدر على القيام به إلا الأفذاذ الجهابذة، والنقاد الصيارفة، الذين اتصفوا بالمهارة العلمية، والعفة الخلقية، مع الدين المتين، والخشية من الله رب العالمين.
ومن تتبع سيرة أئمة الجرح والتعديل رآهم من خيرة الناس في علمهم، ودينهم وورعهم، وبعد مداركهم ونبل غاياتهم، فقد تحملوا التعب والنصب والجوع والعطش وصبروا على الإيذاء والكره وهجران الأهل والأوطان لينفوا عن دينهم الزيف والفساد، كي يبقى غضا طريا. (٣)
وقد نص كبار أهل هذا الشأن على الشروط التي تشترط في المتكلم في الرواة بالجرح والتعديل، فهذا الذهبي يقول في ميزان الاعتدال: (والكلام في الرجال لا
_________________
(١) تدرب الراوي: للسيوطي ١/ ١٤٥.
(٢) النكت على ابن الصلاح، للزركشي - من تحقيق أستاذي الفاضل: د. زين العابدين بلا فريج -رسالة الماجستير- ٢/ ١٩٨
(٣) مباحث في علم الجرح والتعديل ص: ١٣٥.
[ الدراسة / ١٨٨ ]
يجوز إلا لتام المعرفة، تام الورع). (١)
ويقول في الموقظة:
(والكلام في الرواة يحتاج إلى ورع تام، وبراءة من الهوى والميل، وخبرة كاملة بالحديث وعلله، ورجاله). (٢)
وقال في تذكرة الحفاظ: (لا سبيل إلى أن يصير العارف الذي يزكي نقلة الأخبار ويجرحهم جهبذا إلا بإدمان الطلب والفحص عن هذا الشأن وكثرة المذاكرة والسهر والتيقظ والفهم مع التقوى، والدين المتين والإنصاف، والتردد إلى مجالس العلماء، والتحري والإتقان). (٣)
ومعنى هذا أنه ما كان لكبار المحدثين أن يشهدوا لإبن المواق بمعرفة بالجرح والتعديل لولا ما علموا من مكانته العلمية في هذا العلم بالذات، والذي يعود إلى الكتب المتأخرة التي تتكلم على الرواة تعديلا وتجريحا يجد فيها نقولا عن ابن المواق في نقد الرجال.
وهذه بعض النماذج لذلك:
- لما ترجم الحافظ ابن حجر ل: عمر بن حفص بن سعد بن مالك الحميري الوصابي، ذكر ما نصه: "قلت: قال ابن المواق: لا يعرف حاله".
ولا يخفى أن شيخ الإسلام ابن حجر قد قبل من ابن المواق الحكم على هذا الراوي بجهالة الحال، ولذا ساق كلامه دون أن يعقب عليه. (٤)
- قال أبو عبد الله بن المواق في عصمة بن عبد الله: (مجهول، لا أعلم أحدا
_________________
(١) ميزان الاعتدال ٣/ ٤٦.
(٢) الموقظة في علم مصطلح الحديث. ص: ٨٢ (بتحقيق عبد الفتاح أبي غدة).
(٣) تذكرة الحفاظ ١/ ٤.
(٤) تهذيب التهذيب ٧/ ٣٨١ ترجمة ٧١٣.
[ الدراسة / ١٨٩ ]
ذكره). (١)
- وقال في محمد بن داود بن سفيان: (مجهول بالنقل، لا أعلم روى عنه غير أبي داود). (٢)
- وقال في أبي بكر بن أبي سبرة: (راو متروك، موصوف بالوضع)، (٣) وغير ذلك كثير. (٤)