ذكر عبد الحق الإشبيلي، من عند أبي داود، حديث ثعلبة بن صعير في زكاة الفطر، وقال بعده: "ورواه أيضا من حديث الحسن عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ -، والحسن لم يسمع من ابن عباس".
فاعترضه ع في دعوى عدم السماع، ووعد بذكر هذا الحديث في باب الأحاديث التي أوردها على أنها منقطعة، وهى متصلة. ولما لم يذكره حيث وعد، استدرك عليه أبو عبد الله بن المواق مفصلا الكلام في الموضوع ومبرزا لمذهبه فيه، وهذا مجمله:
حجة من ادعى سماع الحسن من ابن عباس:
رواية رواها نريد بن هارون في هذا الحديث: عن حميد، عن الحسن، قال: "خطبنا ابن عباس" فذكر الحديث. خرجه الترمذي في كتاب العلل الكبير. (٢)
وروي أيضا عن أحمد بن حنبل أنه قال: كانت له من ابن عباس مجالسة (٣)
ولما ذهبت طائفة من المحدثين إلى أنه لم يسمع منه فقد رجحوا رواية أخرى على هذه الرواية، المتقدمة، أو تأولوا قوله: " خطبنا ".
_________________
(١) قلت: وهذا التطابق يين ما نقله الزركشي ونسبه لإبن المواق في بغية النقاد، وبين ما في الكتاب الذي بين يدي يدل دلالة قاطعة على أنه كتاب البغية، وأنه لإبن المواق.
(٢) علل الترمذي الكبير. ص: ١٠٩. وينظر كذلك: بغية النقاد ح: ١٨٢.
(٣) نقلا عن البغية، ح: ١٨٢.
[ الدراسة / ٢٦٧ ]
فهذا الترمذي يقول: سألت محمدا عن هذا الحديث، فقال رواه غير يزيد بن هارون، عن حميد، عن الحسن؛ قال خطب ابن عباس. وكأنه رأى هذا أصح من رواية يزيد، وإنما قال هذا لأن ابن عباس كان بالبصرة؛ يقولون في أيام علي، كان علي أمره بالبصرة، والحسن البصري في أيام عثمان وعلي كان بالمدينة. (١) وممن تأول قوله "خطبنا" أبو حاتم الرازي، ويحيى بن معين، وأبو بكر البزار.
قال أبو جاتم الرازي: "لم يسمع الحسن من ابن عباس، يعني خطب أهل البصرة". (٢)
ونقل قاسم بن أصبغ عن علان، عن عباس الدوري أنه سمع يحيى بن معين يقول: "لم يسمع الحسن من ابن عباس يقولون إن الحسن كان غائبا في إمارة ابن عباس على البصرة". (٣)
وتأول البزار قوله "خطبنا"؛ حيث قال: "وذكر أنه خطبهم ابن عباس، فهذا الموضع مما أنكر عليه، وابن عباس كان بالبصرة أيام الجمل، وقدم الحسن أيام صفين، فلم يدركه بالبصرة، وإنما كان عندنا ". (٤)
وروى ابن وضاح عن أبي جعفر السبتي أنه قال: "الحسن عن ابن عباس لم يسمع منه، رسل عنه". (٥)
وبعد ذكر هذه النقول عن هؤلاء الأئمة أشار أبو عبد الله بن المواق إلى أن اتفاقهم على ذلك يدل على صحة قول ق: أنه لم يسمع منه.
_________________
(١) علل الترمذي الكبير. ص: ١٠٩.
(٢) نقل ذلك ابن أبي حاتم عن أبيه: انظر -غير مأمور-: المراسيل لإبن أبي حاتم -بعناية شكر الله قوجاني- ص: ٣٤.- البغية ح: ١٨٢.
(٣) عن البغية خ: ١٨٢.
(٤) كشف الأستار عن زوائد البزار، للهيثمي ١/ ٤٣٠ - نصب الراية ٢/ ٤١٩.
(٥) عن البغية ح: ١٨٢.
[ الدراسة / ٢٦٨ ]
وبعد ذلك خلص ابن المواق إلى أن ما نسب إلى أحمد بن حنبل من أنه كانت له منه مجالسة، إنما روي من طريق ابن خيرون عن محمد بن الحسين البغدادي، وابن خيرون يروي المناكير عن محمد بن الحسين -هذا منها- أما محمد بن الحسين البغدادي فمجهول بالنقل؛ لم يذكره الخطيب في تاريخه -ولا غيره- في أهل بغداد، فلا عبرة بنقله. (١)
قلت: وممن نفى سماع الحسن من ابن عباس كذلك علي بن المديني؛ حيث قال:
""خطبنا ابن عباس بالبصرة" إنما هو كقول ثابت: قدم علينا عمران بن حصين، ومثل قول مجاهد: قدم علينا علي، وكقول الحسن: إن سراقة بن مالك بن جعشم حدثهم، وكقولهم غزا بنا مجاشع بن مسعدة". (٢)
وقال بهز بن أسد: "لم يسمع الحسن من ابن عباس". (٣)
وقال الزيلعي: "وقد أنكر عليه قوله: "خطبنا ابن عباس بالبصرة، لأن ابن عباس كان بالبصرة أيام الجمل، وقدم الحصن أيام صفين، فلم يدركه بالبصرة". (٤)
وأخرج أبو داود عن ابن المثنى، عن سهل بن يوسف، عن حميد، عن الحسن، عن ابن عباس أنه خطب في آخر رمضان على منبر البصرة، فقال: أخرجوا صدقة صومكم ". (٥)
وأخرجه النسائي في الزكاة عن ابن المثنى، عن خالد بن الحارث، عن حميد،
_________________
(١) البغية ح: ١٨٢.
(٢) جامع التحصيل في أحكام المراسيل، للعلائي. ص: ١٩٦.
(٣) المراسيل، لإبن أبي حاتم ص: ٣٤ - جامع التحصيل في أحكام المراسيل. ص: ١٩٦ - الحسن البصري وحديثه المرسل، للدكتور: عمر عبد العزنر الجغبير. ص: ٣١٩.
(٤) نصب الراية، للزيلعي ١/ ٩٠.
(٥) سنن أبي داود. كتاب الزكاة. باب من روى نصف صاع من قمح ٢/ ١٦٢٢.
[ الدراسة / ٢٦٩ ]
عن الحسن، عن ابن عباس. (١)
وأخرجه النسائي في الزكاة عن ابن المثنى، عن خالد بن الحارث، عن حميد به. وقال "الحسن لم يسمع من ابن عباس". وفي الصلاة، وأيضا في الزكاة: عن علي بن حجر، عن يزيد بن هارون، عن حميد، به. (٢)
وأخرجه أحمد في مسنده؛ قال: حدثنا يحيى، حدثنا حميد، عن الحسن، عن ابن عباس؛ قال: "فرض رسول الله - ﷺ - هذه الصدقة كذا وكذا ونصف صاع بر". (٣)
وقد ادعى الدكتور عمر عبد العزيز الجغبير أن الحسن لقي ابن عباس وسمع منه، محتجا بالحديث الذي رواه الإمام أحمد؛ وهو: "حدثنا هشيم، أخبرنا منصور، عن ابن سيرين أن جنازة مرت بالحسن وابن عباس، فقام الحسن، ولم يقم ابن عباس، فقال الحسن لإبن عباس: (قام له رسول الله - ﷺ -، فقال: قام وقعد". (٤)
وقال الدكتور عمر عقبه: "وفي الحديث تصريح باللقاء والسماع". (٥)
قلت: إن المراد في سند الحديث هو: "الحسن بن علي"، وليس "الحسن البصري". وبالرجوع إلى رواية النسائي يتبين المراد:
"أخبرنا قتيبة؛ قال حدثنا حماد عن أيوب، عن محمد بن [ابن سيرين] أن جنازة مرت بالحسن بن علي وابن عباس، فقام الحسن، ولم يقم ابن عباس، فقال الحسن: أليس قد قام رسول الله - ﷺ - لجنازة يهودي؟ قال ابن عباس: نعم، ثم
_________________
(١) تحفة الأشراف، للمزي -مسند عبد الله بن عباس- ٤/ ٣٧٦ ح: ٥٣٩٤.
(٢) تحفة الأشراف ٤/ ٣٧٦ خ: ٥٣٩٤.
(٣) المسند ١/ ٢٢٨.
(٤) المسند ١/ ٣٣٧.
(٥) الحسن البصري وحديث الرسل. للدكتور عمر عبد العزيز الجغبير. ص: ٣١٩.
[ الدراسة / ٢٧٠ ]
جلس". (١)
وجاء في رواية البيهقي كذلك التصريح بأنه الحسن بن علي، وهذا نصها:
" أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أنبأ سليمان بن أحمد، ثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، ثنا طاهر بن الزبيري، ثنا أبي عن سفيان، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز أن جنازة مرت بابن عباس والحسن بن علي - ﵄ -، فقام أحدهما ولم يقم الآخر، فقال أحدهما: ألم يقم النبي - ﷺ -؟ فقال الآخر: بلى ثم قعد". (٢)
ثم إن الحافظ المزي لا أورد رواية محمد بن سيرين عن ابن عباس قال ما نصه: "حديث أن جنازة مرت بالحسن بن علي وابن عباس الحديث في مسند الحسن بن علي بن أبي طالب". (٣)
وبهذا يتبين أن لا حجة عند من ادعى سماع الحسن من ابن عباس