تمهيد:
خير ما يعرفنا بالبيئة العلمية التي نشأ بها ابن المواق هو تسليط الضوء على الحياة العلمية لوالده، وسأتعرض لذلك من خلال بعض وصفه به العلماء، وكذا دفاعه عن المذهب المالكي عند الخليفة، كما أترجم لشيوخه وتلاميذه. التعريف بوالد ابن المواق: (-٥٩٩ هـ)
اسمه: أبو بكر بن خلف الأنصاري، وكنيته أبو يحيى، ويعرف بالمواق، كما يعرف بابن صاف.
أصله من قرطبة، وسكن مدينة فاس، قال فيه ابن الأبار:
(وكان حافظا حافلا في علم الفقه والخلاف فيه، ملازما للتدريس، تام النظر لا يدانيه أحد في ذلك، وله تنبيهات ومقالات مفيدة، منها: "المكاييل والأوزان"، وعني بالحديث على جهة التفقه والتعليل والبحث عن الأسانيد والرجال والزيادات وما يعارض وما يعاضد، ولم يعن بالرواية). (١)
كان أبو بكر المواق حريصا على العمل بالسنة النبوية، يجيب من دعاه، ويشيع الجنائز، ويأتي أنواع الطاعات والقربات. (٢)
حظي أبو بكر بخدمة السلطان بمراكش، فنال دنيا عريضة، واعتقل أموالا جليلة، وولي قضاء مدينة فاس، وتوفي بها، وهو يتولاه في آخر شوال من سنة تسع وتسعين وخمس مائة، ودفن بداره المعروفة به من درب ابن صافي في داخلها. (٣)
_________________
(١) عن: الإعلام بمن حل بمراكش من الأعلام: ٤/ ٢٣٣.
(٢) انظر: -غير مأمور- التشوف (ترجمة أبي عبد الله التاودي المعلم) ص: ٢٦٥، (ترجمة أبي عبد الله محمد بن علي الفندلاوي) ص: ٣٣٥.
(٣) الإعلام بمن حل بمراكش من الأعلام: ٤/ ٢٣٣ - جذوة الإقتباس، لإبن القاضي المكناسي ١/ ١٠٦ ترجمة ٢٧ - وسلوة الأنفاس ١/ ٢٢٤. لازال حيٌّ بكامله، بالمدينة العتيقة بفاس، يسمى باسمه، فيه: سويقة ابن صافي، ودرب ابن صافي. ولا يزال بيته معروفا إلى الآن.
[ الدراسة / ١٦٥ ]
أبو بكر المواق ودفاعه عن المذهب المالكي:
كانت دولة المرابطين ترعى المذهب المالكي وتلتزم بفروعه الفقهية، في حين قامت دولة الموحدين على نبذ التقليد في الفقه والتوجه إلى الإجتهاد وأخذ الأحكام مباشرة من الكتاب والسنة، ومن ثمة كان للدولة الموحدية صلات وثيقة بالمهيع العام في الفكر الظاهري، تتجلى في نوع من التعاطف مع هذا المذهب، وفي هذا الصدد تروى قصة عن أبي عبد الله بن زرقون المدافع عن المذهب المالكى أمام الخليفة عبد المومن الموحدي في مناظرته :
"أراد (أي عبد المومن) حمل الناس على كتب ابن حزم، فعارضه فقهاء وقته، وفيهم أبي يحيى بن المواق -وكان أعلمهم بالحديث والمسائل- فلما سمع ذلك لزم داره وأكب على جمع المسائل المنتقدة على ابن حزم حتى أتمها -وكان لا يغيب عنه- فلما أتمها جاء إليه، فسأله عن حاله وغيبته -وكان ذا جلالة عنده ومبرا له- فقال له: يا سيدنا، قد كنت فى خدمتكم، لما سمعتكم تذكرون حمل الناس على كتب ابن حزم، وفيها أشياء أعيذكم بالله على حمل الناس عليها، وأخرجت له دفترا، فلما أخذه الأمير جعل يقرؤه ويقول: أعوذ بالله أن أحمل أمة محمد - ﷺعلى هذا". (١)
شيوخ أبي يحيى المواق:
ما كان لمثل والد ابن المواق أبي يحيى أن يكون له شيوخ قلة، ولكن المصادر التي بين يدي شحيحة في هذا الباب، إذ لم يذكر له فيها إلا أبا الربيع بن سالم، وأبا إسحاق بن قرقول، وأبا عبد الله بن الرمامة، وأبا الربيع سليمان بن عبد الرحمن التلمساني.
_________________
(١) فتح العلي المالك في فتاوى على مذهب الإمام مالك، لأبي عبد الله الشيخ محمد أحمد عليش. ١/ ١٠٣.
[ الدراسة / ١٦٦ ]
١ - أبو الربيع بن سالم:
هو: سليمان بن موسى بن سالم (١)، عرف بمشيخته لأبي بكر بن صاف، وممن ذكر ذلك: ابن الزيات في تشوفه. (٢)
٢ - أبو إسحاق بن قرقول:
من شيوخ ابن قرقول محمد بن خلف بن موسى الأنصاري، الأوسي (٣)، وممن روى عنه: أبو بكر ابن صاف، (٤) وسمع منه بسلا محمد بن أحمد بن محمد بن خلف بن مفرج العمي البربري، (٥) وحضر مجلسه بمالقة عبد الله بن أيوب الأنصاري، أبو محمد المعروف بابن فروج. (٦)
٣ - أبو عبد الله بن الرمامة (٤٧٩ - ٥٦٧ هـ)
هو: محمد بن علي بن جعفر بن أحمد القيسي، ويكنى أبا عبد الله ويعرف بابن الرمامة، أصله من قلعة بني حماد من حوز بجاية، وبها نشأ وتأدب، وروى بها عن الفقيه أبي إسحاق إبراهيم بن حماد. وبالجزائر عن خاله أبي الحسن على ابن طاهر بن محشرة. ودخل الأندلس في تحوله قبل طالبا للعلم، سمع عَلَى أبي يحيى وغيره، وأخذ عن أبي الوليد بن طريف، وأبي محمد بن عتاب، وابن رشد، وروى بالعدوة عن أبي محمد عبد الله المقري -من أهل مقرة ببلاد إفريقية- وأبي حفص التوزري، وابن النحوي، وغيرهم، وروى عنه أبوا إسحاق بنا المحمدين: ابن عبد الله الفهري، والأنصاري أبو شامة، وأباء الحسن: ابن محمد بن خيار، وابن عتيق بن مومن، وأبو ذر الخشني، وأبو يحيى أبو بكر بن
_________________
(١) تأتي ترجمته ضمن شيوخ ابن المواق.
(٢) التشوف، لإبن الزيات. ص: ٢٧٣.
(٣) الإحاطة، لإبن الخطيب ٣/ ١٦٥.
(٤) جذوة الإقتباس ١/ ١٠٦ عدد ٢٧.
(٥) صلة الصلة ق ٣/ ٢٧
(٦) الإحاطة ٣/ ٤٠٧.
[ الدراسة / ١٦٧ ]
المواق، وألف كتاب تسهيل الطلب في تحصيل المذهب، وكتاب التبيين في شرح التلقين، وغير ذلك، واختصر كتاب الإحياء لأبي حامد، غلبت عليه علوم الدراية على الرواية لشغفه بالعلوم النظرية، فعكف على تحصيلها حتى صار رأسا فيها، ولي قضاء فاس مدة، ثم صرف عنه، وكان حسن السيرة، عادلا في أحكامه، فاضلا زاهدا، حسن الطوية، واشتغل في أواخر عمره بالتدريس، فانتفع به خلق كثير. (١)
٤ - أبو الربيع سليمان بن عبد الرحمن التلمساني: (-٥٧٩ هـ)
أبو الربيع سليمان بن عبد الرحمن المعز الصنهاجي المعروف بالتلمساني قال ابن الزيات في التشوف: "أبو الربيع سليمان. . شيخ أبي بكر بن خلف -المعروف بالمواق-. . وكان زاهدا في الدنيا وأهلها، على سنن أهل الفضل والدين، وكان وثاقا بمدينة سلا؛ فإذا أعطاه أحد على الوثيقة أكثر من حقه، رده إليه. واستقر أخيرا بفاس، وبها مات سنة تسع وسبعين وخمس مائة". (٢)
تلاميذ أبي يحيى المواق:
وممن تتلمذ له واشتهر بالسماع منه:
١ - أبو الحسن بن القطان:
ممن ذكر أخذ ابن القطان من أبي بكر بن صاف ابنُ الأبار في تكملته (٣)
وممن أخذ عنه كذلك:
_________________
(١) الذيل والتكملة س ٨ ق ١/ ٣٢٥. . - س ٨ ق ٢/ ٥٠٢. . (ضمن: تراجم الغرباء في القسم الثاني من صلة الصلة، لإبن الزبير). الترجمة: ٢.
(٢) التشرف إلى رجال التصوف، لإبن الزيات ص: ٢٧٣.
(٣) التكملة لإبن الأبار ١/ ٢٢١ ع ٥٩٦ (نقلا عن جذوة الإقتباس، لإبن القاضي المكناسي ١/ ١٠٦) - الإعلام، للمراكشي ج ٤/ ٢٣٣ - علم العلل في المغرب ١/ ١٩٨.
[ الدراسة / ١٦٨ ]
٢ - أبو محمد القرطبي: (٥٥٦ - ٦١١ هـ)
عبد الله بن الحسن بن أحمد بن يحيى بن عبد الله الأنصاري، المالقي، قرطبي الأصل، حلاه لسان الدين ابن الخطيب فقال فيه:
(كان في وقته ببلده كامل المعارف، صدرا في المقرئين والمجودين رئيس المحدثين وإمامهم، واسع المعرفة، مكثرا، ثقة، عدلا، أمينا مكين الرواية، رائق الخط، نبيل التقييد والضبط، ناقدا ذاكرا أسماء رجال الحديث وطبقاتهم وتواريخهم، وما حلوا به من جرح وتعديل، لا يدانيه أحد في ذلك، عزيز النظر، متيقظا، متوقد الذهن، كريم الخلال، حميد العشرة، دمثا، متواضعا، حسن الخلق، محببا إلى الناس، نزيه النفس، جميل الهيئة، وقورا معظما عند الخاصة والعامة، دينا زاهدا، ورعا، فاضلا، نحويا ماهرا، ريان من الأدب، قائلا الجيد من الشعر، مقصدا ومقطعا، وكان له بجامع مالقة الأعظم مجلس عام، سوى مجلس تدريسه، يتكلم (فيه) على الحديث إسنادا ومتنا بطريقة عجز عنها الكثير من أكابر أهل زمانه، وتصدر للإقراء ابن عشرين سنة). (١)
ثم ذكر لسان الدين طائفة من شيوخ أبي محمد القرطبي، فعد من الذين أخذ عنهم بإشبيلية: ابن صاف. (٢)
٣ - محمد بن طلحة الأموي: (٥٤٥ - ٦١٨ هـ)
محمد بن طلحة بن محمد بن عبد الملك بن حزم الأموي النحوي سكن إشبيلية، وأصله من يابرة -من أعمال الغرب: البرتغال- عني بالقراءات والعربية وأخذ عن أبي بكر بن صاف وأبي إسحاق بن ملكون، وأبي بكر بن الجد، وأبي زيد السهيلي، وغلب عليه التخصص في العربية والتمكن منها والتحقق من
_________________
(١) الإحاطة في أخبار غرناطة ٣/ ٤٠٥
(٢) الإحاطة في أخبار غرناطة ٣/ ٤٠٧ - الذيل والتكملة ٦/ ٣٢٠؟ - دولة الإِسلام في الأندلس. عصر المرابطين والموحدين، لمحمد عبد الله عنان: القسم الثاني (٢/ ٦٥٦) - مظاهر النهضة الحديثة ٢/ ٤٢. .
[ الدراسة / ١٦٩ ]
غوامضها، فعكف على تعليمها حتى اعتبر في هذا الميدان أستاذ إشبيلية الذي لا يبارى، وقد انتفع به عدد من الشيوخ اللاحقين مثل أبي علي الشلوبين وغيره، وغلب عليه في أواخر حياته حب العزلة، فاعتكف عن الناس، وتوفي في صفر سنة ثماني عشرة وست مائة للهجرة، ومولده بيابرة سنة خمس وأربعين وخمس مائة. (١)
٤ - أبو علي الرندي: (٥٤٧ - ٦١٠ هـ).
وهو: عمر بن عبد المجيد بن عمر الأزدي، المعروف بالرندي. (٢)