اختلف المحدثون في حكم الحديث المروي بهذه الصيغة على مذاهب، منها:
المذهب الأول: "أن فلانا قال كذا" هو بمنزلة "عن" في الحمل على الإتصال إذا ثبت التلاقي بينهما حتى يتبين فيه انقطاع. (٢)
وهذا ما ذهب إليه ابن عبد البر حيث قال: "جمهور أهل العلم على أن "عن" و"أن" سواء وأن الإعتبار ليس بالحروف، وإنما هو باللقاء والمجالسة والسماع واَلمشاهدة فإذا كان سماع بعضهم من بعض صحيحا كان حديث بعضهم عن بعض أبدا بأي لفظ ورد محمولا على الإتصال، حتى يتبين فيه علة الإنقطاع". (٣)
وقد نسب هذا المذهب الخطيب البغدادي إلى الإمام مالك بن أنس -﵀-. (٤)
المذهب الثاني: أن "عن" و"أن" ليسا سواء.
وهو المروى عن الإمام أحمد بن حنبل -﵀-. (٥)
وحكى الحافظ ابن عبد البر في التمهيد عن أبي بكر البرديجي: أن حرف "أن" محمول على الإنقطاع حتى يتبين السماع لذلك الخبر بعينه من جهة أخرى.
_________________
(١) الحديث المؤنن هو الذي يقال في سنده: (حدثنا فلان أن فلانا).
(٢) مقدمة ابن الصلاح ص: ٥٧.
(٣) التمهيد، لإبن عبد البر ١/ ٢٦.
(٤) الكفاية في علم الرواية، للخطيب البغدادي ص: ٥٧٥.
(٥) مقدمة ابن الصلاح ص: ٥٧.
[ الدراسة / ٢٤٧ ]
لكنه لم يرتضه لذا تعقبه بقوله: "هذا عندي لا معنى له، لإجماعهم على أن الإسناد المتصل بالصحابي سواء قال فيه: "قال رسول الله - ﷺ -" أو "أن رسول الله - ﷺ - قال" أو "عن رسول الله - ﷺ - أنه قال" أو"سمعت رسول الله - ﷺ -"، كل ذلك سواء عند العلماء، والله أعلم". (١)
وهناك من فرق بين كون الصحابي الذي روى بـ"عن" أو "أن" وبين، غيره. (٢)
المذهب الثالث: العبرة بإدراك الراوي للمروي عنه أو عدم إدراكه؛ وقد ذكر تفصيل هذا المذهب السيوطي (٣)، وهو كالآتي: ذلك أن الراوي إذا روى حديثا في قصة أو واقعة، فإن كان ادرك ما رواه بأن حكى قصة وقعت بين النبي - ﷺ -، وبين بعض الصحابة، والراوي لذلك القصة أدرك تلك الواقعه، فهي محكوم بها بالإتصال.
فإن لم يدرك تلك الواقعة فهو مرسل صحابي.
فإن كان الراوي تابعيا فهو منقطع.
وإن روى التابعي عن الصحابي قصة أدرك وقوعها فمتصل، وكذا إن لم يدرك وقوعها، ولكن أسندها له، وإلا فمنقطعة.
وختم السيوطي الكلام على ذلك بما نقل عن ابن المواق من قوله: "وقد حكى اتفاق أهل التمييز من أهل الحديث على ذلك ابن المواق". (٤)
_________________
(١) التمهيد ١/ ٢٦.
(٢) التقييد والإيضاح، للحافظ زين الدين العراقي ٨٥ - تدريب الراوي، للسيوطي ١/ ٢١٧.
(٣) تدريب الراوي، ١/ ٢١٨.
(٤) قلت: كذلك نقل السيوطي ذلك عن ابن المواق دون أن يذكر أنه من بغية النقاد، لكن الحافظ زين الدين العراقي لما تكلم عن الحدث المؤنن نقل نص كلام ابن المراق من البغية بنصه، ونسبه إليه فيها. تدريب الراوي ١/ ٢١٨ - التقييد والإيضاح ص: ٨٦.
[ الدراسة / ٢٤٨ ]
وهذا الذي نقله السيوطي عن ابن المواق هو ما عنده في البغية- عند كلامه على حديث عرفجة- فقد نقل -أي أبو عبد الله بن المواق- عن ابن السكن أنه نبه على أن حديث عرفجة مرسل؛ لأن عبد الرحمن تابعي، لم يشاهد القصة، ولم يذكر من حدثه، فبقى الحديث مرسلا، ونص كلامه:
"وهو أمر بين لا خلاف بين أهل التمييز من أهل هذا اللسان في انقطاع ما يروى كذلك وإرساله إذا علم أن الراوي لم يدرك زمان القصة، كما في هذا الحديث والذي قبله". (١)
وهذا الذي ذهب إليه ابن المواق هو ما عمل به شيخه أبو الحسن بن القطان في غير ما حديث؛ منه حديث (عكرمة: أن أم حبيبة استحيضت، فأمرها النبي - ﷺ - أن تنظر أيام إقرائها) فقد عده منقطعا؛ حيث قال: ذكر من طريق أبي داود عن عكرمة أن أم حبيبة استحيضت فأمرها النبي - ﷺ - أن تنتظر أيام أقرائها الحديث. هكذا أورده وسكت عنه. وهو حديث مرسل أخبر فيه عكرمة بما لم يدرك ولم يسمع، ولم يقل إن أم حبيبة أخبرته به، ولا أيضا يصح له ذلك ). (٢)