إن الذي يرجع إلى كتاب البغية يجد فيه طائفة من القواعد والضوابط وأصول المبحث العلمي عامة، وفي الدراسات الحديثية خاصة، وهذه بعض المسائل المتفرقة التي تعرض لها في ثنايا كتابه:
١ - وجوب المعارضة عند الإنتهاء:
لما تكلم أبو عبد الله بن المواق على حديث أبي حمزة في الرجل الذي نسي الأذان والإقامة، (١) الذي نقله عبد الحق الإشبيلي من عند ابن عدي، فوقع في وهم وهو نسبة الحديث إلى راويه هشام بن خالد، وصوابه: هشام بن عبد الملك. بين ابن المواق سبب الوهم بأن هشام بن خالد، وهشام بن عبد الملك؛ معا يرويان عن بقية، ثم إنهما قد ذكرا معا في كتاب "الكامل" في نفس الصفحة التي نقل منها الإشبيلي حديث الباب، فخالف بصره عند النقل من سطر إلى آخر لما أراد أن ينقل الحديث. ثم عقب ابن المواق على ذلك بأنّ كان عليه أن يعارض، فبالمعارضة يذهب كثير من الخلل.
٢ - وجوب الإبقاء على الأوهام الواقعة في المصنفات على حالها، التنبيه عليها:
إذا وقع تغيير أو تصحيف أو خطأ في الكتب فهل يصحح ويعاد إلى الصواب، أم يبقى على صفته التي وجد عليها؟
من العلماء من يرى جواز التصحيح؛
ومن هؤلاء الشعبي؛ فقد نسب إليه القاضي عياض أنه قال: "لا بأس أن يقوم اللحن في الحديث". (٢)
_________________
(١) الحديث رقم: ٨٢.
(٢) الإلماع، للقاضي عياض ص: ١٨٤.
[ الدراسة / ٣١٥ ]
ونقل عن الأوزاعي أنه قال: "أعربوا الحديث؛ فإن القوم كانوا عربا". (١)
وقال أيضًا: "لا بأس بإصلاح اللحن في الحديث".
وروي مثل هذا عن جماعة من السلف فمن بعدهم. (٢)
لكن جمهور أهل العلم يرون وجوب الإبقاء على الخطأ على أصله، وروايته تبعا لما تلقوه.
روى الخطيب البغدادي بسنده إلى الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبي معمر؛ عبد الله بن سخبرة أنه قال: "إني لأسمع الحديث لحنا فألحن إتباعا لما سمعت". (٣)
وهذا ميمون بن مهران يسأل أحمد بن حنبل عن اللحن في الحديث، فيجيبه: "لا بأس به" (٤). كل ذلك حفاظا على الرواية من التغيير، وسدا لباب الذريعة، حتى لا يلج الباب من يظن أن المصنف أخطأ فيصحح ذلك تبعا لما يرى، فيحرف النص ويدخل عليه التغيير ..
فهذا القاضي عياض يقول: (الذي استمر عليه عمل أكثر الأشياخ نقل الرواية كما وصلت إليهم وسمعوها ولا يغيرونها من كتبهم اطردوا ذلك في كلمات من القرآن، استمرت الرواية في الكتب عليها بخلاف التلاوة المجمع عليها، ولم يجيء في الشاذ من ذلك في الموطأ والصحيحين وغيرها حماية للباب، لكن أهل المعرفة منهم ينبهون على خطئها عند السماع والقراءة في حواشي الكتب، ويقرءون ما في الأصول على ما بلغهم). (٥)
_________________
(١) "الإلماع" للقاضي عياض ص: ١٨٥.
(٢) الإلماع. ص: ١٨٥.
(٣) الكفاية في علم الرواية (ط. دار الكتب العلمية) ص: ١٨٦.
(٤) نفس المصدر ص: ١٨٧.
(٥) الإلماع، للقاضي عياض ص: ١٨٦.
[ الدراسة / ٣١٦ ]
وهذا المذهب الأخير هو الذي انتصر له أبو عبد الله بن المواق؛ حيث ذكروا رواية للبزار -في حديث- سقط له فيها لفظ، فأعقبها بقوله: "وهذا اللفظ، وإن كان لابد منه فلا يجوز تغييره، كما وقعت في كثير من المصنفات أوهام ينبه عليها، وتترك على حالها». (١)
٣ - التماس الضوابط العلمية قبل الحكم على مؤلّف ما بوهمه في كتابه أو كتبه.
من منهج ابن المواق أنه لا يحكم على مصنف ما بوهمه في كتابه إلا بعد التأكد من ذلك، وقد جرى في هذا السبيل على اعتماد أمور منها:
أ - مراجعة أكبر عدد من نسخ الكتاب. (٢)
ب - الإهتمام بالكتب المروية بالسند الصحيح إلى مؤلفيها. (٣)
_________________
(١) ذكر ذلك ابن المواق في الحديث (٣٦٥).
(٢) بالرجوع إلى الكتاب نجد أن ابن المواق لا يحكم بالوهم على عبد الحق أو غيره، حتى رجع إلى نسخ كثيرة من الكتاب ليتأكد أنها كلها تشترك في نفس الوهم، وهذا ذكر للكتب التي رجع إلى أكثر من نسخة فيها، مع ذكر أرقام النصوص التي وردت فيها: عدة نسخ من عن الدارقطني ح: ٢١ - ح: ١٠٤ - ح: ٢٢٠ - ح: ٣٠٤ - ح: ٣٧٠. عدة نسخ من الأحكام ح: ٢٧ - ح: ٢٨ - ح: ٤٢ - ح: ٦٦ - ح: ٧١ - ح: ٩١ - ح: ٩٤ - ح: ١٩٤ - ح: ٢٠٥ - ح: ٢٠٧ - ح: ٢٢٧ - ح: ٢٣٠ - ح: ٢٤٣ - ح: ٢٦١ - ح: ٢٦٥ - ح: ٢٦٣ - ح: ٢٦٦ - ح: ٢٦٨ - ح: ٢٧١ - ح: ٢٧٣ - ح: ٢٧٦ - ح: ٢٨٠ - ح: ٢٨٢ - ح: ٢٨٤ - ح: ٢٨٦ - ح: ٢٩٢ - ح: ٢٩٥ ح: ٣٤٠ - ح: ٣٨٣ - ح: ٣٨٦. - نسختان -فأكثر من- من الكامل في الضعفاء ح: ٧٩ - ح: ٣٢٦ - ح: ٣٥٣. - نسخ من جامع الترمذي ح: ١١٧ - ح: ١٢٧.- - نسخ من سنن أبي داود ح: ١٤٨ - ح: ٢٦٣ - ح: ٣٦٤. - نسخ من المراسيل، لأبي داود ح: ١٩٠ - ح: ١٩٩ - نسخ من سنن النسائي ح: ١٩٤. - نسخ من مسند البزار ح: ٢٠٩ - ح: ٣٣٥ - ح: ٣٦٥. - نسخ من ضعفاء العقيلي ح: ٣٤٩. - نسخ من مسند الحميدي ح: ٣٥٧.
(٣) نلمس ذلك في كثير من نسخ الكتب التي رجع إليها.
[ الدراسة / ٣١٧ ]
ج - الرجوع إلى نسخ الكتاب التي اهتم بها جهابذة العلماء عناية وضبطا وتصحيحا. (١)
د - اعتماد السند العالي في رواية المصنفات وتقديمه على غيره. (٢)
_________________
(١) هذه بعض الكتب الي رجع إليها ابن المواق ونص على أنها مصححة ومعتنى بها، أو مقروءة على أصحابها، أو مكتوبة بخط المؤلف: نسخة من الأحكام بخط المؤلف ح: ٧٨ - نسخة الكامل بعناية ابن المواق نفسه ح: ٧٩ - نسخة الكامل بعناية شيخه أبي العباس النباتي ح: ٧٩ - نسخ مصححة من سنن الدارقطني ح: ٢١ - نسخ مصححة من جامع الترمذي ح: ١١٧ نسخة ابن المواق من بيان الوهم .. المقروءة على شيخه ابن القطان ح: ١٤٨ - نسخ عتق من سنن أبي داود ح: ١٤٨ - نسخة سنن أبي داود للضابط المتقن أبي علي الجياني ح: ١٤٨ - نسخة من نفس السنن للخرلاني وهي مسموعة على ابن الأعرابي، وابن داسة وهي بخط أبي عمر الباجي ح: ١٤٨ - وأخرى أصل ابن عبد البر ح: ١٤٨ - نسخ عتق من سنن النسائي ح: ١٩٤ - نسخ صحاح من مسند البزار ح: ٢٠٩ - نسخة ابن عبد البر من سنن أبي داود ح: ٢٦٣ - رواية ابن المواق لسنن أبي داود ح: ٢٦٣ - نسخة أبي الوليد ابن الفرضي من سنن أبي داود؛ وهي من رواية أبي الربيع سليمان بن سالم الكلاعي ح: ٢٦٣ - قراءة أبي عبد الله بيان الوهم والإيهام على شيخه ابن القطان الفاسى ح: ٢٦٣ - نسخة ابن عبد البر من سنن أبي داود ح: ٢٦٣ - سنن أبي داود بخط أبي عمر الباجي؛ أحمد بن عبد الله بن شريعة، وروايته عن أبي عمر الصدفي، عن ابن الأعرابي ح: ٢٦٣ سنن أبي داود، أصل القاضي أبي عبد الله بن مفرج، التي صارت أصلا للجياني ح: ٢٦٣ - نسخ من الأحكام معتنى بها، ومقروءة من ابن المواق على شيخه أبي ذر الخشنى ح: ٢٦٦ - نسخة عتيقة من سنن الدارقطني ح: ٣٠٤ - نسخة الدارمي من كتاب "التاريخ"، ليحيى بن معين ح: ٣٠٦ - نسخة حاتم الطرابلسي من كتاب ضعفاء العقيلي ح: ٣٤٩ - نسخ عتق من سنن أبي داود ٣٦٤ - نسخة مسند البزار بخط الراوية أبي محمد عبيد الله ح: ٣٦٥ - نسخة من معجم ابن الأعرابي وهي أصل أبي الوليد هاشم بن حجاج الأندلسي، التي خطها بيده وسمعها على ابن الأعرابي ح: ٣٧١ - نسخة أبي محمد الباجي من مصنف عبد الرزاق ح: ٣٧٢ - نسخة الخولاني من سنن أبي داود التي سمعها على ابن الأعرابي ح: ٣٧١ - نسخة أبي محمد الباجي من مصنف عبد الرزاق ح: ٣٧٢ - نسخة الخولاني من سنن أبي داود التي سمعها على ابن الأعرابي، وابن داسة -نسخة أبي عمر الباجي، من نفس السنن، وهي رواية أبي عمر الصدفي عن ابن الأعرابي ح: ٣٧٧ - نسخ لرواة سنن أبي داود: ابن الأعرابي، الرملي، اللؤلؤي. نسخة من الأحكام بتصحيح أبي ذر الخشني وهي روايته عن عبد الحق الإشبيلي.
(٢) نلمس ذلك في نسخة "بيان الوهم والإيهام" حيث ذكر في عدة أماكن من كتابه أنه تلقاها عن شيخه ابن القطان وقرأها عليه؛ قال في ح: ١١ (هي روايتي قراءة مني عليه، وهو يمسك أصله الذي نقلت منه بخط يده). وقال في ح: ١٤٨ (هكذا تلقيناه عن شيخنا عند قراءة كتاب البيان عليه). وقال في (ح: ٣٤١): (فإني نقلته من مبيضته كذلك "محمد بن عبيد الله" فما كان وقت القراءة عليه رده علي: " محمد بن عبد الله"، فأصلحته، فهو عندي مصلح مصحح عليه).
[ الدراسة / ٣١٨ ]