التعريف الإصطلاحي للعدالة:
قال ابن الصلاح: (أجمع جماهير أئمة الحديث والفقه على أنه يشترط فيمن
_________________
(١) ينظر فتح المغيث، للسخاوي. ٢/ ٥١.
(٢) وعبارة الدارقطني: (من روى عنه ثقتان فقد ارتفعت جهالته وثبتت عدالته). هكذا نقلها عنه السخاوي في فتح المغيث: ٢/ ٥١.
(٣) فتح المغيث، للسخاوي: ٢/ ٤٨.
(٤) نفس المرجع ٢/ ٥٠.
[ الدراسة / ٢٨٣ ]
يحتج بروايته أن يكون عدلا ضابطا لما يرويه). (١)
وقال في تفصيل العدالة: (أن يكون مسلما، بالغا، عاقلا، سالما من أسباب الفسق وخوارم المروءة). (٢)
أما ابن حجر فقد لخص تعريف العدالة بقوله: (هي ملكة تحمل على ملازمة التقوى والمروءة، والمراد بالتقوى اجتناب الأعمال السيئة من شرك أو فسق أو بدعة). (٣)
مذاهب المحدثين في إثبات صفة العدالة:
إن الذي يرجع إلى تصرف العلماء في ثبوت العدالة يلحظ أنهم انقسموا إلى قسمين:
- القسم الأول: يجعل المدار في ثبوت العدالة على تحقق العلم بها، وهذه الفئة تشمل المذهبين التاليين:
أ - تثبت العدالة بتنصيص المعدلين عليها.
ب - تثبت العدالة بالإستفاضة. (٤)
- القسم الثاني: يجعل مدار ثبوت العدالة على عدم العلم بمفسق، وهذه الفئة تشمل المذاهب التالية:
أ - تثبت العدالة لكل حامل علم معروف العناية به.
_________________
(١) علوم الحديث، لإبن الصلاح. ص: ٩٤.
(٢) نفس المصدر، والصفحة.
(٣) نزهة النظر. ص: ٢٩.
(٤) فمن اشتهرت عدالته بين أهل النقل من أهل العلم، وشاع الثناء عليه بالثقة والأمانة، استغنى فيه بذلك عن بينة شاهدة بعدالته تنصيصا. (ينظر: التقييد والإيضاح ص: ٤٨).
[ الدراسة / ٢٨٤ ]
ب - تثبت العدالة برواية عدل عن رجل سماه.
ج - تثبت العدالة برواية عدلين عنه.
د - تثبت العدالة برواية أحد أهل العمل الكبار عنه، ممن لا يعرف بالرواية عن المجهولين.
هـ - تثبت بالشهرة في غير العلم بالزهد والنجدة. (١)
ومن مذهب ابن القطان أن العدالة لا تثبت للراوي حتى ينص عليها، ولذا قال في سعيد بن محمد بن جبير: لا يعرف حاله، وإن عرف نسبه وبيته، وروى عنه جمع، فالحديث لأجله حسن لا صحيح. (٢)
وقال في مالك بن خير الزبادي: (هو ممن لم تثبت عدالته). فقال الذهبي: (يريد أنه ما نص أحد على أنه ثقة). (٣)
وبإمعان النظر في القسم الثاني نجد أنه يرتكز على أساسين:
الأول منهما: النظر في القرائن التي ترجح جانب العدالة على الفسق، أو العكس.
الثاني: النظر في ضبط الراوي في حديثه.
فمن قامت لديهم القرائن على عدالته، ولم يجدوا في حديثه ما يخالف فيه الثقات؛ قبلوه ومشوه، وإلا وصفوه بحسب مذاهبهم في ذلك.
فإذا وجدنا راويا روى عن جمع من الثقات، وروى عنه جمع من الثقات، ولم يأت بمنكر، يقبل حديثه، ولا يضرنا جهل عدالته الباطنة وذلك لأنه يبعد أن
_________________
(١) الإضافة - دارسات حديثية -، بقلم: محمد عمر بازمول ٦٤
(٢) فيض القدير ٦/ ٢٠٦.
(٣) ميزان الاعتدال ٣/ ٤٢٦.
[ الدراسة / ٢٨٥ ]
يكون معروفا بفسق ومع ذلك يروي عنه هؤلاء الثقات، دون بيان حاله. (١)
قال الذهبي: (وفي الصحيحين عدد كثير ما علمنا أن أحدا نص على توثيقهم. والجمهور على أن من كان من المشايخ قد روى عنه جماعة، ولم يأت بما ينكر عليه أن حديته صحيح). (٢)
من مسلك البزار في الرواة أن مما تثبت به العدالة رواية جماعة من الجلة عن الراوي. (٣)
أما ابن عبد البر فيرى أن كل حامل علم معروف العناية به، فهو عدل محمول في أمره أبدا على العدالة، حتى تتبين جرحته في حاله، أو في كثرة غلطه، لقوله - ﷺ -: (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله) (٤). (٥)
وممن أخذ بقول ابن عبد البر من أهل العلم:
- أبو عبد الله بن المواق؛ قال الزين العراقي: (وممن تبع ابن عبد البر على اختيار ذلك -من المتأخرين- أبو عبد الله [بن] أبي بكر بن المواق فقال في كتابه بغية النقاد:
"أهل العلم محمولون على العدالة حتى يظهر منهم خلاف ذلك"). (٦)
_________________
(١) الإضافة. ص: ٦٥.
(٢) ميزان الاعتدال ٣/ ٤٢٦.
(٣) فتح المغيث ٢/ ١٢.
(٤) ذكر ابن عبد البر لعض طرق الحديث في التمهيد (١/ ٥٩)، وجمع جملة من طرق الحديث ابن القيم في كتابه مفتاح دار السعادة، وكأن كلامه يشعر بثبوته عنده، ورواه الخطيب في شرف أصحاب الحدث ص: ٢٨)، وأبو القاسم تمام في فوائده (١/ ٣٥٠ ح: ٨١٩)، ونسب محققه حمدي السلفي للعلائي روايته في بغية الملتمس، من حدث أسامة بن زيد، ونقل عنه أنه قال فيه: (حسن غريب صحيح).
(٥) التمهيد ١/ ٢٨.
(٦) التقييد والإيضاح ص: ١٣٩ - ونقل ذلك عنه السخاوي في فتح المغيث ٢/ ١٨ - وينظر كذلك توضيح الأفكار ٢/ ١٢٩.
[ الدراسة / ٢٨٦ ]
- ابن سيد الناس؛ حيث قال عن مذهب ابن عبد البر: (لست أراه إلا مرضيا). (١)
- الحافظ المزي حيث قال عن مذهب ابن عبد البر: (هو في زماننا مرضي بل ربما تعين). (٢)
- ابن الجزري حيث نقل عنه السخاوي قوله: (إن ما ذهب إليه ابن عبد البر هو الصواب). (٣)
- وابن الوزير، فإنه انتصر لمذهب ابن عبد البر -ومن وافقه- في كتبه، ومن ذلك قوله: (ثم إن ما ذهب إليه ابن عبد البر وابن المواق هو الذي عليه عمل الموافق والمخالف في أخذ اللغة عن اللغويين، وأخذ الفتيا عن المفتين، وأخذ الفقه ومذاهب العلماء عن شيوخ العلم). (٤)