تعريف الجهالة في الإصطلاح:
قال الخطيب في الكفاية: (باب ذكر المجهول وما به ترتفع الجهالة. المجهول عند أصحاب الحديث هو كل من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه، ولا عرفه العلماء به، ومن لم يعرف حديثه إلا من جهة راو واحد.
وأقل ما ترتفع به الجهالة أن يروى عن الرجل اثنان فصاعدا من المشهورين
_________________
(١) التقييد والإيضاح. ص ٦١ - تدريب الراوي ١/ ١٥٥ - توضيح الأفكار، للصنعاني ١/ ١٦١.
(٢) النكت على كتاب ابن الصلاح، لإبن حجر. ١/ ٤٧٦ - تدريب الراوي ١/ ١٥٦.
[ الدراسة / ٢٧٩ ]
بالعلم كذلك، إلا أنه لا يثبت له حكم العدالة روايتهما عنه). (١)
يمكن أن يقال إن الأوصاف التي من أجلها حكم على الراوي بالجهالة عند الخطيب هي الآتية:
- ألا يشتهر الراوي بطلب العلم في نفسه.
- ألا يعرفه العلماء بطلب العلم.
- ألا يعرف حديثه إلا من جهة راو واحد.
- ألا يعرف بجرح ولا تعديل.
ويستفاد من كلامه أن الجهالة ترتفع برواية اثنين من أهل العلم عنه، لكن مع ذلك لا يثبت له بذلك حكم العدالة. (٢)
ولما تكلم ابن الصلاح عن رواية المجهول قسمه إلى ثلاثة أقسام؛ وهي:
القسم الأول: المجهول العدالة من حيث الظاهر والباطن جميعا.
قال: (وروايته غير مقبولة عند الجماهير، على ما نبهنا عليه أولا). (٣)
وقال أيضا: (أجمع جماهير أئمة الحديث والفقه على أنه يشترط فيمن يحتج بروايته أن يكون عدلا ضابطا لما يرويه). (٤)
القسم الثاني: (المجهول الذي جهلت عدالته الباطنة، وهو عدل في الظاهر، وهو المستور.
_________________
(١) الكفاية في علم الرواية ص: ٨٨ - ٨٩.
(٢) الراد بالجهالة التي ترتفع برواية راوين عنه جهالة العين فقط.
(٣) علوم الحديث، لإبن الصلاح. ص: ١٠٠.
(٤) نفس المرجع. ص: ٩٤.
[ الدراسة / ٢٨٠ ]
قال بعض أئمتنا: فهذا المجهول يحتج بروايته بعض من رد رواية الأول ). (١)
قلت [ابن الصلاح]: (ويشبه أن يكون العمل على هذا الرأي في كثير من كتب الحديث المشهورة فى غير واحد من الرواة الذين تقادم العهد بهم وتعذرت الخبرة الباطنة بهم، والله اعلم). (٢)
القسم الثالث: مجهول العين، ومن روى عنه عدلان وعيناه فقد ارتفعت عنه هذه الجهالة.
قال ابن السبكي في جمع الجوامع: (أما المجهول ظاهرا وباطنا فمردود إجماعا، وكذا مجهول العين). (٣)
ولما أشار السخاوي إلى قول ابن السبكي المتقدم أعقبه بما نصه: (ونحوه قول ابن المواق: "لا خلاف أعلمه بين أئمة الحديث في رد المجهول الذي لم يرو عنه إلا واحد، وإنما يحكى الخلاف عن الحنفية"). (٤)
ولما تكلم الزركشي على مجهول العدالة من حيث الظاهر والباطن نقل عن ابن المواق قوله:
(المجاهيل على ضربين: لم يرو عنه إلا واحد مجهول، روى عنه إثنان فصاعدا، وربما قيل في الأخير مجهول الحال، فالأول لا خلاف أعلمه بين أئمة الحديث في رد رواياتهم، وإنما يحكى في ذلك خلاف الحنفية، فإنهم لم يفصلوا بين من روى عنه واحد، وبين من روى عنه أكثر من واحد، بل قبلوا رواية
_________________
(١) علوم الحديث لإبن الصلاح. ص: ١٠١.
(٢) نفس المرجع. والصفحة.
(٣) جمع الجوامع، لإبن السبكي. ٢/ ١٥٠.
(٤) فتح المغيث، للسخاوي. ص: ٢/ ٤٤
[ الدراسة / ٢٨١ ]
المجهول على الإطلاق). (١)
قال ابن الصلاح: (قد خرج البخاري في صحيحه حديث جماعة ليس لهم غير راو واحد وكذلك خرج مسلم حديث لا راوي لهم غير واحد وذلك منهما مصير إلى أن الراوي قد يخرج عن كونه مجهولا مردودا برواية واحد عنه، والخلاف في ذلك متجه نحو اتجاه الخلاف المعروف في الإكتفاء بواحد في التعديل). (٢)
قلت: ولعل الحافظ ابن حجر قد أشار إلى مذهب البخاري ومسلم في ذلك حينما قال: (فإن سمي الراوي وانفرد راو واحد بالرواية عنه، فهو مجهول العين، كالمبهم فلا يقبل حديثه إلا أن يوثقه غير من ينفرد عنه على الأصح، وكذا من ينفرد عنه إذا كان متأهلا لذلك ). (٣)
مذهب ابن رشيد السبتي:
يرى ابن رشيد أن الذي روى عنه راو واحد لا يسمى مجهول العين، ومع ذلك لا يوافق على قبول روايته؛ قال: (لا شك أن رواية الواحد الثقة تخرج عن جهالة العين إذا سماه ونسبه). (٤)
وقال كذلك: (لا فرق في جهالة الحال بين رواية واحد واثنين ما لم يصرح الواحد أو غيره بعدالته، نعم كثرة رواية الثقات عن الشخص تقوي حسن الظن به). (٥)
وتوجيه هذا القول أن مجرد الرواية عن الراوي لا تكون تعديلا له على
_________________
(١) النكت على كتاب ابن الصلاح، بتحقيق أستاذنا زين العابدين بلافريج -قسم الدكتورة- ٢/ ٥٧٣
(٢) علوم الحديث، لإبن الصلاح. ص: ١٠٢
(٣) نزهة النظر شرح نخبة الفكر، للحافظ ابن حجر ص: ٤٩
(٤) نقلا عن فتح المغيث ٢/ ٥٠.
(٥) نفس المرجع ٢/ ٥١.
[ الدراسة / ٢٨٢ ]
الصحيح، وقيل تقبل مطلقا؛ وكأن صاحب هذا المذهب يرى أنه لو لم ير تعديله لذلك الراوي عنه، لما روى عنه، وقد نقل السخاوي (١) عن ابن المواق أنه نسب هذا المذهب لأكثر أهل الحديث كالبزار والدارقطني. (٢)
المجهول عند أبي حاتم:
إذا وصف أبو حاتم الراوي بكونه مجهولا، فليس مراده أنه لم يرو عنه سوى واحد، بدليل أنه وصف عددا من الرواة روى له أكثر من واحد بذلك؛ فإنه قال في داود بن يزيد الثقفي "مجهول" مع أنه قد روى عنه جماعة. لذا قال الذهبي عقبه: هذا القول يوضح لك أن الرجل قد يكون مجهولا عند أبي حاتم، ولو روى عنه جماعة ثقات، يعنى أنه مجهول الحال. (٣)
ولما تكلم السخاوي عن (القسم الوسط) أي مجهول حال باطن وظاهر، وذكر أن حكمه الرد وعدم القبول عند الجماهير من الأئمة؛ قال ما نصه:
"وعزاه ابن المواق للمحققين، ومنهم أبو حاتم الرازي، وما حكيناه من صنيعه فيما تقدم لِشهد له". (٤)