تعريف مرسل الصحابي:
"هو ما يرويه الصحابي عن النبي - ﷺ -، ولم يسمعه منه، إما لصغر سنه، أو تأخر إسلامه أو غيابه عن شهود ذلك". (٣)
ومن هذا القسم كثير من حديث سهل بن سعد الساعدي، والحسن بن علي ابن أبي طالب، وعبد الله بن الزبير، والنعمان بن بشير، وأبو الطفيل الكناني، والسائب بن يزيد، وعبد الله بن عباس، والمسور بن مخزمة، وغيرهم. (٤) ذكر ابن الصلاح أن حكم الرسل -غير مرسل الصحابي- حكم الحديث الضعيف، ثم أكد ذلك بقوله:
"وما ذكرناه من سقوط الإحتجاج بالمرسل والحكم بضعفه هو المذهب الذي استقر عليه آراء جماهير حفاظ الحديث ونقاد الأثر، وقد تداولوه في تصانيفهم. وفي صدر صحيح مسلم: "الرسل في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة". وابن عبد البر، حافظ المغرب، ممن حكى ذلك عن جماعة أصحاب
_________________
(١) هذا الراوي الذي زيد في هذه الرواية هو: محمد بن ثابت بن سباع. وجمهور من روى الحديث من غير طريق عبد الرازق لم يذكروا هذا الراوي، فخالفت هذه الراوية رواية الحفاظ، فاقتضى الأمر ردها وعدم قبولها وعدم الحكم على رواية الحفاظ بالإنقطاع.
(٢) النكت على ابن الصلاح، للزركشي - القسم الثاني - ١/ ٤٠ .. ٤٨.
(٣) منهج النقد في علوم الحديث، لنور الدين عتر ص: ٣٧٣.
(٤) ذكر ذلك خلدون الأحدب في أسباب اختلاف المحدثين [١/ ٢٢٠] وعزاه للخطيب في الكفاية ص: ١٠٥.
[ الدراسة / ٢٥٤ ]
الحديث". (١)
وبعد كلام له في المرسل انتقل إلى مرسل الصحابي، فقال:
"ثم إنا لم نعد في أنواع المرسل ونحوه ما يسمى في أصول الفقه مرسل الصحابي، مثل ما يرويه ابن عباس وغيره من أحداث الصحابة عن رسول الله - ﷺ - ولم يسمعوه منه؛ لأن ذلك في حكم الموصول المسند؛ لأن روايتهم عن الصحابة (٢)، والجهالة بالصحابي غير قادحة، لأن الصحابة كلهم عدول". (٣)
وقال صاحب محاسن الإصطلاح: "حكى بعضهم الإجماع على قبول مراسيل الصحابة، ولكن الخلاف ثابت، ذكره بعض الأصوليين عن الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني، وحكى بعض المحدثين فيه الخلاف، لاحتمال تلقيهم عن بعض التابعين، وللخطيب أبي بكر تصنيف في الصحابة الذين رووا عن التابعين، بلغ عددهم ثلاثة وعشرين صحابيا، والمراد أن غالب رواية الصحابة إنما هو عن صحالي مثله". (٤)
وذهب النووي في التقريب إلى أن مرسل الصحابي "محكوم بصحته على المذهب الصحيح". (٥)
وزاد السيوطي ذلك شرحا " [أنه] الذي قطع به الجمهور من أصحابنا
_________________
(١) علوم الحديث، لإبن الصلاح ص: ٤٩ - ٥٠.
(٢) للعراقي تعقيب على ابن الصلاح في قوله "لأن روايتهم عن الصحابة"؛ حيث قال إنه غير جيد، وصوابه أن يقول: إن أكثر رواياتهم عن الصحابة لوجود جماعة من الصحابة سمعت من بعض التابعين وفى نفس التعقيب ينبه العراقي إلى أن غالب رواية الصحابة عن التابعين ليست أحاديث مرفوعة وإنما هي إسرائيليات أو حكايات أو موقوفات. - التقييد والإيضاح ص: ٧٥
(٣) علوم الحديث، لإبن الصلاح. ص: ٥٠
(٤) محاسن الإصطلاح، لسراج الدين البلقيني ص: ١٤٢.
(٥) التقريب، للنووي، وبحاشيته تدريب الراوي، للسيوطي ١/ ٢٠٧.
[ الدراسة / ٢٥٥ ]
وغيرهم، وأطبق عليه المحدثون المشترطون للصحيح القائلون بضعف الرسل، وفي الصحيحين من ذلك ما لا يحصى، لأن أكثر رواياتهم عن الصحابة وكلهم عدول، ورواياتهم عن غيرهم نادرة، وإذا رووها بينوها". (١)
قال الزركشي: "قال الحافظ أبو علي الغساني: ليس يعد مرسل الصحابي مرسلا؛ فقد كان يأخذ بعضهم عن بعض ويروي بعضهم عن بعض، وقال: كان لعمر بز الخطاب جار من الأنصار يتناوب معه النزول إلى رسول الله - ﷺ - ينزل هو يومًا والآخر يوما، قال: فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره. وقال البراء: ما كل ما نحدثكم به عن رسول الله - ﷺ - سمعناه من رسول الله - ﷺ -، ولكن سمعناه وحدثنا أصحابنا، وكنا لا نكذب.
وقال ابن طاهر في كتاب اليواقيت: كان من مذهب الصحابة - رضي الله تعالي عنهم - أنه إذا صح عندهم أن رسول الله - ﷺ - ذكر حديثا رووه عنه من غير أن تذكر الواسطة بينهم، فقد روى أبو هريرة وابن عباس قصة -وأنذر عشيرتك الأقربين- وهذه القصة كانت بمكة في بدء الإسلام لم يحضرها أبو هريرة ويصغر عنها سنن ابن عباس، وروى ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - وقوف النبي - ﷺعلى قليب بدر، وابن عمر لم يحضر بدرا". (٢)
ثم حكى الزركشي الإجماع على الإحتجاج بمراسيل الصحابة.
ثم قال: "ولم أر من خالف في ذلك سوى ابن القطان فإنه علل حديث جابر في صلاة النبي - ﷺ - عند الكعبة بأن جابرا لم يدرك من حدثه بذلك ". (٣)
ولما كان أبو الحسن بن القطان يعد مرسل الصحابي منقطعا وضعيفا، فإننا نراه
_________________
(١) تدريب الراوي ١/ ٢٠٧.
(٢) النكت على ابن الصلاح، للزركشي، بتحقيق الدكتور زين العابدين بلافريج - القسم الأول ٤/ ٦١٢ - ٦١٣.
(٣) وتتمته: "ونازعه تلميذه ابن المواق في كتابه بغية النقاد، فقال: "وقد تكرر من ابن القطان مثل هذا في تعليل أحاديث كثيرة كحديث أسامة بن زيد في الإتتضاح" وذكر عدة أحاديث أعلها ابن القطان بكونها مراسيل صحابة، وختم بقوله: "والبحث فيه قليل الجدوى؛ فإنهم كلهم عدول، وكيفما كان فالحجة فيه لازمة". اهـ نفس المصدر السابق ٤/ ٦١٥ - ٦١٦.
[ الدراسة / ٢٥٦ ]
يعلل أحاديث كثيرة من أحكام عبد الحق الإشيبلي بكونها من مراسيل الصحابة، وهو في ذلك لا يفرق بين ما أخرج في الصحيحين أو غيرهما، ومما رده لهذا السبب:
- حديث زيد بن حارثة أن جبريل لما نزل على النبي - ﷺ - أراه الوضوء، فلما فرغ من وضوئه أخذ حفنة من ماء فرش بها في الفرج. الحديث ذكره عبد الحق الإشبيلي من طريق البزار. (١)
فقد عقب أبو عبد الله ابن المواق على شيخه في الحديث المتقدم مبينا سبب تعليل ابن القطان لهذا الحديث متناولا أوجه رده المحتملة واحدا واحدا إلى أن خلص إلى القول: فلم ييق موضع نظر إلا فيما بين أسامة والنبي - ﷺ -، وأسامة قد روى عن النبي - ﷺ - حديثا كثيرا. فأراه إنما يريد، والله أعلم، أن أسامة تصغر سنه عن وقت نزول جبريل، وتعليمه النبي - ﷺ - الوضوء والصلاة". (٢)
ولما كان مذهب أبي عبد الله بن المواق قبول مرسل الصحابي فقد رد على شيخه في هذا الوجه بقوله: "وهذا إن كان معنيه فليس بصواب (٣). فإن أقصى ما في ذلك أن يكون سمعه من أبيه، أو من غيره ممن شاهد ذلك، هذا إن لم يكن سمعه من النبي - ﷺ -، وليس ذلك بقادح في الحديث؛ فإن الصحابة كلهم عدول لا يوضع في رواياتهم هذا النظر، كما لا يوضع فيهم تعديل ولا تجريح؛ فإنهم عدول بتعديل الله تعالى، وهم الأمناء على الوحي المأخوذ عنهم كتاب الله تعالى، وسنة رسوله - ﷺ - ". (٤)
- حديث جابر بن عبد الله في إمامة جبريل بالنبي - ﷺ - فقد ذكره عبد الحق
_________________
(١) انظر -غير مأمور- الحديث رقم ٧٠ من البغية.
(٢) البغية: الحديث رقم ٧٠.
(٣) ليس هذا مجرد احتمال بل هو الصواب، ولابن القطان رد أحاديث كثيرة بهذا السبب.
(٤) الحديث رقم ٧٠ من البغية.
[ الدراسة / ٢٥٧ ]
الإشبيلي من طريق النسائي، وفيه: فتقدم جبريل، ورسول الله - ﷺ - خلفه، والناس خلف رسول الله - ﷺ - الحديث. (١)
قال ابن القطان تعقيبا عليه: "وهو أيضا يجب أن يكون مرسلا كذلك، إذ لم يذكر جابر من حدثه بذلك، وهو لم يشاهد ذلك صبيحة الإسراء، لما علم من أنه أنصاري، إنما صحب بالمدينة، وابن عباس، وأبو هريرة: اللذان رويا أيضا قصة إمامة جبريل، فليس يلزم فى حديثهما من الإرسال ما في رواية جابر، لأنهما قالا: إن رسول الله - ﷺ - قال ذلك وقصه عليهم". (٢)
- حديث ابن عباس، الذي ذكره الإشبيلي من طريق الترمذي؛ قال: اغتسل بعض أزواج النبي - ﷺ - في جفنة، فأراد النبي - ﷺ - أن يتوضأ منها الحديث فقد رده ابن القطان، وبين أنه مرسل، حيث قال: "فإن شريكا رواه عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن ميمونة؛ قال: "أجنبت فاغتسلت من جفنة، فجاء النبي - ﷺ - الحديث.
ذكر ذلك الدارقطني، فزاد -كما ترى- "عن ميمونة" فيجب أن تكون رواية شعبة والثوري وأبي الأحوص عن سماك مرسلة إذ لم تذكر فيها ميمونة، ويتبين برواية شريك أن ابن عباس لم يشهد ذلك، وإنما تلقاه من ميمونة خالته، والله أعلم". (٣)
وإذا كان ابن المواق قد رد على شيخه ابن القطان في تعليل الأحاديث
_________________
(١) نبه ابن المواق على رد ابن القطان لهذا الحدث عند كلامه على الحدث السالف الذكر (٧٠).
(٢) بيان الوهم والإيهام - قسم التحقيق، للدكتور آيت سعيد الحسين ٢/ ٣٢٠ الحديث ٤٦٤ - وفي مخطوط البيان: المدرك الثالث من مدارك الإنقطاع (١/ ل: ١٠٩. أ). وللدكتور آيت سعيد الحسين تعقيب جيد على ابن القطان بشأن رد ابن القطان لهذا الحديث بدعوى أن جابرا لم يسمع هذا الحديث من النبي - ﷺ -، بين فيه أن جابرا سمع ذلك من النبي - ﷺ - استنادا الى رواية الحديث عند أحمد والنسائي إذ الحديث جاء جوابا على سؤال رجل للنبي - ﷺ -، وبالتالي فلا تقيد فيه بكون جابر لم يحضر زمن القصة. هامش بيان الوهم والإيهام ٢/ ٣٢٠.
(٣) ببيان الوهم والإيهام -بتحقيق الدكتور آت سعيد الحسين الحديث رقم ٤٣٧، وبالخطوط: المدرك الثاني من مدارك الإنقطاع (١/ ل: ٩٩. أ). وبالبغية: في التعقيب على الحديث رقم ٧٠.
[ الدراسة / ٢٥٨ ]
بمراسيل الصحابة، فإنه كذلك فعل مع عبد الحق الإشبيلي، فهذا الأخير لما ذكر حديثا ذكر أنه من مسند عقبة بن عامر - أنه أتى النبي - ﷺ - فأخبره أن أخته نذرت أن تمشى إلى الكعبة حافية - تعقبه ابن المواق بأن الحديث من مسند ابن عباس، - ﵄ -، فكان منه أن قال: ما نصه: "فابن عباس وإن كان من أصاغر الصحابة فإنه قد روى عن النبي - ﷺ - حديثا كثيرا، ومحمله على السماع حتى يتبين في لفظه أنه لم يسمعه، وأنه إنما سمعه بواسطة، فحينئذ يقدم على ذلك". (١)