لما عاد ابن رشيد من رحلته المباركة -السالفة الذكر- أقام بمسقط رأسه سبتة مدة خمس سنوات كانت كلها عطاءات علمية وجهودًا مشكورة، ففي هذه الفترة أتم تأليف كتابه "الإفادة"، كما ألف "السنن الأبين". ثم كتب إليه رفيقه في الرحلة إلى الحجاز: الوزير أبو عبد الله محمد بن الحكيم يستدعيه إلى حضرة غرناطة، فاستجاب لهذه الدعوة، ورحل إلى غرناطة فأقام بها وتصدر بجامعها الأعظم للخطبة والإمامة ولإقراء الحديث والرواية (٣)، كما ولي قضاء الأنكحة، واستمر على علمه هذا حتى اغتيل صديقه الوزير محمد بن الحكيم، فرحل عن غرناطة ولحق بحضرة فاس، فحل بها مغززا مكرما من لدن السلطان أبي سعيد المريني الذي مكنه من اختيار المدينة التي تروقه للإقامة بها، فاختار مراكش،
_________________
(١) شجرة النور الزكية ١/ ٢١٧.
(٢) الديباج المذهب ٢/ ٢٩٦.
(٣) كان ابن رشيد يعقد بالجامع الأعظم لغرناطة مجلسا لصحيح البخاري يشرح فيه حديثين، ويتكلم على سندهما ومتنهما أتقن كلام. (الدرر الكامنة ٤/ ١١٢).
[ الدراسة / ٨٧ ]
فقدمها للصلاة والخطبة بجامعها العتيق، ثم استدعاه السلطان إلى حضرة فاس، ليصير من خواصه، وتصدر لإقراء الحديث بجامع القرويين، وعرف مجلسه بشرق صحن السجد بين الظهر والعصر لتدريس صحيح البخاري، واستمر على ذلك حتى لبي داعي ربه في الثالث والعشرين لشهر محرم الحرام عام إحدى وعشرين وسبع مائة للهجرة (٧٢١ هـ) (١)، ودفن خارج باب الفتوح بمطرح الجنة. (٢)