تتجلى تيمة هذا الكتاب من شهادات من تعاملوا معه ودرسوه واستفادوا منه وعرفوا قدره، ولا أحد ممن اطلع عليه يجهل قيمته، لا من الفقهاء ولا من المحدثين؛ فإن الجميع قد أفاد منه في مجاله، والمراجع لكتب الرجال المتأخرين- أمثال: "الميزان"، للذهبي، و"لسان الميزان"، لإبن حجر العسقلاني- يلحظ نقولا من كتاب عبد الحق، واعتمادا للأحكام الواردة فيه. (٢)
وأول الشهادات التي ينبغي الرجوع إليها لعرفة قيمة الكتاب وأهميته شهادة من خبره جملة جملة، وتفحصه كلمة كلمة، ونقده واستدرك عليه وهاجمه بعنف أحيانا، وسالمه أخرى؛ وهُو أبو الحسن ابن القطان، وهذا جزء من مقدمة كتابه "بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام" يبين هذه الحظوة التي كانت لهذا الكتاب في نفسه:
"وبعد: فإن أبا محمد عبد الحق بن عبد الرحمن الأزدي، ثم الإشبيلي- رحمة الله عليه- قد خلد في كتابه الذي جمع فيه أحاديث أفعال المكلفين، علما نافعا، وأجرا قائما زكى به علمه، ونجح فيه سعيه، وظهر عليه ما صلح فيه من نيته وصح من طويته، فلذلك شاع الكتاب الذكور وانتشر، وتلقي بالقبول، وحق له ذلك، لجودة تصنيفه، وبراعة تأليفه، واقتصاده، وجودة اختياره، فلقد أحسن فيه ما شاء، وأبدع فوق ما أراد، وأربى على الغاية وزاد، ودل منه على حفظ وإتقان، وعلم وفهم واطلاع واتساع. ..» (٣)
_________________
(١) بيان الوهم والإيهام. لوحة ٢٤٢ وجه ب.
(٢) (عبد الحق وآثاره ص: ١٨١ ).
(٣) بيان الوهم والإيهام: (١ /ل: ٢. أ) - الأحكام الشرعية الصغرى: - المحققة- ١/ ٣٩.
[ الدراسة / ١٣٩ ]
وقد كان كتاب الأحكام مطمحا لكل عالم أو متعلم حتى انتشر بين جميع الناس، واستفاد منه المحدثون، والفقهاء، والتكلمون، والأصوليون، كل بدرجة معينة، ولذلك قال أبو الحسن بن القطان:
(لذلك لا تجد أحدا سعى إلى نوع من العلوم الشرعية إلا والكتاب الذكور عنده، أو نفس ٥ متعلقة به، قد حداهم حسن تأليفه إلى الإكباب عليه وإيثاره، وخاصة من لا يشارك في طلبه بشيء من النظر في علم الحديث؛ من فقهاء ومتكلمين وأصوليين، فإنهم الذين قد قنعوا به ولم يبتغوا سواه». (١)
ولا ترجم الذهبي لعبد الحق الإشبيلي، قال بشأن كتب "الأحكام": (وسارت بـ"أحكامه الصغرى" و"الوسطى" الركبان. وله "أحكام كبرى" قيل هي بأسانيده، فالله أعلم). (٢)
وقد جرى عمل الفقهاء المتأخرين على عد الكتاب من وسائل وأدوات الإجتهاد؛ فمن ذلك أن قاضي الجماعة: ابن عبد السلام -شيخ ابن عرفة- في شرحه على "مختصر ابن الحاجب" قال: "ومواد الإجتهاد في زماننا أيسر منها في زمان التقدمين لو أرإد الله بنا الهداية، لأن كتب الأحاديث والتفاسير دونت، وكان الرجل يرحل في سماع الحديث الواحد".
ويعقب عليه ابن عرفة بقوله: (وما أشار إليه ابن عبد السلام من يسر الإجتهاد يساعد عليه مثل قراءة "الجزولية" في النحو، والكتب الفقهية، والإطلاع على أحاديث "الأحكام الكبرى" لعبد الحق، ونحو ذلك يكفي في تحصيل آلة الإجتهاد، مع الإطلاع على فهم مشكل اللغة بـ "مختصر العين" و"صحاح الجوهري" ونحو ذلك من غريب الحديث، سيما مع نظر ابن القطان، وتحقيقه
_________________
(١) بيان الوهم والايهام: (١/ ل: ٢. ب).
(٢) سير أعلام النبلاء ٢١/ ١٩٨ وهذا القول الذي حكاه الذهبي بصيغة التضعيف - بأن الأحكام الكبرى مروية بأسانيد عبد الحق، ضعيف حقا، بل ليس بصحيح على الإطلاق.
[ الدراسة / ١٤٠ ]
أحاديث الأحكام). (١)
والذي يرجع إلى كثير من كتب الفروع الفقهية المتأخرة يجدها ترجع من حين لَاخر لعبد الحق الإشبيلي ناقلة عنه، أحاديث من كتبه معتمدة على كلامه فيها، ومن هذا القبيل كثرة نقول ابن عرفة في مختصره، وغالبا ما ينقل عن ابن الخراط من كتاب الأحكام، مذيلا على نقله بقوله: تعقبه ابن القطان، أو لم يتعقبه.