الرواية بالمعنى عند عبد الحق الإشبيلي:
تكلم عبد الحق الإشبيلي على كتاب أبي القاسم الزيدوني، فذكر مؤاخذات عليه منها:
(أنه عمد إلى الحديث فأخرجه من كتب كثيرة وترجم عليه بأسماء عديدة، ولم يذكر إلا لفظا واحدا، ولم يبين لفظ من هو، ولا من انفرد به وقلما يجيء الحديث الواحد في كتب كثيرة إلا باختلاف في لفظ أو معنى أو زيادة أو
_________________
(١) نهاية النقل المنسوب لإبن المراق من: "ملء العيبة فيما جمع بطول الغيبة في الوجهة الوجيهة إلى الحرمين مكة وطيبة، الحرمان الشريفان ومصر والإسكندرية عند الصدور)، لإبن رشيد السبتي: ٥/ ٥٠ - ٥٩.
(٢) ملء العيبة ٥/ ٥٨. وبعد سرد هذا النقل الذي ذكره ابن رشيد وعزاه لإبن المراق، عقب عليه بما يؤيد ما ذهب إليه فقال: (تميم: ومما يشهد لصحة سماع الصنابحي من النبي - ﷺ - ما أخبرنا به إخبارا جمليا، وقرأت عليه الإسناد أبو الماضي عطية بن ماجد قال: أنا محمد بن عماد؛ قال، أنا أبو عمرو عثمان بن محمد بن أحمد السمرقندي قراءة عليه، أنا أحمد شيبان الرملي، أنا مؤمل بن إسماعيل، أنا حماد بن يزيد، أنا مجاهد عن قيس بن أبي حازم، عن الصنابحي؛ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "أنا فرطكم على الحوض، وأنا مكاثر بكم الأمم يوم القيامة، فلا ترجعن بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض". من الجزء التاسع من الخلعيات اهـ).
[ الدراسة / ٢٩٤ ]
نقصان، ولم يبين هو شيئا من ذلك إلا في النزر القليل، أو في الحديث من المائة أو في أكثر، أو فيما كان من ذلك، وليس الاختلاف في اللفظ مما يقدح في الحديث إذا كان المعنى متفقا، ولكن الأولى أن ينسب كل كلام إلى قائله، ويعزى كل لفظ إلى الناطق به، وأما ما كان في الحديث الواحد من اختلاف معنى أو زيادة أو نقصان، فإنه يحتاج إلى تبيين ذلك وتمييزه وتهذييه وتلخيصه حتى يعرف صاحب الحكم الزائد والمعنى المختلف). اهـ (١)
يستفاد من هذا النص أن عبد الحق الإشبيلي يرى:
- أن الحديث إذا كان له طرق مختلفة فإنه يجب على من أخرجه أن يبين اللفظ الذي ساق لمن هو.
- الاختلاف في لفظ الحديث لا يضره إذا كان المعنى متحدا.
- الأولى عند اختلاف الألفاظ واتحاد المعنى أن ينسب كل كلام إلى قائله.
- إذا اختلف المعنى في حديث بين رواية وأخرى وجب تبيان ما في كل رواية من زيادة أو نقصان حتى يعرف صاحب الحكم الزائد والمعنى المختلف.
بين ابن المواق وعبد الحق الإشبيلي:
- لما ذكر أبو محمد الإشبيلي من طريق ابن عدي حديث أبي هريرة مرفوعا: (لا نكاح إلا بولي وخاطب وشاهدي عدل) (٢) أورده من طريقين. فبين ابن المواق أن إحدى الطريقين ذكر فيها لفظ (وخاطب)، وأن هذا اللفظ لم يذكر في الطريق الثاني، واستدل ابن المواق على أنه لفظ منكر.
وبهذا يتبين أن ابن الخراط خالف أصله الذي ذكره حينما عقب على الزيدوني في وجوب بيان الاختلاف بين الروايات، ونسبة كل كلام إلى قائله.
_________________
(١) الأحكام الشرعية الوسطى، لعد الحق الإشبيلي -المقدمة- (مخطوط. خزانة ابن يوسف). ١/ ل: ٣. ب
(٢) انظر -غير مأمور- الحديث رقم: ٩١.
[ الدراسة / ٢٩٥ ]
-أورد عبد الحق الإشبيلي من طريق مسلم حديث عائشة: (إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها، غير مفسدة كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها أجره بما كسب ).
ثم قال: (وفي رواية: من بيت زوجها، وفي أخرى من حديث أبي هريرة: "من غير أمره فلها نصف أجره"). (١)
فتناول ابن المواق بيان أن حديث أبي هريرة -عند مسلم- ليس فيه التصريح بأجر المرأة، وإنما فيه: "فإنما نصف أجره له".
ثم قال ابن المواق: (وهذا وإن كان مفهوما منه أن النصف الثاني لها على حد ما فهم من قوله جل وعلا: ﴿فلأمه الثلث﴾ أن الثلثين للأب، فإن من لا يرى نقل الحديث بالمعنى لا يتسامح في ذلك، وعلى هذا جرى عمل ق في كتابه). (٢)
وهذا النموذج الذي ذكرت من عطف الإشبيلي رواية على أخرى أو حديث على حديث كثيرا ما يكون سببا في التعقيب من ابن المواق عليه فيه، إذ قلما تجد روايتين متفقتين لا تغاير بينهما بالزيادة أو النقصان (٣)
يتبين لنا من التعقيب السابق -وغيره- من ابن المواق تشدده في باب الرواية بالمعنى، فابن المواق وإن كان قد ذكر في غير موضع جواز النقل بالمعنى بشروط فإنه يتشدد في هذا الباب حتى إن هذا التجويز يصير بعيد المنال.
- ويلمس تشدده كذلك في متابعة عبد الحق عند نقل الأقوال بالمعنى: فعبد
_________________
(١) ينظر الحديث رقم: ١٥٨.
(٢) الحديث ١٥٨.
(٣) وهذه أرقام بعض الأحاديث التي وقع التعقب فيها من ابن المواق على عبد الحق الإشبيلي في نفس المسار: ح: ١٦١، ١٨٢، ٢٣٧
[ الدراسة / ٢٩٦ ]
الحق الإشبيلي لما تكلم على أبي يحيى الأعرج المعرقب، (١) نقل عن ابن عدى أنه قال فيه: (زائغا عن الحق)، فبين ابن المواق ان ابن عدى لم يقل ذلك من تلقاء نفسه، بل نقله عن أبي حاتم، ثم بين أن صواب النقل: (زائغا عن الطريق).
- ذكر عبد الحق الإشبيلي حديث أبى ثعلبة الخشني في قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (٢) ثم عطف عليه رواية أخرى فيها جزء مرسل، ولم يصرح بإرساله، فتعقبه ابن المواق حيث قال:
"وهذه رواية ظاهرها الإرسال، إذ لا يسوغ لأحد أن يرويها بالإسناد يصله إلى عبد الله بن المبارك ..
ولو فعل هذا فاعل عد متساهلا في النقل بالظن، وذلك جرح في فاعله".
ولمبحث الرواية بالمعنى ملحقات ثلاثة تناولها أبو عبد الله بن المواق؛ الأول منها حكم الزيادة والنقص في الحديث، والثاني حول ضوابط الإختصار في الحديث، والثالث علاقة فقه الحديث باختصاره، وسأتناولها بالترتيب الذي ذكرت.
أ - انقص من الحديث، ولا تزد فيه:
- في حديث على بن أبي طالب في النهى عن بيع الضطر، (٣) أشار ابن المواق إلى قاعدة من قواعد علوم الحديث وهي: "أنقص من الحديث، ولا تزد فيه"، ومثل لها بما يأتي: فلو كان في الرواية النهى عن بيع المضطر، وغيره، جاز له أن يكتفي بذكر النهى عن بيع المضطر، وإنما المنوع عكسه؛ أن يكون المذكور النهى، فيعكس هو؛ فيقول: حرام؛ فيكون قد زاد في ما روى.
_________________
(١) انظر -غير مأمور- الحديث رقم: ١٢١.
(٢) الحديث رقم ١٧٢.
(٣) الحديث ١٨٤.
[ الدراسة / ٢٩٧ ]
- ذكر عبد الحق الإشبيلي من عند الدارقطني حديث معاوية بن أبي سفيان - ﵁ - مرفوعا:
(العين وكاء السه، فإذا نام استطلق الوكاء)، (١) فتعقبه ابن المواق بأن لفظ الحديث عند الذي نقل منه هو: ( فإذا نامت العين إستطلق الوكاء).
وهكذا نرى بأن ابن المواق لا يجيز تغيير (نامت العين) بـ (نام).
وقد تتبع ابن المواق عبد الحق الإشبيلي في مواطن اعتبره أخل فيها بالمعنى، والحال هذه أنه لم يصادف الصواب في ذلك؛ منها: أن ابن الخراط ذكر من مراسيل أبى داود حديث الحسن أن النبي - ﷺ - كان إذا أراد الخلاء قال اللهم إني أعوذ بك من الخبيث ".
فتعقبه ابن المواق بأن نص لفظ الحديث هو: (إذا دخل). قال: وهذا القول يستفاد منه إباحة هذا القول في الخلاء، وهذا المعنى الذي ذكر لا يصح، والصواب ما ذكرت في التعليق على الحديث. (٢)
وفي بعض الأحيان يتعقب ابن المواق عبد الحق الإشبيلي لإيراده الحديث بالمعنى، ومع ذلك يقر لأنه وإن حدث فيه بالمعنى فإنه لا يخل به. (٣)
والأحاديث التي تتضمن تعقيبا في موضوع الرواية بالمعنى كثيرة جدا في البغية. (٤)
_________________
(١) الحديت رقم ٢٠١.
(٢) انظر -غير مأمور- هامش الحديث ١٩٩.
(٣) من أمثلة ذلك ما ذكره عبد الحق الإشبيلي من قاسم بن أصبغ: ( عن ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض). (ح: ٢٦٥)، فتعقبه أبو عبد الله بن المواق بأن لفظه عند قاسم بن أصبغ (وهي في دمها حائض). هذا مع تقريره أن هذا التغيير فى المتن لا يخل بمعنى الحديث.
(٤) من هذه الأحاديث ذات الأرقام التالية: ٢٠٢ - ٢٠٤ - ٢٠٥ - ٢٠٦ - ٢٠٧ - ٢٠٨ - ٢٠٩ - ٢١٢ - ٢١٣ - ٢١٤ - ٢١٥ - ٢١٦ - ٢١٧ - ٢١٨ - ٢١٩ - ٢٢٠ - ٢٢١ - ٢٢٢ - ٢٢٣ - ٢٢٤ - ٢٢٧ - ٢٢٨ - ٢٢٩ - ٢٣٠ - ٢٣١ - ٢٣٢.
[ الدراسة / ٢٩٨ ]
- وقد نقل ابن المواق كذلك تعقيبات من أبى الحسن بن القطان على عبد الحق الإشبيلي في الرواية بالمعنى؛ منها:
- في حديث ابن وهب الذي ذكره عبد الحق الإشبيلي: "ومن أجاز عرنة قبل الغروب فلا حج له". قال ابن القطان؛ (وذلك إنما نقله بالمعنى). وقال كذلك "والنقل بالمعنى شرط جوازه الوفاء بالمقصود، وذلك أن لفظ الخبر عند ابن وهب إنما هو: "فعليه حج قابل"، فنقله هو: فلا حج له"". ثم بين ابن القطان الفرق بين اللفظين، وأجاد في ذلك وأفاد. (١)
ب - من ضوابط الإختصار:
ذكر عبد الحق الإشبيلي حديث أم عطية: (غزوت مع رسول الله - ﷺ - سبع غزوات أخلفهم في رحالهم، فأصنع لهم الطعام وأداوي لهم الجرحى)، هكذا ذكره، فتعقبه ابن المواق بأن تتمته: (وأقوم على المرضى)؛ وهكذا اعتبره واهما فيما ترك من بقية لفظ الحديث، إذ يرى ابن المواق أن مثل هذا لا يحسن اختصاره؛ لأنه من جملة ما ذكرت أنها كانت تغزو، بالإضافة إلى نزارة لفظه، وقلة حروفه. (٢)
وإذا كان الحديث قضاء من رسول الله - ﷺ - فلا يجوز ذكر قسم من قضائه وترك قسم؛ ومن أمثلة ذلك: أن عبد الحق الإشبيلي ذكر حديث تميم بن طرفة المرسل: "وجد رجل مع رجل ناقة له، فارتفعا إلى النبي - ﷺ -، فأقام البينة أنها ناقته، وأقام الآخر البينة أنه اشتراها من العدو، فقال النبي - ﷺ: " إن شئت فخذ بما اشتراها") فتعقبه أبو عبد الله بن المواق بأن تمامه: هكذا: (إن شئت فخذها بالذي اشتراها، وإن شئت فدع). قال: (ولا خفاء بأن هذا لا يختصر مثله: لأنه نظام الكلام وتمام القضاء الذي روى عن المصطفي - عليه أفضل الصلاة والسلام -،
_________________
(١) انظر -غير مأمور- الحديث: ١٨٩.
(٢) الحديث رقم: ٢٣٣.
[ الدراسة / ٢٩٩ ]
فاختصاره إجحاف لا يليق بكتاب الأحكام). (١)
ومن أمثلة ذلك: إيراد عبد الحق الإشبيلي لحديث (الإيمان قيد الفتك)، فتعقبه ابن المواق بأن مثله لا يختصر لما فيه من زيادة، إذ تتمته؛ (لا يفتك المؤمن). (٢)
ج - الإختصار وفقه الحديث:
ابن المواق لا يجيز الإختصار إذا كان ذلك سيؤثر على الحكم الفقهي المستنبط من الحديث، وأمثلة ذلك في النص كثيرة؛ منها: أن عبد الحق الإشبيلي ذكر حديث أبي هريرة مرفوعا -من عند ابن عدي-: "إذا قال الرجل لأخيه في مجلس هلم أقامرك، فقد وجبت عليه كفارة يمين". قال أبو عبد الله ابن المواق معقبا عليه: (وهذا أيضا سقط له من آخره: "وإن لم يفعل" ومثل هذا لا يصح أن يتركه اختصارا، وإنما يتركه سهوا؛ لوضوح موقعه من فقه الحديث). (٣)
ومنه ما ذكره عبد الحق الإشبيلي من حديث عمران بن حصين مرفوعا: (لا نذر في غضب)، قال أبو عبد الله بن المواق: (فإنه سقط له منه آخره أيضا وهو: "كفارته كفارة يمين" ولا يخفي موقع هذه الزيادة من فقه الحديث، فلا يكون تركها اختصارا " (٤)