نموذج حول زيادة راو في السند:
تكلم ابن القطان على حديث رافع بن خديج؛ قال: قلت يا رسول الله، إنا لاقوا العدو غدا، وليست معنى مدى الحديث (١)
فقال: (هذا الحديث هو عند مسلم من رواية سفيان الثوري، عن أبيه سعيد ابن مسروق، عن عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج، وهكذا رواه عمر بن سعيد؛ أخو سفيان الثوري).
ثم ذكر أن أبا الأحوص رواه عن سعيد بن مسروق -والد سفيان الثوري- عن عباية بن رفاعة بن رافع، عن أبيه، عن جده: رافع بن خديج.
فذهب ابن القطان إلى أن رواية أبي الأحوص هاته التي فيها زيادة (عن أبيه) متصلة، بينما حكم على رواية من خالفها بالإنقطاع.
هذا مع العلم أن ابن القطان ينقل عن الترمذي قوله: (أن عباية سمع من جده رافع بن خديج)
وحجة أبي الحسن ابن القطان في ذلك أن رواية سفيان الثوري، وأخيه عمر -عند مسلم- رويت عن طريق العنعنة، وليس فيها ذكر لسماع عباية بن رفاعة من جده رافع في هذا الحديث بالذات. (٢)
ومن تعقبات ابن المواق على شيخه في هذا الحديث:
١ - مؤاخذته على اعتماد رواية أبي الأحوص وجعلها حجة على كل من
_________________
(١) الحديث رقم ٣٧٧.
(٢) من مذهب ابن القطان أن التحديث بالعنعنة لا يفيد الإتصال، ولوثبت سماع الراوي عن المروي عنه ما لم يصرح الراوي بسماعه لنفس الحديث من المروي عنه.
[ الدراسة / ٣٢٠ ]
خالفه، مع العلم أن جماعة من الحفاظ الثقات الأثبات خالفوه؛ منهم: شعبة، وسفيان وأخوه عمر؛ ابنا سعيد الثوريان، وأبو عوانة، وزائدة بن قدامة، وعمر بن عبيد الطنافسي، وإسماعيل بن مسلم العبدي، وغيرهم ممن تابعهم، ورواية من ذكر كلها في الصحيحين.
٢ - مؤاخذة ابن القطان على تخطئة من خطأ أبا الأحوص، وهم جماعة كبيرة، منهم: أحمد بن حنبل، وأبو بكر بن أبي شيبة، ومسلم بن الحجاج، وأبو عيسى الترمذي، وأبو محمد عبد الغني بن سعيد، وأبو القاسم بن عساكر، وآخرون.
٣ - سفيان الثوري أحفظ من أبي الأحوص، وأعلم بحديث أبيه منه، فكيف إذا أضيف إلى ذلك متابعة الحفاظ الأثبات له -الذين كل واحد منهم أثبت من أبي الأحوص- وموافقتهم لروايته، وبالتالي لا يجوز تقديم رواية أبي الأحوص على رواية سفيان الثوري ومن تابعه.
٤ - إنما ساق ابن القطان رواية أبي الأحوص من عند الترمذي، وهي موجودة في صحيح البخاري، فكان الأولى ألا يبعد النجعة، إذ إيرادها من الصحيح أقوى لما ذهب إليه ابن القطان من تخطئة من خالفه.
ولما كان من مذهب ابن المواق أن الصواب في هذا الحديث مع ما رواه الجماعة، وأن أبا الأحوص قد وهم فيه، فإنَه قد التمس مخرجا لرواية البخاري للحديث من طريق أبي الأحوص؛ لذا قال: (وإدخال البخاري لهذه الرواية في الصحيح لا يقتضي أنها عنده أصح من غيرها مما خالفها؛ لأنه أدخل رواية سفيان، وعمر بن عبيد الطنافسي، وشعبة، وأبي عوانة في الصحيح، وإنما أدخل رواية أبي الأحوص؛ والله أعلم، لأنه لم يحفل بقوله في الإسناد: (عن أبيه)، فإنها زيادة لا تكر على الحديث بعلة فيه بخلاف ما لو نقص راويا من الإسناد، فيصير الإسناد منقطعا، فإنه علة فيه، وهكذا وقع في رواية الشيخ أبي ذر عن أشياخه، عن الفربري، عن البخاري بإثبات (عن أبيه) في الإسناد، ووقع في رواية
[ الدراسة / ٣٢١ ]
ابن السكن عن الفربري بإسقاط (عن أبيه)، كأنه طرح الخطأ منه، وأثبت الصواب، وساق عنه الحديث؛ لأنه لم يخطئ في متنه، والله أعلم). اهـ (١)
قلت: الطريق التي سلكها الحافظ ابن المواق في هذا الحديث، هي طريق الترجيح؛ حيث رجح رواية جماعة من الحفاظ على رواية أبي الأحوص، وقد سلك هذا السبيل -في هذا الحديث- طائفة من المحدثين، منهم أبو حاتم الرازي؛ قال ابن أبي حاتم:
(سألت أبي عن حديث رواه أبو الأحوص عن سعيد بن مسروق، عن عباية ابن رفاعة، عن أبيه، عن أبيه، عن جده، رافع بن خديج .. وذكر الحديث. قال قلت: فأيهما أصح؟ قال الثوري أحفظ) اهـ. (٢)
وأرى أنه لا حاجة إلى الترجيح بين هاتين الروايتين، فأبو الأحوص ثقة، لم ينفرد بروايته، فما الذي يمنع من أن يكون عباية بن رفاعة سمع الحديث من أبيه رفاعة، فحدث به كذلك (وهي رواية أبي الأحوص)، وسمعه من جده، فحدث به كذلك؟
ويتأيد ذلك عندي بإخراج البخاري الحديث من طريقه، وكذا من طريق مخالفيه، فالإمام البخاري، -﵀- فحل من كبار فحول الصناعة الحديثية، ولم يدخل في صلب صحيحه، إلا ما صح لدي ٥ من حديث رسول الله - ﷺ -، والمتتبع لمنهاج البخاري في صحيحه يلاحظ كثيرا من الدقائق في هذا الباب: فحتى الأحاديث المعلقة عنده، التي كثيرا ما يترجم بها لأبوابه، لا يوردها إيرادا واحدا، فما صح لديه من طريق آخر أورده بصيغة الجزم الدالة على صحة الحديث، وما لم يصح لديه ساقه بإحدى صيغ التضعيف، أو البناء للمجهول.
ولا أرى بأن البخاري لم يكترث لهذه الزيادة في السند -في رواية أبي
_________________
(١) انظر -غير مأمور-: ح: ٣٧٧.
(٢) علل الحديث (٢/ ٤٥ المسألة ١٦١٦).
[ الدراسة / ٣٢٢ ]
الأحوص- فكما أن نقصان راو علة في الحديث، فكذلك زيادة راو فيه، نعم ليس الأمر سيان، فعلة النقصان انقطاع في السند، بينما الزيادة إدخال في سند الحديث من ليس منه، فالأمر الثاني أخف من الأول.
نموذج في الاختلاف بين ابن المواق وابن القطان على حكم حديث؛ بين التصحيح والتحسين
ذكر ابن القطان حديث أنس؛ قال: قنت رسول الله - ﷺ - شهرا بعد الركوع في صلاة الصبح .. الحديث. (١) وبعد كلام له قال: (نعم روي قنوته ﵇ قبل الركوع من حديث أنس ولكن في غير كتاب مسلم). ثم أورد رواية عبد الرزاق من مصنفه من طريق أبي جعفر، عن عاصم، عن أنس؛ قال: قنت رسول الله - ﷺ - في الصبح بعد الركوع يدعو على أحياء من أحياء العرب، وكان قنوته قبل ذلك، وبعده قبل الركوع). ثم كان منه أن حكم على حديث عبد الرزاق بالصحة.
لكن ابن المواق لم يرتض من شيخه ابن القطان تصحيح حديث عبد الرزاق، مستدلا على ما ذهب إليه بأمرين:
الأول منهما هو الشك في الراوي أبي جعفر الواقع في سند الحديث، بين أن يكون أبا جعفر والد علي بن المديني، وهذا ضعيف عندهم، وبين أن يكون أبا جعفر الرازي؛ عيسى بن ماهان، فإن كان الثاني فإن أئمة الحديث قد اختلفوا فيه بين معدل ومجرح؛ فقد وثقه إمامان هما: يحيى بن معين، وأبو حاتم الرازي، ووهنه أحمد بن حنبل، والنسائي، ثم أضاف ابن المواق أنه ليس من رجال الصحيحين، وبهذا يترجح عنده أن هذا الحديث حسن. (٢)
ثم رجح ابن المواق أن أبا جعفر الوارد في الحديث هو الرازي.
_________________
(١) ينظر الحديث رقم ٣٧٢.
(٢) من مذهب ابن المواق أن الحديث الذي فيه راو مختلف فيه بين التعديل والتجريح عند نقاد الحديث، ولم يترجح فيه جانب على آخر أن حديثه حسن.
[ الدراسة / ٣٢٣ ]
أما الأمر الثاني فهو مخالفة رواية عبد الرزاق من طريق أبي جعفر عن عاصم للروايات الصحيحة عن أنس.
نموذج آخر في الاختلاف بين ابن المواق وابن القطان في الحكم على رواية لحديث:
لما تكلم ابن القطان على حديث ابن عباس: من سمع النداء فلم يجب، فلا صلاة له، إلا من عذر. (١)
ذكر في الأمر الثاني رواية سليمان بن حرب عن شعبة، عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، واعتمدها، بل وقال: (وحسبك بهذا الإسناد صحة).
لكن ابن المواق يرى أن رواية سليمان بن حرب بالسند المتقدم وهم، وأنه يجب التوقف فيها؛ لأن سليمان بن حرب انفرد عن شعبة بذكر حبيب بن أبي ثابت في هذا الحديث، دون سائر من رواه عن شعبة. (٢)
المبحث الخامس: في ذكر بعض فوائد كتاب البغية:
تصحيح كتاب بيان الوهم والإيهام:
كان المحدثون يهتمون بطرق التحمل، ويريدون تحصيل السند العالي في كل رواية يروونها، وكثيرا ما لا يكتفون بالإجازة العامة، فهذا ابن المواق نقل كتاب "بيان الوهم والإيهام" من مبيضة شيخه أبي الحسن بن القطان، التي كتبها بيده، ومع ذلك لم يكتف بذلك، فقرأ ما نقل على شيخه وهو ماسك أصله بيده، فكان ابن القطان يصحح لتلميذه ما قد يقع فيه من سهو أو نسيان، كما كان
_________________
(١) الحديث رقم ٣٧٣.
(٢) وما ذكره ابن المواق في الحكم على رواية سليمان بن حرب بأنها وهم مردود، كما فصلت ذلك في آخر تعليقي على الحديث المذكور (٣٧٣).
[ الدراسة / ٣٢٤ ]
يصحح لنفسه ما قد يكون وهم فيه، ثم تنبه له عند هذه المقابلة، ومن أمثلة هذا التصحيح ما ذكره ابن المواق عند الكلام على حديث عمرة عن عائشة: لما قدم جعفر من أرض الحبشة خرج إليه رسول الله - ﷺ - فعانقه (ح: ٣٤١) ففي سند هذا الحديث عند الدارقطني في العلل محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير) لكن وقع فيه وهم عند ق، وهذا نص ما ذكره ابن المواق:
"وقع فيه ق وهم في ذكر ابن عمير هذا؛ فإنه قال فيه: (محمد بن عُبيد الله)، ولكن ع أراه أصلحه؛ فإني نقلته من مبيضته كذلك: (محمد بن عبيد الله)، فما كان وقت القراءة عليه رده علي: (محمد بن عبد الله)، فأصلحته، فهو عندي مصلح مصحح عليه، وبحسب ما ألفيته في الأحكام كتبته في الأغفال؛
من الباب الذي قبل هذا، وبالله التوفيق". اهـ
ولما تحدث ابن المواق عن حديث ابن السعدي: "لن تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار" (ح: ١١) ذكر تعقيبات ثلاثة، صحح في التعقيب الأول ما وقع لشيخه ابن القطان في الراوي (عمرو بن أبي سلمة)؛ فإنه أخذه عنه هكذا (عمرو بن سلمة)، ولتأكيد ذلك قال ما نصه: (وكما ذكرته عن ع هي روايتي فيه عنه، قراءة مني عليه، وهو يمسك أصله الذي نقلت منه بخط يده).
وفي حديث محمد بن أبي بكر الصديق عن أبيه، في نفاس أسماء بنت عميس الخثعمية بمحمد بن أبي بكر بذي الحليفة (ح: ١٤٨) وقع تصحيف لأبي محمد الإشبيلي في قوله (وترحل)، فجعلها (وترجل) فوافقه ع على ذلك وتكرر منه ذكره على نفس الوهم، ولذا قال ابن المواق عن شيخه ابن القطان: "ذكر هذه اللفظة؛ هكذا بالجيم من ترجيل الشعر، وهكذا تلقيناه عن شيخنا عند قراءة كتاب البيان عليه، وهو وهم، وصوابه: (وترحل)، بالحاء المهملة من الرحيل ..)
[ الدراسة / ٣٢٥ ]
وبهذا نخلص إلى الآتي:
-أن نسخة ابن المواق من بيان الوهم والإيهام نسخة منقولة من الأصل الذي
كتبه المؤلف بيده.
-وهي نسخة مقروءة على المؤلف.
-وهي نسخة معتنى بها ومصححة من المؤلف نفسه.
وبالتالي فهي أقرب نسخة من البيان إلى نسخة المؤلف، وينبغي في تحقيق هذا الكتاب الرجوع إلى بغية النقاد؛ فهي الحكم الفصل في منقولاتها عند اختلاف نسخ هذا الكتاب، ثم إنها تساعد على تنقية الكتاب من الأوهام الواقعة للنساخ فيه.
ومن فوائده:
إعادة ترتيب ما تبعثر من أوراق بيان الوهم والإيهام في النسخة المصرية؟
حيث حدث فيها تقديم وتأخير اضطرب معه المعنى في كثير من الأحيان.
ومنها كذلك:
معرفة روايات الرواة لكتب الحديث: نأخذ على سبيل المثال رواة سنن أبي داود، وسن النسائي، ورواة الموطأ.
ومنها كذلك:
معرفة الطرق المغربية لكتب الحديث: وخاصة سنن أبي داود، وسنن النسائي.
ومنها:
[ الدراسة / ٣٢٦ ]
تصحيح الأوهام المركبة: وهي الأوهام التي وقع فيها عبد الحق، أو ابن القطان، أو هما معا، ثم انبنى على تلك الأوهام أوهام أخرى أو أحكام. (١)
ومنها:
تصحيح الأوهام الواقعة في طبعات الكتب الستة: ومن أمثلتها: ما وقع في جامع الترمذي في كتاب فضائل الجهاد من حديث أبي أمامة؛ قال:
(حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا الوليد بن جميل عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامة؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "أفضل الصدقات ظل فسطاط في سبيل الله، ومنيحة خادم في سبيل الله، أو طروقة فحل في سبيل الله").
قال أبو عيسى: (هذا حديث حسن صحيح غريب).
هكذا وقع عند الترمذي، في باب فضل الخدمة في سبيل الله: ٤/ ١٦٨ ح: ١٦٢٧. (حسب طبعة الجامع التي حقق أحمد محمد شاكر جزءا منها).
لكن الذي في البغية، وغيرها أن الترمذي يحدث بهذا الحديث عن زياد بن أيوب عن يزيد بن هارون.
وهذا هو الصواب من وجوه، ذكرتها في تعليقي على حديث (١١٢).
ومنها:
معرفة منهج عبد الحق في الأحكام:
- منها أن من منهج عبد الحق الإشبيلي أنه إذا ساق الحديث من عند إمام كبير مشهور لم ينزل بذكره ممن هو دونه إلا لفائدة. ذكر ذلك ابن المواق عند
_________________
(١) خذ على سبيل المثال: حديث أم عطية في الخفاض (رقم: ٤)، أعل بالجهل بعبد الوهاب الكوفي، وهذا الراوي غير موجود في السند.
[ الدراسة / ٣٢٧ ]
كلامه على (ح: ٧٥).
- الإشبيلي لا يجيز نقل الحدبها بالمعنى حسب ما نقل عنه ابن المواق (ح:
١٥٨).
- نص ابن المواق على اعتناء عبد الحق وابن القطان بالأحاديث المرفوعة فقط - وينظر كذلك بيان الوهم (١/ ٧٠/ أ) -فإنه لا يذكر في كتابه (كتاب عبد الحق إلا ما كان من حديث النبي - ﷺ -).
- الروايات المنقطعة، أو التي فيها راو ضعيف ليست من مراد عبد الحق فيما يسوق من روايات لأنها ليست من شرطه. (ح: ١٦٧).
- إذا عطف عبد الحق الإشبيلي رواية على أخرى أفاد أنه الرواية الثانية مخرجة من نفس الكتاب، المذكور أولا، ما دام لم يصرح بغيره. ذكر ذلك ابن المواق عند كلامه على (ح: ١٥٨).
- أن عبد الحق الإشبيلي يعد إبهام راو في الحديث انقطاعا، ويعل الحديث بذلك. (ح: ١).