(قام أئمة الحديث منذ العصور الأولى بنقد الأحاديث وتمييز مقبولها من مردودها، وتكلموا في عللها، وأتوا في ذلك بأبحاث دقيقة تكشف خبايا الأسانيد والمتون، كأنما كانوا يطوفون مع الرواة، وينتقلون مع المتون خلال حلقات الإسناد. فكانت أبحاثهم وأحكامهم حجة تلقاها العلماء بالقبول واحتجوا بأحكامهم في صحتها وحسنها، وعملوا بمقتضاها). (٤)
وبمرور الزمن خشي بعض الأئمة الأعلام من أن تقع أحكام المتأخرين في غير محلها، ولهذا نجد أبا عمرو ابن الصلاح يقول:
_________________
(١) نفس المرجعين السابقين.
(٢) ملء العيبة ٥٠/ ٥.
(٣) الرسالة المستطرفة، لمحمد بن جعفر الكتاني ص: ١٧٨.
(٤) منهج النقد في علوم الحديث: د. نور الدين عتر ص ٢٦٢.
[ الدراسة / ١٨٦ ]
"إذا وجدنا فيما يروى من أجزاء الحديث وغيرها حديثا صحيح الإسناد، ولم نجده في أحد الصحيحين، ولا منصوصا على صحته في شيء من مصنفات أئمة الحديث المعتمدة المشهورة، فإنا لا نتجاسر على جزم الحكم بصحته، فقد تعذر في هذه الأعصار الإستقلال بإدراك الصحيح بمجرد اعتبار الأسانيد؛ لأنه ما من إسناد من ذلك إلا وتجد في رجاله من اعتمد في روايته على ما في كتابه، عريا عما يشترط في الصحيح من الحفظ والضبط والإتقان؛ فآل الأمر إذن في معرفة الصحيح والحسن، إلى الإعتماد على ما نص عليه أئمة الحديث في تصانيفهم المعتمدة المشهورة التي يؤمن فيها، لشهرتها من التغيير والتحريف، وصار معظم المقصود لما يتداول من أسانيد خارجا عن ذلك، إبقاء لسلسلة الإسناد التي خصت بها هذه الأمة زادها الله شرفا آمين". (١)
وخالف ابن الصلاح طائفة من أهل العلم، منهم الإمام النووي، حيث قال:
"والأظهر عندي جوازه لمن تمكن وقويت معرفته".
وقال سراج الدين البلقيني في "محاسن الإصطلاح": (والمختار أن المتبحر في هذا الشأن، له ذلك بطرقه التي تظهر له). (٢)
وقال الحافظ العراقي: (وما رجحه النووي، هو الذي عليه أهل الحديث، فقد صحَّح جماعة من المتأخرين أحاديث لم نجد لمن تقدمهم فيها تصحيحا). (٣)
ونقل الحافظ السيوطي عن شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر -﵀- قوله:
(وقد اعترض على ابن الصلاح كل من اختصر كلامه، وكلهم دفع في صدر كلامه من غير إقامة دليل ولا بيان تعليل، ومنهم من احتج بمخالفة أهل عصره ومن بعده له في ذلك، كابن القطان، والضياء المقدسي، والزكي المنذري، ومن
_________________
(١) مقدمة ابن الصلاح ص: ٨٧ - بتحقيق د. عائشة عبد الرحمن.
(٢) محاسن الإصطلاح ص: ٨٩.
(٣) التقييد والإيضاح ص: ٢٣.
[ الدراسة / ١٨٧ ]
بعدهم، كابن المواق، والدمياطي، والمزي، ونحوهم). (١)
وبدر الدين الزركشي من الذين يرون أن مسألة التصحيح ماضية لمن كانت له الأهلية لذلك، ولذا نراه يسوق أسماء طائفة من أعلام المحدثين المتأخرين الذين كان لهم التصحيح، فذكر منهم:
ابن القطان، وابن المواق، والضياء المقدسي، والزكي المنذري، والمزي، والذهبي. (٢)
وهكذا نراه هو الآخر يعترف لأبي عبد الله بن المواق بهذه المرتبة التي مكنته من أن يدرج اسمه ضمن الذين كانت لهم هذه الأهلية.