تمهيد:
إن الإنسان إذا أقدم على تصنيف كتاب في موضوع ما، واعتنى به مراجعة وضبطا وتنقيحا، فإن من يأتي بعده ويطلع عليه لابد أن يجد فيه مجالا للتعقيب والمؤاخذة، وهذا شيء لا مندوحة منه، لأن البشر من طبيعته النقصان، فما بالك بمؤلف: "بغية النقاد" الذي توفي صاحبه قبل أن يخرجه من مبيضته، لهذا لا يستغرب ما يمكن أن يلاحظ من أول وهلة من تداخل بعض الأبواب والفصول، أو وضع حديث في غير موضعه من الكتاب، وابن المواق دقيق الملاحظة لذا فإنه يمكن الجزم بأنه لو أطال الله في عمره حتى أتم كتابه مراجعة وتنقيحا لكان في صورة أفضل من هذه بكثير، فسبحان من بيده الأمر من قبل ومن بعد.
وبالرجوع إلى هذا القسم الموجود من بغية النقاد في وضعه الحالي يلاحظ أنه يحتاج إلى مزيد تنقيح وترتيب ومراجعة؛ كما أنه لا يخلو من أماكن هى في حاجة إلى التعقيب العلمي؛ سواء فيما تعقب هو، أو فيما لم ينتبه إليه من أوهام أو إيهامات إما لعبد الحق الإشبيلي، أو لإبن القطان الفاسي.
وقد قمت بالتعقيب على ما يحتاج لذلك في موضعه من التحقيق، ولكن هذا لا يمنع من ذكر بعض هذه النماذج:
من أوهام ابن المواق في تعقيباته على شيخه ابن القطان:
لما ذكر عبد الحق الإشبيلي حديث أبي حمزة (١) أنه قال: سئل النبي - ﷺ - عن رجل نسي الأذان والإقامة، فقال النبي - ﷺ -: إن الله تجاوز عن أمتي السهو في الصلاة.
وذكر أنه من رواية هشام بن خالد. تعقبه ابن القطان، فبين وهمه فيه بقوله:
_________________
(١) انظر الحديث رقم: ٨٢.
[ الدراسة / ٣٣٣ ]
(وهو خطأ لا شك، وإنما رواه عن بقية: هشام بن عبد الملك، أبو تقي الحمصي، وهو شيخ متقن، يروي عن بقية، وجماعة من الشاميين سواه. وروى عنه الأئمة كأبي داود، والرازيين، وغيرهم، والأمر في ذلك، في نفس الإسناد، في الموضع؛ الذي نقله منه).
ثم تناول ابن القطان الأسباب المحتملة التي قد تكون أوقعت عبد الحق في هذا الوهم؛ فذكر منها:
الإحتمال الأول: أن يكون اعتمد على حفظه، ونسب والد هشام، فلما أراد أن ينسبه قال: هشام بن خالد، ولم يراجعه في الأصل.
الإحتمال الثاني: أن فيما كتب أوهاما؛ فأراد أن يفسر من أمر هشام ما يتمم به الفائدة للقارئ؛ فظنه هشام بن خالد، خاصة أنه أشهر أصحاب بقية بن الوليد.
وقال في الإحتمال الثالث: (ويحتمل على بعد أن يكون قد رأى الحديث أيضًا من رواية هشام بن خالد عن بقية. فأراد أن يعرف بذلك. وهذا إنما كان يستقيم له بعد أن يعرف راويه عن بقية في الموضع الذي نقله منه؛ هو هشام بن عبد الملك، ثم يتبعه أن يقول: ورواه أيضًا هشام بن خالد عن بقية. فأما أن يذكره من عند أبي أحمد، تم يتبعه أنه رواه هشام بن خالد عن بقية. فعمل غير صحيح لما فيه من إيهام الخطأ أنه عند أبي أحمد كذلك، فاعلم ذلك، والله الموفق). (١)
والإمام ابن المواق ما علم منه إلا الدقة في التعقب، وعدم إصدار الأحكام إلا بعد التحري، والضبط؛ فالعجب منه كيف ادعى أن ابن القطان لم يتعقب عبد الحق الإشبيلي في بيان أن الراوي في هذا الحديث هو هشام بن عبد الملك، وليس هشام بن خالد.
_________________
(١) بيان الرهم .. باب ذكر أحاديث ضعفها، ولم يبين بماذا، وضعفها إنما هو الإنقطاع، أو توهمه (٢ / ل: ٢١٦. أ).
[ الدراسة / ٣٣٤ ]
الإهتمام ببيان النكارة حتى في الروايات الضعيفة:
لما ذكر ابن المواق حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ - من عند ابن عدي: (لا نكاح إلا بولي وخاطب وشاهدي عدل). (١) كان من تعقيباته بيان أن لفظ (وخاطب) لفظ منكر، وقد استدل على ذلك بكون محمد بن إبراهيم بن شعيب، أبي الحسين المغازي انفرد بالراوية التي فيها هذه الزيادة، وأن روايتي: أحمد بن محمد بن الفرات، وأحمد بن عمار النسوي ليس فيهما لفظ (وأخاطب). قلت: وكان عليه، -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-، أن يبين أن هذا الحديث ضعيف في رواياته التي عند ابن عدي، سواء التي فيها (وخاطب) أو التي ليس فيها ذلك اللفظ المنكر.
إذ كلها تلتقي في المغيرة بن موسى، وقد نقل البيهقي عن أبي أحمد؛ قال: ثنا الحميدي، ثنا البخاري؛ قال مغيرة بن موسى بصري منكر الحديث -قال أبو أحمد: المغيرة بن موسى في نفسه ثقة- (٢) وإذا تبين أن الحديث من جميع طرقه عند ابن عدي ضعيف، فلا حاجة إلى بيان نكارة هذه اللفظة في إحدى هذه الطرق الضعيفة.
فإن قيل إن ابن عدي وثق المغيرة في الكامل بقوله: (والمغيرة بن موسى في نفسه ثقة، ولا أعلم له حديثا منكرا فأذكره، وهو مستقيم الرواية). (٣) يقال إنه لم يوثق ٥ معه غير ابن حبان، أما الساجي، والعقيلي، والدولابي، وابن الجارود؛ فإنهم بأجمعهم ذكروه في الضعفاء. وأورد له العقيلي حديثا في سنده محمد بن جحادة، وقال لا أصل له عن محمد بن جحادة (٤)
عد حديث له طرق متصلة مرسلًا:
في حديث عرفجة (٥) جاء فيه: (عن عبد الرحمن بن طرفة بن عرفجة أن
_________________
(١) الحديث رقم ٩١ من البغية.
(٢) السنن الكبرى، للبيهقي. كتاب النكاح. باب لا نكاح إلا بشاهدين عدلين. ٧/ ١٢٥.
(٣) الكامل، لإبن عدي -ترجمة المغيرة بن موسى- ٦/ ٣٥٨.
(٤) انظر لسان الميزان ٦/ ٧٩ ..
(٥) الحديث رقم ١.
[ الدراسة / ٣٣٥ ]
جده قطع أنفه يوم الكلاب) الحديث. قال فيه ابن المواق إن عبد الرحمن روى قصة لم يدركها فالحديث مرسل.
قلت: ولكن للحديث روايات؛ منها ما ثبت فيه (عن جده)، وعبد الرحمن سمع من جده، فالحديث متصل حسب هذه الرواية.
اعتماد ابن المواق لتصحيف وفي رواية صحيحا:
ذكر عبد الحق حديث ابن عباس: "ليس عليكم في ميتكم غسل إذا غسلتموه فبحسبكم أن تغسلوا أيديكم" (١) ونقله عن ابن القطان للتعقيب عليه في سنده، فاستدرك عليه ابن المواق في لفظة (أيديكم) بأن الصواب فيها: (آنيتكم) وبأنه كذلك عند عبد الحق وفي سنن الدارقطني الذي نقل منه الحديث.
قلت: الذي في سنن الدارقطني -المطبوعة- (فبحسبكم أن تغسلوا أيديكم)، وهو كذلك عند الحافظ أبي محمد الغساني الجزائري في كتابه (تخريج الأحاديث الضعاف من سنن الدارقطني) (٢). وفي مخطوط (الأحكام) لعبد الحق الإشبيلي (آنيتكم) عوض (أيديكم). فذهب الحافظ ابن المواق إلى أن اللفظ الوارد في هذا الحديث هو: (آنيتكم)، وجعل من أورده على خلاف ذلك وهما، معتمدا على ما في (الأحكام)، وكذا النسخة التي وقعت بين يديه من كتاب سنن الدارقطني.
قلت: ولا أرى أن ما ذهب إليه الحافظ ابن المواق صوابا لأمرين:
- الأول: أنه لا وجه له من حيث المعنى، فالأواني لا تنجس، والأيدي هي التي تباشر غسل الميت، والأجدر أن يذكر الشرع حكمها، أما غسل الأواني فهو من تحصيل الحاصل، فلا حاجة للتنصيص عليه.
_________________
(١) الحديث ٢٥٢.
(٢) صفحة: ٢٠٣.
[ الدراسة / ٣٣٦ ]
- الثاني: أن كل من روى الحديث أو نقله عن غيره؛ كله لم يورده إلا بلفظ (أيديكم)، وأذكر على سبيل المثال: الحاكم، والبيهقي. وعليه فإن ابن القطان لم يهم فيه، بل الصواب ما أورده، ومما يتأيد به ذلك ما ذهب إليه الحافظ ابن حجر في حمل الأمر بالغسل في حديث أبي هريرة المتقدم على غسل الأيدي، حسب تصريح هذا الحديث بذلك. (١)
نسبة حديث للترمذي، وهو غير موجود فيه:
- ذكر ابن القطان حديث ابن عباس أن النبي - ﷺ - كان يصبح، ولم يجمع الصوم. (٢) فتعقبه ابن المواق، لكنه أثناء تعقيبه عليه نسب الحديث إلى الترمذي.
قلت: نسب الحافظ ابن المواق هذا الحديث إلى الترمذي؛ وليس له ذكر في جامعه، ولا في غيره من كتبه التي اطلعت عليها، والحديث ذكره عبد الحق في الأحكام (٣) من عند ابن حزم -في المحلى- (٤)
ولعل سبب وهمه أنه ذكر الحديث أثناء كلامه على حديث سمرة بن جندب: سكتتان حفطهما من رسول الله - ﷺ - .. الحديث. فإنه ذكره من عند الترمذي، فوهم، فأعاد الضمير على حديث الباب.
وهذه بعض الإشارات المجملة إلى مؤاخذات على الحافظ ابن المواق:
في الحديث (٤٦) عرف بالراوي أبي بكر، فقال هو: (ابن عبد الرحمن)، والصواب أنه: أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم).
وفي الحديث (٦٩) ذهب ابن القطان إلى أن معني النسائي بقوله: (هذا خطأ فاحش، والصواب حديث بشر، أراد بالخطأ زيادة (في الرهان)، ووافقه على
_________________
(١) التلخيص الحبير ١/ ١٣٨.
(٢) الحديث: ٢٥٣.
(٣) الأحكام كتاب الصيام، باب فيمن دعي إلى طعام (٤ / ل: ٣٤. ب).
(٤) الحديث أخرجه ابن حزم في المحلي: كتاب الصيام (٦/ ١٣٧: المسألة: ٧٣٠).
[ الدراسة / ٣٣٧ ]
ذلك ابن المواق.
قلت: الصواب أن النسائي إنما صوب حديث عمران بن حصين، وإنما خطأ حديث أنس. (١)
وفي الحديث (٧٧) وقع ابن القطان في وهم فيه؛ فنسبه إلى أبي هريرة، وهو في مسند عمر بن الخطاب، ولم ينبه الحافظ ابن المواق على هذا الوهم.
وفي الحديث (١٨١) ينظر التعقيب الثاني -من تعقيباتي- في الهامش.
وفي الحديث (١٩٠) من مخطوط البغية جاء ما نصه: (أن رجلا من جدام جامع امرأته وهما محرمان، فسأل الرجل رسول الله - ﷺ -. فقال له: "اقضيا يوما مكانه. الحديث".
قلت: إن الذي عند جميع من ذكر الحديث (اقضيا نسككما ..)، والحديث ورد في باب الحج، وليس في باب الصيام. فإما أن يكون الوهم من الناسخ، وهذا ما يرجح، أو أن يكون من ابن المواق، وهذا مستبعد، والله أعلم.
وفي الحديث (١٩١) عرف الحافظ ابن المواق بعبد الرحمن بن ميسرة الوارد في سند الحديث فقال: هو أبو ميسرة الحضرمي، فأخطأ التعريف به، إذ المراد به عبد الرحمن بن ميسرة الحضرمي، الحمصي (٢)
وفي الحديث (١٩٩) كان إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبيث المخبث تعامل معه الحافظ ابن المواق بحرفية معناه، فرجح أن فقه الحديث يقتضي أن التعوذ يكون في الخلاء، وهذا الفهم مرجوح، كما بينت في التعليق.
_________________
(١) انظر الهامش ١٨ من الحديث (٦٩).
(٢) انظر -غير مأمور- الهامش رقم ٦ من الحديث المذكور.
[ الدراسة / ٣٣٨ ]
وفي الحديث (٢٢٤) استدل الحافظ ابن المواق بأن عبد الحق الإشبيلي سقطت له لفظة (حتى يصلى عليه)، وهي مذكورة في نص الحديث عند أبي داود.
قلت: إن عبد الحق أخرج الحديث من عند مسلم، ولا حاجة لإيراد رواية أبي داود وبناء التعقيب عليها، إذ رواية مسلم كفيلة بأن تسعفه إلى نفس التعقيب المذكور في هذا الحديث.
وفي الحديث (٢٤٩) استدرك الحافظ ابن المواق على شيخه ابن القطان ثلاثة استدراكات، قال في الثاني منها: أن الصواب في رواية هذا الحديث لفظ (الدبر)، وليس لفظ (الدم)، والأرجح عندي أنه عكس ما قال، على أن الحديث ضعيف من جميع الطرق المذكورة له. (١)
وفي الحديث (٣٥١) الذي ذكره عبد الحق من مسند حذيفة بن اليمان: كل مسجد فيه إمام ومؤذن الحديث. من عند ابن عدي، فنفى ابن المواق أن يكون له ذكر عند أبي أحمد، والحديث موجود عنده. (٢)
وفي الحديث (٣٥٣) الذي ذكره عبد الحق الإشبيلي من مسند ابن مسعود مرفوعا: "لا تأتوا النساء في أعجازهن، ولا في أدبارهن". من طريق أبي أحمد. هذا الحديث أعله الإشبيلي بحمزة بن محمد الجزري، وقد جهد نفسه ابن المواق أن يجد الحديث عند ابن عدي فلم يجده، والصواب أنه لا يوجد فيه ذكر لحمزة ابن محمد، وإنما هو: محمد بن حمزة فهذا القلب هو الذي سبب المتاعب لإبن المواق، بل وأوقعه في ما أوقعه من أوهام.
وفي الحديث (٣٥٩) نفى الحافظ ابن المواق أن يكون لحديث الباب ذكر في كتابي السنن والعلل، للدارقطني، والحديث موجود في السنن له.
_________________
(١) انظر الهامش رقم ٦ من الحديث المذكور.
(٢) انظر الهامش رقم ٤ من الحديث المذكور.
[ الدراسة / ٣٣٩ ]
وفي الحديث (٣٦٠) طال بحث الحافظ ابن المواق عن حديث الباب المنسوب إلى عبد الرزاق في مصنفه، فلم يلفه فيه، والحديث موجود فيه.
أما الحديث رقم (٣٦٣) الذي رواه عبد الحق الإشبيلي من مسند معاذ بن جبل: (كنت مع النبي - ﷺ -، فأصبحت يوما قريبا منه الحديث. من طريق النسائي. فقد نفى الحافظ ابن المواق أن يكون النسائي خرجه، والصواب أنه عنده في سننه الكبرى.
[ الدراسة / ٣٤٠ ]