تمهيد:
أجمع من ترجم لإبن رشيد على وصفه وتحليته بأوصاف تبين ما كان له من مكانة سامقة في الحديث وعلومه، كيف لا وهو العلم الذي أحب حديث رسول الله - ﷺ -، واستحلى في سبيله المشاق والصعاب وجاب الآفاق، وهو لا يزال في عنفوان الشباب، قال ابن رشيد:
(وبعد فإني لما رأيت الحديث يحبه ذكور الرجال ويكرهه إناثهم أحببت الذكورة وكرهت الأنوثة، وصرفت همتي إليه، ولم أعول من العلوم مع كتاب الله إلا عليه، على أني لم أواف هذا العلم بأفقنا إلا كاسدة سوقه، غامرة سوقه، متقلصا بسوقه، قد تلفت بضائعه ودرست صنائعه اللهم إلا أني لا رحلت وجدت منه معينا فوردت، ولكني تعجلت الصدر فليتني ما صدرت، ورويت لكني ما ارتويت، ولا كل الذي أملت حويت). (٣)
_________________
(١) ذكره له المكناسي في الجذوة (١/ ٢٩٠)، والتعارجي في إعلامه (٤/ ٣٤٥)، وابن مخلوف في طبقاته (١/ ٢١٧). والكتاب من مصادر الحافظ ابن حجر في الفتح، وكثيرا مما ينقل عنه إما لموافقته أو لمناقشته. وقد طبع الكتاب في الهند. انظر -غير مأمور- مجلة دار الحديث الحسنية العدد ٢ ص ١٤٥.
(٢) انظر -غير مأمور- مبحث نسبة كتاب البغية لإبن المواق في هذه الدراسة.
(٣) إفادة التصحيح ص: ٤
[ الدراسة / ٩٠ ]
وقد كانت رحلته المشرقية التي قضى فيها ثلاث سنوات خير زاد له في هذا العلم؛ حيث مكنته من لقاء المشايخ وكبار الحفاظ والسماع منهم، فحصل له ما لم يحصل لغيره في عصره من علو السند، وكثرة الشيوخ، ونقل المصنفات بأسانيدها إلى أصحابها، ومعرفة العلل وطبقات الرجال، والإطلاع على النادر من الكتب الحديثية والأجزاء والمسلسلات وبالرجوع إلى مصنفاته الحديثية نجد ترجمة عملية لهذه المكانة العالية التي بلغها في علم الحديث رواية ودراية.
وهذه بعض الشهادات من بطون كتبه، وخاصة رحلته المسماة (ملء العيبة):
- شهادة على ضبط ابن رشيد وإتقانه ومعرفته بعلل الحديث:
كان لإبن رشيد -﵀- معرفة بطرق الأحاديث وأسانيدها ومتابعاتها وشواهدها، ولذا قلما يمر بحديث فيه انقطاع أو علة أو تحريف لمتن أو إسناد إلا ويقف عنده لينبه على الصواب فيه مقارنا ومحتجا برواية غيره ممن أخذ عنه نفس الحديث؛ حتى يميز الصواب من الخطأ، والأمثلة على ذلك كثيرة؛ ومنها هذا الحديث من الجزء المعروف بجزء أبي جهم العلاء بن موسى الباهلي، وهو مما يروى عن الليث بن سعد، وقد قرأه ابن رشيد على الشيخة الصالحة الكاتبة؛ أم الخير: فاطمة بنت إبراهيم. بن محمود البطائحي بالحرم النبوي؛ قال:
«ومنه بالإسناد: أنا الليث بن سعد، عن نافع، عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن عباس أنه قال: "إن امرأة اشتكت شكوى فنذرت لئن شفاني الله لأخرجن فلأصلين في بيت المقدس، فبرئت وصحت، وظهرت تريد الخروج. فلما أتت ميمونة زوج النبي - ﷺ - تسلم عليها، فأخبرتها بذلك، فقالت: انطلقى فكلي ما صنعت، وصلي في مسجد الرسول، فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: صلاة فيه أفضل من الف صلاة فيما سواه إلا مسجد الكعبة"».
قال ابن رشيد تعقيبا على هذه الرواية: "قلت كذا سمعنا هذا الحديث على فاطمة، عن نافع، عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن عباس أنه قال: "إن
[ الدراسة / ٩١ ]
امرأة .. " وكذلك رأيته في الأصل السموع على ابن أبي مسعود الفارسي، وفي غيره من الأصول. ولعله سقط فيه (عن ابن عباس). والحديث عند مسلم بن الحجاج (١) -﵀- عن قتيبة بن سعيد، ومحمد بن رمح، عن الليث، عن نافع، عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد، عن ابن عباس أنه قال. وذكر في الحديث. وفي اللفظ اختلاف يسير. إبراهيم هذا هو ابن عبد الله بن معبد بن عباس بن عبد المطلب. أخرج له مسلم دون البخاري، يروي عن أبيه عبد الله.
وذكر محمد بن طاهر القدسي في كتابه الذي جمع فيه رجال الصحيحين، أن إبراهيم هذا يروي عن ميمونة عند مسلم، ولم يعين الموضع. فما أدري أعنى هذا الموضع؟ أم غيره فزد فيه بحثا» (٢)
- شهادة أخرى على ضبط وتحقيق ابن رشيد في ألفاظ الأحاديث ورواياته:
التحقيق في روايات الحديث يحتاج إلى سعة إطلاع وتحصيل، وتمكن ودقة نظر، ومعرفة المحفوظ من الشاذ، وإدراك الخفي من مدارك تعقيبات الحفاظ ومقاصدهم وكثرة المارسة لأقوال أهل هذا الشأن وهذا مثال لتحقيق ابن رشيد في قولهم إن (من السلمين) زائدة في حديث مالك في زكاة الفطر:
قال ابن رشيد:
«قلت: اشتهر بين المحدثين أن مالكا -﵀- انفرد من بين الثقات في هذا الحديث بقوله (من المسلمين).
قال الإمام أبو عمرو بن الصلاح -﵀- في كتابه البديع الذي صنفه في معرفة أنواع الحديث في النوع المحتوي على معرفة زيادات الثقات وحكمها: (الثالث) ما يقع بين هاتين المرتبتين مثل زيادة لفظة في حديث لم يذكرها سائر
_________________
(١) صحيح مسلم. كتاب الحج. باب فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة. ٢/ ١٠١٤ ح: ١٣٩٦.
(٢) ملء العيبة ٥/ ٢٤ - ٢٥
[ الدراسة / ٩٢ ]
من روى ذلك الحديث: مثاله ما رواه مالك عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - فرض زكاة الفطر من رمضان على كل حر أو عبد ذكرا وأنثى من المسلمين، فذكر أبو عيسى الترمذي أن مالكا تفرد من بين الثقات بزيادة قوله (من المسلمين)، وروى عبيد الله بن عمر، وأيوب، وغيرهما هذا الحديث عن نافع، عن ابن عمر دون هذه الزيادة، فأخذ بها غير واحد. من الأئمة واحتجوا بها، منهم الشافعي، وأحمد - ﵃ - والله أعلم، انتهى ما أردنا إراده من كلام ابن الصلاة، -﵀-.
وفي كلامه وحكاية ما حكاه عن الترمذي بعض النظر، فقد روى هذه الزيادة عن نافع أبو عثمان الضحاك بن عثمان بن عبد الله بن خالد القرشي. ذكر ذلك مسلم في صحيحه (١)؛ قال مسلم -﵀-: وحدثنا - محمد بن رافع، نا ابن أبي فديك؛ قال: أنا الضحاك عن نافع، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله - ﷺ - فرض زكاة الفطر من رمضان على كل نفس من المسلمين، حرٍّ أو عَبْدٍ أو رَجُلٍ أوْ امْرأةٍ، صغير أو كبير، صاعا من تمر أو صاعا من شعير، ورواه أيضا بزيادة (من المسلمين) عن نافع ابنه عمر بن نافع. ذكر ذلك البخاري في صحيحه. قال البخاري (٢) -﵀- نا يحيى بن محمد بن السكن؛ قال: نا محمد بن جهضم؛ قال: نا إسماعيل بن جعفر عن عمر بن نافع عن أبيه عن ابن عمر؛ قال: فرض رسول الله - ﷺ - زكاة الفطر صاعا من تمر، أو صَاعًا من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل
خروج الناس من الصلاة.
وأورد ابن رشيد كلام الناس في توثيق عمر بن نافع، والضحاك بن عثمان الراوين للحديث عن نافع بتلك الزيادة، ثم قال: (فهذا ما يَرِد على قول الترمذي، وعلى قول الإمام ابن الصلاح؛ فإنه نقل قول الترمذي كالراضي به.
_________________
(١) كتاب الزكاة: باب زكاة الفطر على المسلمين من التمر والشعير ٢/ ٦٧٨ ح: ١٦.
(٢) كتاب الزكاة: باب فرض صدقة الفطر (الفتح ٣/ ٣٦٧ ح: ١٥٠٣).
[ الدراسة / ٩٣ ]
ويَرِدُ على ابن الصلاح تعقب آخر إلا أنه خفي دقيق، وذلك أنه حكى عن الترمذي أن مالكا تفرد بهذا الزيادة من بين الثقات، وكلام الترمذي في معرضه إذا تُؤمل أقبلُ للتأويل مما حكاه عنه ابن الصلاح -﵀- وبإيراد نصه في ذلك يتبين المعنى الذي أشرنا إلى غموضه، قال أبو عيسى -﵀- في جامعة ما نصه: (ورب حديث إنما يستغرب لزيادة تكون في الحديث، وإنما يصح إذا كانت الزيادة ممن يعتمد على حفظه مثلما روى مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر؛ قال: فرض رسول الله - ﷺ - زكاة الفطر من رمضان على كل حر وعبد ذكرًا أو أنثى من المسلمين صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير؛ قال: وزاد مالك في هذا الحديث (من المسلمين)، وروى أيوب السختياني، وعبيد الله بن عمر، وغير واحد من الأئمة هذا الحديث عن نافع، عن ابن عمر، ولم يذكروا فيه (من المسلمين)، وقد روى بعضهم عن نافع مثل رواية مالك ممن لا يعتمد على حفظه، وقد أخذ غير واحد من الائمة بحديث مالك واحتجوا به؛ منهم: الشافعي، وأحمد بن حنبل؛ قالا: إذا كان للرجل عبيد غير مسلمين لم يؤد عنهم صدقة الفطر، واحتجا بحديث مالك، فإذا زاد حافظ ممن يعتمد على حفظه قبل ذلك عنه، انتهى كلام الترمذي. وهو أوسع، فإنه علق الحكم في الزيادة عمن يعتمد على حفظه، وابن الصلاح علق الحكم بالثقة، ولا شك أن المعتمد على حفظه في إطلاقهم أعلى رتبة من الثقة؛ فإن الترمذي موافق على أن عمر بن نافع ثقة، وقد لا يوافق على أنه ممن يعتد على حفظه، فلذلك لم يذكره مع مالك، فافهم هذا فإنه مهم خافٍ والله الموفّق والمرشد». (١)
مكانة ابن رشيد العلمية من خلال شهادات ذوي الشأن والاختصاص في التأريخ للرجال:
كان ابن رشيد -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- مشاركا في العلوم إلا أنه أرسخ قدما في
_________________
(١) عن: ذكريات مشاهير رجال المغرب: ابن رشيد، لعبد الله كنون. ص: ٢٤
[ الدراسة / ٩٤ ]
العربية والأدب وعلم الحديث، وصفه ابن خلدون في تاريخه بكبير مشيخة المغرب، وسيد أهله، شيخ المحدثين الرحالة. وقال فيه لسان الدين الخطيب: "الخطيب المحدث المتبحر في علوم الرواية والإسناد، كان -﵀-، فريد دهره عدالة وجلالة وحفظا وأدبا وسمتا وهديا، واسع الأسمعة، عالي الإسناد، صحيح النقل، أصيل الضبط، تام العناية بصناعة الحديث، قيما عليها بصيرا بها، محققا فيها، ذاكرا فيها للرجال، جماعة للكتب، محافظا على الطريقة، مضطلعا بغيرها، من العربية واللغة والعروض، فقيها أصيل النظر، ذاكرا للتفسير، ريان من الأدب، حافظا للأخبار والتواريخ، مشاركا في الأصليين، عارفا بالقراءات، عظيم الوقار والسكينة، بارع الخط، حسن الخلق، كثير التواضع، رقيق الوجه، متحملا كلف الخاصة والعامة، مبذول الجاه والشفاعة، كهفا لأصناف الطلبة». (١)
ونقل القري عن أبي البركات بن الحاج قوله فيه:
«ابن رشيد ثقة عدل، من أهل هذا الشأن المتحققين به، وكان من أهل المعرفة بعلم القراءات، وصناعة العربية وعلم البيان والآداب والعروض والقوافي، مشاركا في غير ذلك من الفنون، من خدام الكتاب والسنة، حسن العهد، كريم العشرة برا بأصدقائه، فاضلا في جميع أنحائه، أديبا خطيبا بليغا ذاكرا متأدبا، يقرض الشعر على تكلف، ويجود النثر، وييصر مواقع حسنه، وأعظم عنايته بعلم الحديث متنه وسنده ومعرفة رجاله، ولذلك كان جل أشغاله، وفيه أعظم احتفاله حتى حصل منه على غاية قصده ومنتهى آماله». (٢)
_________________
(١) الإحاطة في أخبار غرناطة ٣/ ١٣٥
(٢) أزهار الرياض ٢/ ٣٤٨.
[ الدراسة / ٩٥ ]