هو أن يسأل الطالب الشيخ أن يكتب له شيئا من حديثه، أو يبدأ الشيخ بكتاب ذلك مفيدا للطالب بحضرته، أو من بلد آخر.
قال صاجما المحدث الفاصل بين الراوي والواعي:
"وأما الكتاب من المحدث إلى آخر بأحاديث يذكر أنه أحاديثه سمعها من فلان كما رسمها في الكتاب - فإن الكاتب لا يخلو من أن يكون على يقين من أن المحدث كتب بها إليه، أو يكون شاكا فيه، فإن كان شاكا فيه لم تحز له روايته عنه، وإن كان متيقنا له - فهو وسماعه [و] الإقرار منه سواء، لأن الغرض من القول باللسان فيما تقع العبارة فيه باللفظ إنما هو تعبير اللسان عن ضمير القلب، فإذا وقعت العبارة عن الضمير بأي سبب كان من أسباب العبارة - إما بكتاب وإما بإشارة، وإما بغير ذلك مما يقوم مقامه- كان ذلك كله سواء، وقد روى عن النبي - ﷺ - ما يدل على أنه أقام الإشارة مقام القول في باب العبارة: (وهو حديث الرجل الذي أخبره أن عليه عتق رقبة، وأحضره جارية فقال إنها أعجمية، فقال لها النبي - ﷺ -: "أين ربك"؟ فأشارت إلى السماء، قال "من أنا؟ " قالت أنت
_________________
(١) انظر -غير مأمور- الحديث رقم ٩٨ من البغية.
[ الدراسة / ٢٥٩ ]
رسول الله. قال: "أعتقها" (١) " (٢).
وقد صحح هذا النوع والرواية به كل من أيوب السختياني، ومنصور بن المعتمر، والليث بن سعد، وخلق كثير من المتقدمين والمتأخرين.
وذكر القاضي عياض -كذلك- أن المشايخ أجازوا الحديث بذلك متى صح عنده أنه خطه وكتابه؛ وعللوا ذلك بأن كتابه إليه بخط يده أو إجابته إلى ما طلبه هو أقوى إذن بذلك، وبهذا قال حذاق الأصوليين، واختاره المحاملي -من أصحاب الشافعي-؛ قال: وذهب ناس إلى أنه لا تجوز الرواية عنه، وهذا
غلط. (٣)
ومن مذهب البخاري الإحتجاج بالمكاتبة وعدها من قبيل الأحاديث المتصلة لذا عقد بابا في صحيحه عنونه بقوله: "باب ما يذكر في المناولة، وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان". ثم أورد عقبه حديثا معلقا (٤): "وقال أنس: نسخ عثمان الصاحف فبعث بها إلى الآفاق، ورأى عبد الله بن عمر ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومالك ذلك جائزا، واحتج بعض أهل العلم في المناولة بحديث النبي - ﷺ -؛ حيث كتب لأمير السرية كتابا وقال: لا تقرأه حتى تبلغ مكان كذا كذا. الحديث (٥)
قال ابن حجر في الفتح: "والمكاتبة من أقسام التحمل، وهي أن يكتب الضيخ حديثه بخطه، أو يأذن لمن يثق به بكتبه، ويرسله بعد تحريره إلى الطالب، ويأذن في روايته عنه، وقد سوى الصنف بينها وبين المناولة". (٦)
_________________
(١) انظر -غير مأمور-: صحيح مسلم ١/ ٣٨١
(٢) المحدث الفاصل، للرامهرمزي، بتحقيق د. عجاج الخطيب ص: ٤٥٢
(٣) انظر -غير مأمور-: الإلماع للقاضي عياض. ص: ٨٤.
(٤) وصله البخاري في فضائل القرآن.
(٥) فتح الباري: كتاب العلم، ١/ ١٥٣
(٦) فتح الباري ١/ ١٥٤.
[ الدراسة / ٢٦٠ ]
وقد قال ابن حجر في شرح قوله: (نسخ عثمان المصاحف ): "ودلالته على تسويغ الرواية بالمكاتبة واضح، فإن عثمان أمرهم بالإعتماد على ما في تلك المصاحف ومخالفة ما عداها، والمستفاد من بعثه المصاحف إنما هو ثبوت إسناد صورة المكتوب فيها إلى عثمان، لا أصل ثبوت القرآن فإنه متواتر عندهم". (١)
وجاء في صحيح البخاري بالسند المتصل إلى عبد الله بن عباس، - ﵄ -، أن رسول الله - ﷺ - بعث بكتابه رجلا وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى الحديث. (٢)
قال السخاوي عقب ذكره لهذا الحديث: "وقد صارت كتب النبي - ﷺ - دينا يدان بها، والعمل بها لازم للخلق، وكذلك ما كتب به أو بكر، وعمر، وغيرهما من الخلفاء الراشدين فهو معمول به". (٣)
وقال عياض: "وقد استمر عمل السلف فمن بعدهم من الشيوخ بالحديث بقولهم: كتب إلى فلان قال: أخبرنا فلان، وأجمعوا على العمل بمقتضى هذا الحديث وعدوه في المسند بغير خلاف يعرف في ذلك، وهو موجود في الأسانيد كثيرا". (٤)
وتبعه ابن الصلاح فقال: "وكثيرا ما يوجد في مصنفاتهم قولهم "كتب إلى فلان: قال حدثنا فلان" والمراد به هذا، وذلك معمول به عندهم معدود في المسند الوصول". (٥)
_________________
(١) الفتح ١/ ١٥٤.
(٢) كتاب العلم، الفتح ١/ ١٥٤ ح: ٦٤.
(٣) فتح المغيث، للسخاوي -بتحقيق علي حسن ٣/ ٨.
(٤) الإلماع إلى أصول الرواية وتقييد السماع، للقاضي عياض. ص: ٨٦ - وكذا فتح المغيث، للسخاوي -بتحقيق علي حسن - ٣/ ٥.
(٥) علوم الحديث، لإبن الصلاح -بتحقيق عتر- ص: ١٥٤.
[ الدراسة / ٢٦١ ]
وروى أبو عبد الله الحاكم النيسابوري بسنده إلى إسماعيل بن أبي أويس أنه سمع خاله مالك بن أنس يقول: قال لي يحيى بن سعيد الأنصاري لا أراد الخروج إلى العراق التقط لي مائة حديث من حديث ابن شهاب حتى أرويها عنك عنه، قال مالك: ثم بعثت بها إليه. (١)
وفي الصحيحين اجتماعا وانفرادا أحاديث من هذا النوع من رواية التابعي عن الصحابي، أو من رواية غير التابعي ونحو ذلك؛ فمما اجتمعا عليه:
- حديث ورّاد الثقفي، قال كتب معاويه إلى المغيرة - ﵄ - أن اكتب إلي ما سمعت من رسول الله - ﷺ - فكتب إليه: "سمعت النبي - ﷺ - يقول إن الله كره لكم ثلاثا: قيل وقال، وإضاعة المال وكثره السؤال" (٢)
- حديث عبد الله بن عون؛ قال كتبت أسأله عن الدعاء قبل القتال، فكتب إلي أن النبي - ﷺ - أغار على بني المصطلق وهم غارون. الحديث (٣)
وفي الصحيحين أحاديث أخر من هذا النوع غير ما ذكر. (٤)
ومما انفرد به البخاري حديث هشام الدستوائي؛ قال: كتب إلى يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه رفعه: "إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا
_________________
(١) معرفة علوم الحديث، للحاكم النيسابوري. ص: ٢٥٩.
(٢) صحيح البخاري: كتاب الزكاة، باب قول الله تعالى ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة ٢٧٤] الفتح ٣/ ٣٤٠ ح: ١٤٧٧ - صحيح مسلم، كتاب الأقضية، باب النهي عن كثرة السؤال ٣/ ١٣٤١ ح: ١٣.-ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي-
(٣) صحيح البخاري، كتاب العتق، باب من ملك من العرب رتيقا .. الفتح ٥/ ١٧٠ ح: ٢٥٤١ - صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب جواز الإغارة على الكفار .. ٣/ ١٣٥٦ ح: ١ - ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي -
(٤) منها: حديث موسى بن عقبة عن سالم أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله -وكان كاتبًا له- قال: كتب إليه عبد الله بن أبي أوفى - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (واعملوا أن الجنة تحت ظلال السيوف). - صحيح البخاري، الفتح ٦/ ٣٣ ح: ٢٨١٨ - وصحيح مسلم ٣/ ١٣٦٢ ح: ١٧٤٢. وينظر كذلك: تدريب الراوي ٢/ ٧٥ - فتح الغيث ٣/ ٩.
[ الدراسة / ٢٦٢ ]
حتى تروني". (١)
ومما انفرد به مسلم حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص؛ قال: كتبت إلى جابر بن سمرة، - ﵄ -، مع غلامي نافع أن أخبرني بشيء سمعته من رسول الله - ﷺ - قال: فكتب إلي: سمعت رسول الله - ﷺ - يوم جمعة عشية رجم الأسلمي، فذكر الحديث. (٢)
بل روى البخاري عن شيخه محمد بن بشار بالمكاتبة. (٣)
وبهذا يتبين أن مذهب الجمهور جواز الرواية بالمكاتبة واعتبارها من المسند المتصل، لكن من الذين قالوا بالمنع: الماوردي في الحاوي، وقال السيف الآمدي: لا يرويه إلا بتسليط من الشيخ؛ كقوله: فاروه عني، أو أجزت لك روايته. (٤)
أما أبو الحسن بن القطان الفاسي فقد اعتبر الرواية بالمكاتبة من قبيل المنقطع لذا علل أحاديث كثيرة في الصحيحين وردها بذلك، وقد ضمن مذهبه هذا في المدرك الرابع من مدارك الإنقطاع، من باب ذكر أحاديث أوردها على أنها متصلة وهي منقطعة أو مشكوك في اتصالها، ومن أمثلة ذلك حديث جابر بن سلمة المتقدم قرييا، فإنه تعقب عبد الحق الإشبيلي في ذكره لهذا الحديث مع سكوته عنه؛ حيث قال: "وهو عند مسلم -﵀- منقطع؛ إنما كتب به جابر بن سمرة عامر بن سعد ". (٥)
وتعقب عبد الحق كذلك في حديث عبد الله بن أوفى -الذي ذكره من طريق مسلم- وقال:
_________________
(١) صحيح البخاري، الفتح ٢/ ١١٩ ح: ٦٣٧.
(٢) صحيح مسلم ٣/ ١٤٥٣ ح: ١٨٢٢.
(٣) قال البخاري في باب إذا حنث ناسيا -من كتاب الأيمان والنذور-: كتب إلى محمد بن بشار، حدثنا معاذ (الفتح ١١/ ٥٥٠ ح: ٦٦٧٣) - فتح المغيث ٣/ ١٠ - تدريب الراوي ٢/ ٥٦.
(٤) التبصرة والتذكرة، للعراقي ٢/ ١٠٥.
(٥) بيان الوهم والإيهام ١/ ل: ١٢٤ وجه ب.
[ الدراسة / ٢٦٣ ]
"وهو حديث لم يسمعه أبو النضر سالم بن عبد الله بن أبي أوفى وإنما كتب به إلى مولاه ". (١)
ثم ساق نفس الحديث من طريق البخاري وبين أنه رواه كذلك ابن أبي الزناد مكاتبة، وختم بقوله: "فالحديث إذن منقطع حدث به أبو النضر عن كتاب ابن أبىِ أوفى إلى مولاه المذكور". (٢)
وقد استحسن ابن القطان صنيع عبد الحق الإشبيلي حينما ذكر حديث ابن
عمر في الدعوة قبل القتال، حيث قال: "وذكر أبو محمد حديث ابن عمر كما وقع فبرئت منه عهدت؛ قال: عن ابن عون كتب إلى نافع أسأله عن الدعوة قبل القتال فكتب إلي فمثل هذا هو الصواب في أمثاله أن ييين أنه من كتاب فاعلمه". (٣)
ولم يوافق أبو عبد الله بن المواق شيخه على ما ذهب إليه من عده الحديث المروي بالمكاتبة منقطعا لذا رد ذلك على شيخه، وقد نقل هذا الرد الحافظ زين الدين العراقي في شرحه على ألفيته (٤).