قال أبو عيسى الترمذي في العلل، من أواخر كتاب الجامع: "وما ذكرنا في هذا الكتاب "حديث حسن" فإنما أردنا به حسن إسناده -عندنا- كل حديث يروى لا يكون في إسناده متهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذا، ويروى من
غير وجه نحو ذلك، فهو عندنا حديث حسن". (٢)
ولما تكلم ابن الصلاح على معرفة الحسن من الحديث، تناول ضمن التنبيهات والتفريعات المتعلقة به التنبيه الثامن؛ فقال:
"في قول الترمذي وغيره: هذا حديث حسن صحيح إشكال؛ لأن الحسن
_________________
(١) فتح الغيث ١/ ٥٥، والمتسدرك للحاكم ١/ ٢٣. وينظر كذلك في موضوع دعوى الحاكم: الموضوعات، لإبن الجرزي ١/ ٣٣ - وشرح مسلم للنووي ١/ ٢٨ - وجامع الأصول ١/ ١٦٠ - مكانة الصحيحين، لخليل إبراهيم ملا خاطر. ص: ٦٢ ..
(٢) شرح علل الترمذي، لإبن رجب - تحقيق د. همام عبد الرحيم سعيد - ١/ ٥٧٣.
[ الدراسة / ٢٧٦ ]
قاصر عن الصحيح ففي الجمع بينهما في حديث واحد جمع بين نفي ذلك القصور وإثباته. وجوابه أن ذلك راجع إلى الإسناد فإذا روي الحديث الواحد بإسنادين أحدهما إسناد حسن، والآخر إسناد صحيح، أي إنه حسن بالنسبة إلى إسناد، صحيح بالنسبة إلى إسناد آخر " (١)
فقال العراقي مستدركا عليه:
"وقد تعقبه الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد في "الإقتراح" بأن الجواب الأول ترد عليه الأحاديث التي قيل فيها "حسن صحيح" مع أنه ليس له إلا مخرج واحد" قال: "وفي كلام الترمذي في مواضع يقول هذا حسن صحيح، لا نعرفه إلا من هذا الوجه".
وقد أجاب بعض المتأخرين عن ابن الصلاح بأن الترمذي حيث قال هذا يريد به تفرد أحد الرواة به عن الآخر لا التفرد الطلق، قال: ويوضح ذلك ما ذكره في الفتن من حديث خالد الحذاء عن ابن سيرين، عن أبي هريرة يرفعه: "من أشار لأخيه بحديدة" الحديث. قال فيه هكذا: حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، فاستغربه من حديث خالد لا مطلقا انتهى". (٢)
لكن هذا الجواب لا يستقيم مع المواضع التي يقول فيها: لا نعرفه إلا من هذا الوجه كحديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا بقي نصف من شعبان فلا تصوموا". حيث قال أبو عيسى عقبه: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه على هذا اللفظ. (٣)
ولما ضعف ابن دقيق العيد ما أجاب به ابن الصلاح عن الإستشكال المذكور
_________________
(١) مقدمة ابن الصلاح، مع التقييد والإيضاح. ص: ٥٨
(٢) التقييد والإيضاح. ص: ٥٩.
(٣) نفسه ص: ٥٨ - ٥٩.
[ الدراسة / ٢٧٧ ]
أجاب عنه بما حاصله: أن الحسن لا يشترط فيه قيد القصور عن الصحيح، وإنما يجيئه القصور حيث انفرد الحسن، وأما إذا ارتفع إلى درجة الصحة فالحسن حاصل لا محالة تبعا للصحة؛ لأن وجود الدرجة العليا؛ وهي الحفظ والإتقان لا ينافي وجود الدنيا كالصدق، فيصح أن يقال حسن باعتبار الصفة الدنيا، صحيح باعتبار الصفة العليا؛ قال: ويلزم على هذا أن يكون كل ص حيح حسنا؛ ويؤيده قولهم: حسن في الأحاديث الصحيحة، وهذا موجود فى كلام المتقدمين انتهى. (١)
ولما كان ابن المواق قد سبق ابن دقيق إلى هذا التعقيب فقد نقلة عنه غير واحد؛ ولذا قال الحافظ العراقي في التقييد: (وقد سبقه إلى نحو ذلك الحافظ أبو عبد الله بن المواق فقال في كتابه "بغية النقاد": لم يخص الترمذي الحسن بصفة تميزه عن الصحيح، فلا يكون صحيحا إلا وهو غير شاذ، ولا يكون صحيحا حتى يكون رواته غير مهتمين، بل ثقات؛ قال فظهر من هذا أن الحسن عند أبي عيسى صفة لا تخص هذا القسم، بل قد يشركه فيها الصحيح؛ قال: فكل صحيح عنده حسن، وليس كل حسن صحيحا". انتهى كلامه). (٢)
وقد اعترض على ابن المواق أبو الفتح اليعمري؛ فقال في شرح الترمذي: (وبقي عليه أنه اشترط في الحسن أن يروى من وجه آخر، ولم يشترط ذلك في الصحيح). (٣)
_________________
(١) نفسه ص: ٦١.
(٢) التقييد والإيضاح. ص: ٦١. وممن نقل ذلك عن الحافظ أبي عبد الله بن المواق: الزركشي في نكته (تحقيق الدكتور زين العابدين بلافريج: القسم الأول الجزء الثالث صفحة ٤٠١)، ولم يتعقبه، ونقله كذلك السيوطي في التدريب (١/ ١٥٥)، وابن الوزير كما فى توضيح الأفكار (١/ ١٥٩)، وابن حجر في نكته على ابن الصلاح (١/ ٤٧٦) بتحقيق د. ربيع بن هادي. والملاحظ أن بعضهم نص على أن كلامه المتقدم في "بغية النقاد" وبعضهم نسبه إلى ابن المواق دون ذكر اسم الكتاب.
(٣) التقييد والايضاح. ص: ٦١ - النكت على كتاب ابن الصلاح، لإبن حجر ١/ ٤٧٦.
[ الدراسة / ٢٧٨ ]
هكذا كان اعتراضه على ابن المواق في مقدمة شرحه للترمذي، لكن خالف ذلك في أثناء الشرح عند حديث عائشة، قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا خرج من الخلاء قال غفرانك. فإن الترمذي قال عقبه: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث إسرائيل عن يوسف بن أبي بردة، ولا نعرف في هذا الباب إلا حديث عائشة. فأجاب أبو الفتح عن هذا الحديث بأن الذي يحتاج إلى مجيئه من غير وجه ما كان راويه في درجة المستور، ومن لم تثبت عدالته؛ قال: وأكثر ما في الباب أن الترمذي عرف بنوع منه لا بكل أنواعه. (١)
ورغم ذلكم فإن الحافظ ابن حجر قد وافق أبا الفتح على اعتراضه، واعتذر عن ابن المواق فيما ذهب إليه؛ حيث قال:
(قلت: وهو تعقب وارد ورد واضح على زاعم التداخل بين النوعين، وكأن ابن المواق فهم التداخل من قول الترمذي: "وألا يكون راويه متهما بالكذب، وذلك ليس بلازم للتداخل، فإن الصحيح لا يشترط فيه ألا يكون متهما بالكذب فقط، بل بانضمام أمر آخر وهو: ثبوت العدالة والضبط بخلاف قسم الحسن الذي عرف به الترمذي، فبان التباين بينهما). (٢)