إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي نه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١).
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢).
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣).
إن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد - ﷺ -، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أما بعد: فإن من منة الله على عباده المؤمنين أن أنزل كتابه الكريم هداية مبينة تنير لهم سبيل السعادة في دنياهم وأخراهم، وجعله أعظم رسالة سماوية وأعلاها مكانة، كما جعله معجزة خالدة إلى يوم الدين، فكان هو المصدر الأول للتشريع الإسلامي، وقد خصه بمميزات، منها أنه ﷾ تكفل بحفظه، قال -﷿-: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٤)، في حين أوكل حفظ كتبه
_________________
(١) سورة آل عمران: ١٠٢.
(٢) سورة النساء: ١.
(٣) سورة الأحزاب: ٧٠، ٧١.
(٤) سورة الحجر، الآية ٩.
[ الدراسة / ٧ ]
اِلسماوية السالفة للعلماء والمؤمنين بها من أتباع الرسل السابقين؛ قال تِعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾. (١)
ومن تمام منة الله على هذه الأمة أن جعل السنة النبوية مبينة للقرآن الكريم، مفصِلة لمجمل أحكامه شارحة لما يحتاج للشرح منه، وفي ذِلك يقول -﷿-: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢) كما يقول سبحانه: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٣) وهذا المعنى الذي ذكرته الآيتان هو ما نص عليه - ﷺ - في كثير من أحاديثه، منها قوله - ﷺ -: (ألا إنِّي أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته، يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه ..) الحديث. (٤)
وجاء في حديث أبي رافع -وغيره- مرفوعًا: (لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته؛ يأتيه أمر مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا أدري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه) (٥).
فالسنة النبوية قسم من أقسام الوحي الموحى به للنبي - ﷺ - ولا يجوز مخالفتها؛
_________________
(١) سورة المائدة، الآية ٤٤.
(٢) سورة النحل، الآية ٤٤.
(٣) سورة النحل، الآية ٦٤.
(٤) الحديث رواه أبو داود في سننه عن القدام بن معد يكرب: كتاب السنة. باب لزوم السنة (٥/ ١٠ ح: ٤٦٠٤)، ورواه الإمام أحمد في مسنده بنحره (٤/ ١٣١). أما رواية الترمذي في آخره وهي: (وأن ما حرم رسول الله - ﷺكما حرم الله) وعقب عليه بقوله: هذا حديث حسن غريب من هذا الرجه. (كتاب العلم. باب ما نهي عنه أين يقال عند حديث النبي - ﷺ - (٥/ ٣٨ ح: ٢٦٦٤).
(٥) الحديث رواه الترمذي في جامعه، وعقب عليه بقوله: (حديث حسن صحيح). كتاب العلم. باب ما نهى عنه أن يقال عند حديث رسول الله - ﷺ -، كما رواه ابن ماجة في سننه بنحوه، المقدمة. باب تعظيم حديث رسول الله - ﷺ - والتغليظ على من عارضه (١/ ٦)، وأحمد في مسنده ٤/ ١٣٢.
[ الدراسة / ٨ ]
وقد أوجب الله على المؤمنين طاعة رسوله - ﷺ -، وأمر بذلك في آيات كثيرة؛ منها قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١)، وجاء الِتحذِير من مخالفة أوامره - ﷺ - في قوله عز من قائل: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢) بل إننا نجد الله ﷾ ينص على أن طاعته في طاعة رسوله - ﷺ -، وبالتالي فعصيان الرسول عصيان لله -﷿-؛ قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ الآية (٣).
وجاء في حديث العرباض بن سارية - ﵁ -: (صلى بنا رسول الله - ﷺ - ذات يوم، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله، كأن هذه موعظة مودع، فما تعهد إلينا؟ قال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن عبدًا حبشيا، فإنّه من يعش منكم بعدي، فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة") (٤).
وقد نص غير واحد من العلماء على أنه يستفاد من هذا الحديث -وغيره كثير- وجوب الأخذ بهديه - ﷺ - في كل شيء، واجتناب كل البدع المستحدثة.
ولا كان للسنة النبوية هذه المكانة السامقة، وكانت المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي وجدنا أن الأمة الإسلامية قد خصتها بالرعاية الفائقة والعناية التامة، واستعملت في المحافظة عليها أسلوبًا فريدًا لم يسبق لأمة من الأمم أن سلكته في سبيل الحفاظ على أحاديث رسولها؛ نلمس ذلك في خصيصة
_________________
(١) سورة الحشر، الآية ٧.
(٢) سورة النور، الآية ٦٣.
(٣) سورة النساء، الآية ٨٠.
(٤) الحديث أخرجه أبو داود: كتاب السنة. باب في لزوم السنة (٥/ ١٣ ح: ٤٦٠٧)، والترمذي بنحوه: كتاب العلم. باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع (٥/ ٤٥ ح: ٢٦٧٦).
[ الدراسة / ٩ ]
الإسناد وما صاحبه من متابعة أحوال الرواة والكشف عن عدالتهم أو تجريحهم، وكذا ضبطهم أو غفلتهم، بل قد يسلم الحديث من سائر القوادح الظاهرة، ولكن فحول هذه الصناعة الحديثية يستطعون الكشف عما خفي على غيرهم من علل مؤثرة في صحته والإحتجاج به.
بدأت بذور الإهتمام بالسند في عهد رسول الله - ﷺكما يبدو ذلك في حديث ضمام بن ثعلبة حينما بلغته دعوة الإسلام، فلم يقنع بما وصله حتى جاء عند رسول الله - ﷺ -؛ ليسمع منه بنفسه؛ فيتحقق له السند العالي في هذا الحديث:
روى البخاري بسنده إلى أنس بن مالك؛ قال: (بينما نحن جلوس مع النبي - ﷺ - في المسجد دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد، ثم عقله، ثم قال لهم: أيكم محمد - والنبي - ﷺمتكئ بين ظهرانيهم- فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئ، فقال له الرجل: ابن عبد المطلب، فقال له النبي - ﷺ -: قد أجبتك. فقال الرجل للنبي - ﷺ -: إني سائلك فمشدد عليك في المسألة، فلا تجد علي في نفسك. فقال: سل عما بدا لك. فقال: أسألك بربك ورب من قبلك، آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ فقال: اللهم نعم. فقال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن نصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟ قال: اللهم نعم. قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن نصوم هذا الشهر من السنة؟ قال: اللهم نعم. قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا، فتقسمها على فقرائنا؟ فقال النبي - ﷺ -: اللهم نعم. فقال الرجل: آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي، وأنا ضمام بن ثعلبة ..) الحديث. (١)
ثم صارت بوادر التثبت في الرواية تظهر في عهد الخليفة أبي بكر - ﵁ -، ثم من جاء بعده من الخلفاء الراشدين، ولما ظهرت الفتنة وما صاحبها من الكذب على رسول الله - ﷺ - انبرى نقاد المحدثين للوضاعين يفضحونهم،
_________________
(١) صحيح البخاري: كتاب العلم، باب ما جاء في العلم وقوله تعالى: (وقل رب زدني علمًا) (طه ١١٤). الفتح ١/ ١٤٨ ح: ٦٣.
[ الدراسة / ١٠ ]
ويتابعون كذبهم لكشفه وتبرئة ساحة السنة من بهتانهم. روى الإمام مسلم عن محمد بن سيرين -﵀- أنه قال: (لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم) (١). وقيل للإمام عبد الله بن المبارك: (هذه الأحاديث المصنوعة؟ قال: يعيش لها الجهابذة) (٢).
وهكذا بارك الله في جهود علماء الحديث حتى غدوا سدًا منيعًا وصخرة صلبة تكسرت عليها نصال الفتن وسهام الأهواء فرد كيد الكائدين وتم للبشرية لأول مرة في تاريخها إحصاء الكلمات والعبارات والأفعال والإشارات وأسماء الصغار والكبار والكذبة والأخيار، ومن حل ومن ارتحل؛ كل هذا -وغيره كثير- دُوِّنَ وصُنّفَ وضُبِطَ بقواعد دقيقة لم تعرفها أمة قبل، حتى أصبح لكل راو من الرواة سجل تفصيلي يحدد مرتبته بين الرواة وطبقاتهم؛ سواء من حيث العدالة والضبط، أو الجرح والوهم أو الغفلة.
ولم يفت كبار أعلام الحديث أن الثقة العدل مهما علت مكانته وسمت مرتبته فإنّه معرض للخطأ والوهم، وأن هذا وإن كان نادرًا إلا أنه من الثقة العدل خطر؛ لأن روايته مقبولة عند الناس، وهو حجة عندهم في جميع منقولاته، ولمثل هذا أوجد علم العلل.
يقول الدكتور محمد مصطفى السباعي، -﵀-، في وصف جهود العلماء في مجال النقد: (لا يستطع من يدرس موقف العلماء -منذ عصر الصحابة إلى أن تم تدوين السنة- من الوضع والوضاعين وجهودهم في سبيل السنة، وتمييز صحيحها من فاسدها، إلا أن يحكم بأن الجهد الذي بذلوه في ذلك لا مزيد عليه، وأن الطرق التي سلكوها هي أقوم الطرق العلمية للنقد والتمحيص، حتى لنستطيع أن نجزم بأن علماءنا، -﵏-، هم أول من
_________________
(١) مقدمة صحيح مسلم: ١/ ١٥.
(٢) الكفاية في علم الرواية، للخطب البغدادي، ص: ٨٠.
[ الدراسة / ١١ ]
وضعوا قواعد النقد العلمي الدقيق للأخبار والمرويات بين أمم الأرض كلها، وأن جهدهم في ذلك جهد تفاخر به الأجيال، وتتيه به على الأمم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم) (١).
وهذا الكتاب الذي بين أيدينا (بغية النقاد النقلة، فيما أخل به كتاب "البيان" وأغفله، أو أَلَمَّ به، فما تممه ولا كمله. للحافظ أبي عبد الله محمد بن أبي يَحْيَى؛ الشهير بابن المواق). هو ثمرة للجهود العلمية النقدية الحديثية التي ابتدأت بعبد الحق الإشبيلي بكتابه "الأحكام الوسطى"، ثم أينعت على يد أبي الحسن ابن القطان الفاسي بكتابه: "بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام" ونضجت بمؤلَّف "البغية" هذا.