غير ذلك؛ مما ذكرناه في هذا الباب، ولو قدرنا أنه نقلها من غير سنن أبي داود، ولم يهم في قوله (عن البراء) بل نقله على ما وقع في الموضع الذي نقله منه، للزمه ذكر ما أورد أبو داود، إذ كان يكون على هذا التقدير قد اختلف في ذلك عن معمر؛ فلم يسغ له ذكر إحدى الروايتين عن معمر، وتَرْكَ الرواية الأخرى، وهو قد رآها وعلم موضعها من سنن أبي داود، لاسيما وقد تعرض لذكر الاختلاف في هذا الحديث. فتبين أنه لم يرد سواها.
وقد بحثت جهدي عن رواية معمر في هذا الحديث أن أجد أحدًا رواها على حسب ما أورده ق فلم أجد، ولله سبحانه الإحاطة، ومنه التوفيق، لا رب غيره.
(٣) وذكر حديث أبي هريرة في قصة ماعز من طريق النسائي، وفيه: (فهلا تركتموه) (١).
_________________
(١) هكذا ذكر عبد الحق الإشبيلي؛ أي بإبراز قوله - ﷺ - فيه: (فهلا تركتموه). - "الأحكام": كتاب الديات والحدود، باب حد الزاني .. (٧ / ل: ٢٢. أ). والحافظ الإشبيلي يشير بذلك إلى الحديث الذي رواه النسائي في سننه الكبرى، وهذا نصه منها: (أخبرنا أحمد بن سليمان الرهاوي، قال ثنا يزيد بن هارون، أنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة؛ قال: جاء ماعز بن مالك إلى رسول الله - ﷺ -، فقال يا رسول الله إني زنيت. فأعرض عنه، ثم جاءه من شقه الأيمن، فقال يا رسول الله إني زنيت. فأعرض عنه، ثم جاء ٥ من شقه الأيسر، فقال: يا رسول الله: إني قد زنيت، فقال ذلك أربع مرات. قال: "انطقوا به، فارجموه، فانطقوا به، فلما مسته الحجارة أدبر يشتد، فلقيه رجل في يده لحي بعير، فضربه به فصرعه، فذكر ذلك لرسول الله - ﷺ -؛ فراره؛ حين مسته الحجارة، قال: "فهلا تركتموه"). - كتاب الرجم، باب إذا اعترف بالزنا، ثم رجع عنه (٤/ ٢٩٠ ح: ٧٢٠٤)، ومن نفس الطريق؛ أي طريق محمد بن عمرو به، أخرجه الترمذي: كتاب الحدود، باب ما جاء في درء الحد عن المعترف إذا رجع (٤/ ٣٦: ح: ١٤٢٨)، وأبو بكر بن أبي شيبة: كتاب الحدود، باب في الزاني كم مرة يرد (١٠/ ٧٢ ح: ٨٨١٧)، وابن ماجة من طريقه: كتاب الحدود باب الرجم (٢/ ٨٥٤ ح: ٥٥٤)، وأحمد (٢/ ٢٨٦، ٢٨٧، ٤٥٠)، والحاكم (٤/ ٣٦٣). وقال الترمذي لما أخرج الحديث: (هذا حديث حسن، وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة). وقال الحاكم. (هذا حديث صحيح، على شرط مسلم، ولم يخرجاه). =
[ ١ / ١٤ ]
ثم قال (٢): وقال أبو داود: "لعله أن يتوب فيتوب الله عليه".
قال: وليس إسناد هذا بالقوي (٣)؛ لأنه من حديث هشام بن سعد (٤)،
_________________
(١) = ووافقه الذهبي على ذلك، ولفظه متقارب فيها، وكلها أثبت فيها قوله (فهلا تركتموه). وأخرجه من طريق الزهري، عن أبي سلمة، وسعيد بن المسيب: البخاري في كتاب الحدود، باب لا يرجم المجنون .. (الفتح ١٢/ ١٢٠ ح: ٦٨١٥)، وفي باب سؤال الامام المقر: أحصنت؛ (١٢/ ١٣٦ ح: ٦٨٢٥)، وفي كتاب الأحكام، باب من حكم في المسجد .. (الفتح ١٣/ ١٥٦ ح: ٧١٦٧)، ومسلم: كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنى (٣/ ١٣١٨ ح: ١٦)، وأحمد (٢/ ٤٥٣)، والبيهقي (٨/ ٢١٩)، وليس في لفظ هذا الطريق عندهم ذكر لإسم من جاء عند النبي - ﷺ -، فاعترف بالزنى، ولا لفظ هلا تركتموه). قلت: ولعل عدم ذكر اسم ماعز في هذا الطريق هو الذي جعل الحاكم يعتبر أنهما لم يخرجاه.
(٢) القائل هو عبد الحق الإشبيلي كذلك، فإنه لما انتهى من حديث أبي هريرة في قصة ماعز، من عند النسائي، انتقل إلى حديث نعيم بن هَزَّال في نفس القصة، من عند أبي داود، ثم أبرز من لفظ متنه زيادة لم تقع عند أبي هريرة في حديثه، وهي قوله: لعله أن يتوب، فيتوب الله عليه). انظر -غير مأمور-: سنن أبي داود، كتاب الحدود، باب رجم ماعز بن مالك (٤/ ٥٧٣ ح: ٤١١٩). وأخرج الحديث من نفس الطريق -طريق هشام بن سعد، عن يزيد بن نعيم، عن نعيم بن هَزَّال- أبو بكر بن أبي شيبة) (١٠/ ٧١ ح: ٨٨١٦)، وأحمد (٥/ ٢١٦، ٢١٧). وقد تابع هشام بن سعد: زيد بن أسلم، فرواه عن يزيد بن نعيم به، نحوه، وبزيادة في آخره (ثم قال: يا هَزَّال لو سترته بثوبك كان خيرًا لك. أخرجه من هذا الطريق أبو داود (٤٣٧٧)، وأحمد (٥/ ٢١٦، ٢١٧)، والحاكم (٤/ ٣٦٣) -مختصرًا- وصححه، ووافقه الذهبي على ذلك. وهو حديث حسن. قلت: تعقيب ابن المواق في محله، فليس في سند الحديث ذكر لهزال بن يزيد الأسلمي، سواء عند أبي داود، أو عند غيره ممن ذكروا، لكن أخرج الحديث من مسند هَزَّال بن يزيد الأسلمي ابن سعد في طبقاته (٤/ ٢٤١) من روايته عن الواقدي، عن هشام بن عاصم، وهو سند ضعيف، فيه الواقدي، وهشام بن عاصم مجهول.
(٣) تناول ابن القطان تفسير قول أبي محمد الإشبيلي (وليس إسناد هذا بالقوي) فبين أن المراد به هشام ابن سعد، فهو الذي ضعفه عبد الحق غير ما مرة. - أنظر -غير مأمور-: بيان الوهم .. باب ذكر أحاديث سكت عنها مصححًا لها؛ وليست بصحيحة (٢/ ل: ٤٧. أ).
(٤) استعرض ابن القطان موقف أبي محمد الإشبيلي من هشام بن سعد، فوجد أنه لا يخرج عن ثلاث حالات: الأولى: ذكره لأحاديث من روايته، وسكوته عنها، وبعضها أحاديث في فضائل الأعمال، فهو إما توثيق منه لهذا الراوي، أو تسامح منه في حقه. الثانية: ذكره لأحاديث من روايته، وإبراره من سندها، وهو تعليل منه لها به. =
[ ١ / ١٥ ]
عن يزيد بن نعيم (٥) بن هزال، عن أبيه (٦)، عن جده:
_________________
(١) = الثالثة: ذكره لأحاديث من روايته، مع التعقيب عليها بذكره له وتجريحه، وهذه نماذج من هذا الضرب. قال عبد الحق -عقب حديث عمر: اليوم أسبق أبا بكر، إن سبقته- بشأن هشام بن سعد: (وقد وثق وضعف). الأحكام (٤/ ل: ٢٩. ب). وقال أيضًا -عقب حديث بن العباس: ثلاث لا يفطرن الصائم-: (هشام كتب حديثه، ولا يحتج به). الأحكام (٤ / ل: ٢٩. ب). وقال أيضًا -عقب حديث معاذ في الجمع بين الصلاتين-: (هشام بن سعد ضعيف عندهم .. ولم أر فيه أحسن من قول أبي بكر البزار: لم أر أحدا توقف عن حديثه، ولا أعله بعلة توجب التوقف عنه). الأحكام (٣ / ل: ١٩. أ ..). وقال أيضًا -عقب حديث ابن عباس في صفة الوضوء-: (في إسناده هشام بن سعد، وهو ضعيف عندهم، ضعفه يحيى بن معين، ويحيى بن سعيد، والنسائي، وأحمد بن حنبل، وأبو حاتم، وأبو زرعة، كلهم ضعفه، أو قال فيه كلاما معناه التضعيف، ذكر ذلك ابن أبي حاتم، وابن عدي). - الأحكام (١/ ل: ٦٩. أ ..). ولم يرتض ابن القطان. من عبد الحق هذا الحمل منه على هشام بن سعد، فقال: (وقد سقط من قول البزار هذا قوله فيه (أنه ثقة)، ووصل به قوله (ولم أر أحدًا توقف عن حديثه). - بيان الوهم (٢ / ل: ٤٦. ب). ثم قال: (فأما تصحيح أحاديثه، أو الحمل عليه، فكل ذلك خطأ، فإن الرجل مختلف فيه، وهو غير مرفوع من الصدق، وقد أخرج له مسلم. والذي حكاه عن ابن حنبل من أنه ضعفه، إنما قال أحمد: "لم يكن بالحافظ". وهذا قد يُقال لمن غيره أحفظ منه. والذي حكاه عن ابن معين من تضعيفه إياه، فإنما ذلك تضعيف له بالقياس الى غيره، وأما أبو حاتم فهو عنده مثل ابن إسحاق، نص على دلك. وكذلك أبو زرعة، وزاد أن قال: "هشام أحب إلي". وقد علم توثيق أبي أحمد لإبن إسحاق في أكثر أمره، فالرجل محمول عليه منه، ولست أقول إنه ثقة، ولكن الحديث من أجله حسن). - بيان الوهم .. (٢/ ل: ٤٧. ب). وقال المزي في تهذيب الكمال (٣٠/ ٢٠٩): (استشهد به [أي بهشام بن سعد]، البخاري في، وروى له في الأدب، وروى له الباقون). ونقل الذهبي في (٣/ ١٩٦) قولي أبي حاتم، وأحمد ثم قال: (قلت: حسن الحديث). وقال الحافظ ابن حجر في (٢/ ٣١٨): (صدوق، له أوهام، ورمي بالتشيع). والخلاصة: أن حديثه لا ينزل عن درجة الحسن.
(٢) يزيد بن نعيم بن هَزَّال، الأسلمي، مقبول، من الخامسة، وروايته عن جده مرسلة. (م. د. س). - التقريب ٢/ ٣٧٢ - ت. التهذيب ١١/ ٣٢٠.
(٣) نعيم بن هَزَّال بتشديد الزاي -الأسلمي، صحابي، نزل المدينة، ماله راو إلا ابنه يزيد. / د. س. - التقريب ٢/ ٣٧٢ - ت التهذيب ١٠/ ٤١٦.
[ ١ / ١٦ ]