«إذا كثرت ذنوب العبد، ولم يكن له ما يكفرها من العمل، ابتلاه الله ﷿ بالحزن ليكفرها عنه» ضعيف. رواه الإمام أحمد (٦/١٥٧) - واللفظ له - والبزار (٣٢٦٠) كشف الأستار) وأبو نعيم في «أخبار أصبهان» (٢/١٨٩) وعنه ابن رشيد الفهري في «ملئ العيبة) (٣/٣٨٨٠٣٨٩) والخطيب (٦/٨٨) من طريق حسين بن علي الجعفي عن زائدة عن ليث عن مجاهد عن عائشة مرفوعًا. وكذلك الديلمي كما في «الفردوس» (١٣٣٢)، قال الحافظ في «تسديد القوس» - ونقله المحققان -: «أحمد وأبو الشيخ من رواية مجاهد عن عائشة» . وقال البزار: «لا نعلم رواه بهذا الإسناد إلا وائدة، ولا عنه إلا حسين» اهـ. قلت: وهو إسناد ضعيف، رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح سوى ليت - وهو ابن أبي سليم الكوفي ـ، فضعيف اختلط كما يأتي مفصلًا بإذن الله. وكلام الحافظ البزار ﵀، إليه المنتهى في الدقة، فقد روى الحديث عن ليث أيضًا بإسناد ومتن سوى هذا.
وقال الحافظ المنذري ﵀ في «الترغيب» (٤/٥٣٧): «رواه أحمد، ورواته ثقات إلا ليث بن أبي سليم» .
وذكره الحافظ الهيثمي ﵀ في «المجمع» في موضعين، فقال في الأول (٢/٢٩١): «رواه أحمد، وفيه ليث بن أبي سليم وهو مدلس، وبقية رجاله ثقات» . وقال في الثاني (١٠/١٩٢): «رواه أحمد والبزار، وإسناده حسن» . كذا قال.
وقال الحافظ العراقي ﵀ - كما في «تخريج الإحياء» (٣٣١٩) -: «تقدم أيضًا في «النكاح»، وهو عند أحمد من حديث عائشة: «ابتلاه الله بالحزن» النتهى. قلت (القائل: الزبيدي): ذكر هناك أن فيه ليث بن أبي سليم مختلف فيه، ولفظ أحمد في «المسند» ، حتى قال: «ولكن حسن السيوطي
[ ١٨ ]
وكأنه رجح جانب التوثيق فيه، والله أعلم» . قلت: كلا، بل لعله ذهول أو غير ذلك، فإن ليثًا عند الحافظ السيوطي ﵀ من المقطوع بضعفهم، بل حكم ببطلان بعض أحاديث له من جهة المتن كما يأتي في الحديث التاسع عشر بإذن الله. والحديث في «الجامع الصغير» (٨٣٨) مرموزًا له بالحسن.
قال المناوى (١/٣٤٣) - بعد حكاية كلام المنذري والعراقي والهيثمي -: « وقد رمز المصنف لحسنه» .
أما الإسناد الآخر الذي أشرنا إليه، فهو ما رواه البيهقي في «شعب الإيمان» (٢/٣/١٣٤/ب) من طريق أحمد بن عمران الأخنسي قال: سمعت أبا بكر ابن عياش وعبد الرحمن المحاربي عن ليث عن الحكم بن عتيبة رفعه قال: «إذا كثرت ذنوب العبد »، فذكره بنحو مما تقدم.
والأخنسي هاذ واه، قال أبو زرعة: «كتبت عنه ببغداد، وكان كوفيًا، وتركوه» . وقال البخاري والأزدي: «منكر الحديث»، ومع ذلك وثقه ابن عدي وقال ابن حبان في «ثقاته»: «مستقيم الحديث» . وقد توبع على روايته عن أبي بكر بن عياش وحده - فيما أعلم - بلفظ يختلف عن هذا، فعند عبد الله ابن الإمام أحمد في «زوائد الزهد» (ص١٠) وعند الخطيب (٧/١١١) عن بيان ابن الحكم حدثنا محمد بن حاتم أبو جعفر عن بشر بن الحارث (١) أبنأنا أبو بكر بن عياش عن ليث عن الحكم مرفوعًا: «إذا قصر العبد في العمل، ابتلاه الله بالهم» .
ورواه أيضًا الديلمي كما في «الفردوس» (١١٤٧)، بلفظ: «بالحزن» . قال الحافظ في (تسديد القوس»: «الحكم بن عمير» يعني أن الحكم الذي أرسل هذا الحديث هو ابن عمير المجهول الذي لم تثبت صحبته من وجه يعتمد عليه، وليس الحكم بن عتيبة الفقيه الكوفي المشهور، ولا أدري ما حجة الحافظ ﵀ في هذا الجزم، وليث لم أجد له رواية لا عن هذا ولا عن ذاك -، مع أن الأشبه أن يكون بلديه الحكم بن عتيبة -، والحديث في الحالين غير متصل،
_________________
(١) $! ثم وجدته في «الحلية» (٨/٣٤٤) عن بشر موقوفًا عليه بلفظ: «إذا قل عمل العبد ابتلى بالهم» . وشيخ أبي نعيم فيه: أبو الحسن أحمد بن محمد بن مقسم وهو واه ليس بثقة.
[ ١٩ ]
أما رواية الأخنسي المتقدمة،، والتي تنص على أنه: «ابن عتيبة»، فلا يؤبه لها. وله علة أخرى. ففي الإسناد أيضًا: بيان بن الحكم، ترجمة الخطيب في «تاريخ بغداد» من رواية عبد الله عنه، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وقال الذهبي في «الميزان» (١/٣٥٦): «لا يعرف»، وذكر له هذا الحديث وقال: «معضل» .
ونخلص من ذلك أن الإسناد إلى أبي بكر بن عياش والمحاربيعن ليث لم يثبت أصلًا، وأن الصحيح عن ليث - على ضعفه - روايته عن مجاهد عن عائشة موصولًا باللفظ الأول. ومن أجل ذلك تركت إعلاله بابن عياش إذ لا مدخل له فيه. والأصل فيه القبول والتوثيق ما لم تثبت مخالفته للأثبات، ولم تثبت.
(ملحوظة): ولا يغتر برواية الخطيب للحديث، بلفظ: «إذا كان للعبد ذنوب وخطايا ولم يكن له عمل صالح، ابتلى بالغموم والأحزان ليكون كفارة لذنوبه» . ففي إسنادها - سوى ليث -: عمربن مدرك الرازي وهو متروك كذب، فلعل هذه التزيدات منه، والراوي عنه لم يذكر فيه الخطيب جرحًا ولا تعديلًا. وشيخه لم أهتد به إليه.
(أما) الراوية الموقوفة، فقد روى بعض الرافضة هذا الحديث عن الحكم ابن عتيبة، فألصقوه بجعفر الصادق رحمه اللله، ففي «أمالي المفيد» (ص٢٤،٢٣) من طريق الحسين بن سعيد، عن ابن أ [ي عمير، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن الحكم بن عتيبة قال: قال أبو عبد الله ﵇: «إذا العبد إذا كثرت ذنوبه» اهـ. وفي إسناده جماعة من الشيعة الذين لا يوثق بهم، والذين لا يتبين ضدقهم من كذبهم، والذين قال فيهم الذهبي ﵀ في «الميزان» (١/٥-٦) - لدى كلامه عن البدعة الصغرى والبدعة الكبرى -: « ثم بدعة كبرى، كالرفض الكامل والغلو فيه والحط على أبي بكر وعمر ﵄، والدعاء إلى ذلك، فهذا النوع لا يحتج بهم ولا كرامة. وأيضًا فما أستحضر الآن في هذا الضرب رجلًا
[ ٢٠ ]
صادقًا ولا مأمونًا، بل الكذب شعارهم، والتقية والنفاق دثارهم، فكيف يقبل نقل من هذا حاله! حاشا وكلا. فالشيعي الغالي في زمان السلف وعرفهم هو من تكلم في عثمان والزبير وطلحة ومعاوية وطائفة ممن حارب عليًا ﵁، وتعرض لسبهم. والغالي في زماننا وعرفنا هو الذي يكفر هؤلاء السادة، ويتبرأ من الشيخين أيضًا، فهذا ضال معثر » قلت: والذي وقعت على كلام فيه الآن منهم: «الحسين بن سعيد» . قال الحافظ في «اللسان» (٢/٢٨٤): «ذكره الطوسي والكشي في الراوة عن علي بن موسى الرضا وغيره، له تصانيف. روى عن الحسين بن الحسن بن أبان وأحمد بن محمد بن عيسى القمي» . قلت: وإسماعيل بن إبراهيم - رواية عن الحكم - لم أدر من يكون؟ وانظر ترجمة المفيد نفسه، واسمه: «محمد بن محمد بن النعمان البغدادي» في «السير» (١٧/٣٤٤-٣٤٥) و«اللسان» (٥/٣٦٨) . والله الهادي إلى سواء السبيل، لا رب سواه.
أقول: ومن أمارات كونه ملصقًا بجعفر بن محمد رحمهما الله، أنني لم أجد للحكم رواية عنه في ترجمة كل منهما من «تهذيب الكمال» مع أنع لا يحسن إغفال مثل ذلك، فالله أعلى وأعلم.
استدراك:
وراوي الأثرعن الحسي بن سعيد: أحمد بن محمد بن عيسى القمي وجدته بعد في «اللسان» (١/٢٦٠) وقال: « شيخ الرافضة بقم. له تصانيف شهيرة..» .
وقد أسندوه أيضًا إلى علي ﵁ بلفظ: «من قصر بالعمل ابتلى بالهم..» كما في «النهج» وعزاه صاحب «مصادر نهج البلاغة وأسانيده» (٤/١١٣) إلى كتاب «غرر الحكم» (ص٢٩٥)، وهو محذوف الأسانيد، لم أجد لمؤلفه ترجمة.
[ ٢١ ]