«تعلموا العلم، فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة، لأنه معالم الحلال والحرام، ومنار سبيل أهل الجنة، وهو الأنيس في الوحشة، والصاحب في الغربة، والمحدث في الخلوة، والدليل على السراء والضراء، والسلاح على الأعداء، والزين عند الأخلاء، يرفع الله به أقوامًا فيجعلهم في الخير قادة وأئمة، تقتص آثارهم، ويقتدى بأفعالهم، وينتهى إلى رأيهم، ترغب الملائكة في خلتهم، وبأجنحتها تمسحهم، يستغفر لهم كل رطب ويابس، وحيتان البحر وهوامه، وسباع البر وأنعامه، لأن العلم حياة القلوب من الجهل، ومصابيح الأبصار من الظلم. يبلغ العبد بالعلم منازل الأخيار، والدرجات العلى في الدنيا والآخرة. التفكر فيه بعدل الصيام، ومدارسته تعدل القيام، به توصل الأرحام، وب يعرف الحلال من الحرام، هو إمام العمل، والعمل تابعه، يلهمه السعداء ويحرمه الإشقياء» .
موضوع. رواه ابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله» (١/٥٤-٥٥) من طريق عبيد الله بن محمد بن خنيس الكلاعي (في الأصل - خطأ -: عبيد ابن محمد) . حدثنا موسى بن محمد بن عطاء القرشي قال: حدثنا عبد الرحيم ابن زيد العمى عن أبيه عن الحسن عن معاذ بن جبل ﵁ مرفوعًا به (وصوبنا بعض ألفاظه من المنذري) وقال - عقبة -: «هكذا حدثنيه أبو عبد الله بن عبيد بن محمد ﵀ مرفوعًا بالإسناد المذكور، وهو حديث حسن جدًا ولكن ليس له إسناد قوي. ورويناه من طرق شتى موقوفًا، منها » الخ. فتعقبه الحافظ المنذري ﵀ في «الترغيب» (١/٩٦) بقوله «كذا قال ﵀. ورفعه غريب جدًا. والله أعلم» .
وقال شارحه - روّح الله روحه - تعليقًا على قول ابن عبد البر: «ولكن
[ ٥٩ ]
ليس له إسناد قوي»: «ولا ضعيف، ولا يعقل أن يكون هذا من كلام النبوة أصلًا» اهـ.
قلت: بل هو كذب موضوع لا ريب فيه، وفي هذا الإسناد:
١- عبيد الله بن محمد بن خنيس، تقدم ذكره في الحديث الثاني.
٢- وشيخه موسى بن محمد بن عطاء وضاع. تقدم أيضًا في نفس الحديث.
٣- وشيخه عبد الرحيم بن زيد العمى كذاب معروف. قال البخاري: تركوه. وقال أبو حاتم: يترك حديثه، منكر الحديث، كان يفسد أباه يحدث عنه بالطامات. وقال ابن معين: كذاب خبيث. وفي رواية: ليس بشئ.
٤- وأبوه زيد العمى هو ابن الحواري البصري أبو الحواري، ضعيف كما في «التقريب» (٢١٣١) .
٥- والحسن البصري ثقة حافظ وإمام جليل، لكن روايته عن معاذ منقطعة كما يأتي. ولا شك أنه ﵀ برئ من هذا الإفك.
وللحديث طرق أخرى مرفوعة عن أبي هريرة وأنس وعلي. أما حديث أبي هريرة، فقد قال الخطيب في «الفقيه» (١/١٥): «أنا أبو القاسم على بن محمد ابن عبد الله بن الهيثم الأصبهاني نا سليمان أحمد بن أيوب الطبراني نا يحيى بن عثمان بن صالح المصري نا نعيم بن حماد نا عبد العزيز الدراوردي عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا بنحوه. وهذا الإسناد لا يثبت، وفيه:
١- أبو القاسم علي بن محمد الأصبهاني - شيخ الخطيب - لم أقف له على ترجمة ولا ذكر، وما هو في «تاريخ بغداد» ولا «أخبار أصبهان» .
٢- يحيى بن عثملن بن صالح - وهو السهمي - صدوق له ما ينكر. قاله الذهبي.
٣- نعيم بن حماد، وهو ضعيف صاحب مناكير كما قدمت في «تبييض الصحيفة» (١٠) .
وأزيد هنا قول محمد بن علي المروزي: «سألت يحيى بن معين عنه - يعني
[ ٦٠ ]
حديثًا لنعيم في ذم القياس بالرأي - فقال ك ليس له أصل. قلت: فنعيم؟ قال (١): ثقة قلت: كيف يحدث ثقة بباطل؟ قال: شبه له» كما في «التهذيب» (١٠/٤٦٠) . فلعل هذا أيضًا مما شبه له، فإن هذا المتن بهذا الإسناد طامة لا تحتمل، والبلاء منحصر في نعيم وشيخ الخطيب، والعلم عند الله تعالى.
وأما حديث أنس، فوقفت على طريقين:
الأولى: عند المرهبي في «العلم» من رواية يزيد الرقاشي عنه، كما في «تخريج الإحياء» (٦٨) نقلًا عن التخريج الكبير للحافظ العراقي ﵀. ويزيد ضعيف، ضعفه الجمهور وقال النسائي وأبو أحمد الحاكم: متروك الحديث، (انظر: «أخذ الجنة» ص٥٣) لكنه - على ضعفه - لا يحتمل هذا المتن، بل لا ذنب له فيه، فقد قال الشيخ بن عرّاق ﵀ في «تنزيه الشريعة المرفوعة» (١/٢٨٢): «فيه محمد بن تميم السعدي وهو آفته» . قلت: وهو وضاع مشهور، فالبلاء منه
الثانية: عند الطوسي (٥٠١) من طريق أبي المفضل الشيباني قال: وحدثنا محمد بن علي بن شاذان بالكوفة قال: حدثني أبو أنس كثير بن محمد الحزامي قال: حدثنا حسن بن حسين العرني قال: حدثني يحيى بن يعلى عن أسباط بن نصر عن شيخ من أهل البصرة عن أنس به. وهذا إسناد قد هلهل بالمرة، لم يسلم منه سوى أنس، وفيه الآتي:
١- أبو المفضل الشيباني، تقدم أنه متهم بسرقة الحديث والوضع للرافضة.
٢- شيخه محمد بن علي بن شاذان لم أهتد به.
٣- أبو أنس كثير بن محمد الحزامي ترجمة الخطيب (١٢/٤٨٤) من رواية
_________________
(١) $! ووثقه غيره أيضًا، ورماه غير واحد بالوضع. وكرهما إفراط وتفريط. والصواب ما قرره الحافظ بن الكبير ابن رجب الحنبلي ﵀ عند حديث: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به من كتابة النافع: «جامع العلوم والحكم» حيث رجح ضعف نعيم، وأعل الحديث بعلتين أخريين في مبحث نفيس لا تجده عند غيره. وبه تعلم ما في تصحيح الإمام النووي ﵀ للحديث.
[ ٦١ ]
جماعة عنه، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.
٤- حسن بن حسين العرني رافضي واه. قال أبو حاتم: لم يكن بصدوق عندهم. وانظر في «اللسان» (٢/١٩٩-٢٠٠) .
٥- يحيى بن يعلى - وهو الأسلمي القطواني أبو زكرياء - كوفي شيعي ضعيف، وهاه ابن معين. وهناك كوفيان بهذا الاسم، لكنهما ثقتان: أبو زكرياء المحارني، وأبو المحياة التيمي.
٦- أسباط بن نصر وهو الهمداني - مختلف فيه، وقال الحافظ (٣٢١): «صدوق كثير الخطأ، يغرب» .
٧- شيخه البصري مبهم لم يسم. ولا يدرى من هو.
وأما حديث علي، فرواه الطوسي (ص٥٠٠) وكذلك (٥٧٩-٥٨٠) من طريق أبي المفضل بسنده المسلسل بآل البيت عنه مرفوعًا، وفي أوله: «طلب العلم فريضة على كل مسلم، فاطلبوا العلم في مظانها (كذا) واقتبسوه من أهله، في تعلمه لله خشية (في الأصل: حسنة)، وطلبه عبادة الحديث بطوله. وأبو المفضل تكرر الكلام عنه. والسند الذي ذكره فيه جماعة لم أهتد إليهم، وحسبه به!
(وروى) الحديث مرفوعًا على كل من معاذ وعلى أيضًا.
أما أثر معاذ، فرواه ابن عبد البر وأبو نعيم في «الحلية» (١/٢٣٨-٢٣٩) من طريق هاشم بن مخلد (وفي «الحلية» - خطأ هشام) قال: سمعت أبا عصمة يحدث عن رجاء بن حيوة (وعند أبي نعيم سمعته من أبي عصمة عن رجل سماه عن رجاء بن حيوة عن معاذ بن جبل به. وقال أبو طالب المكي في الفصل الحادي والثلاثين من «القوت»: «وروينا في فضل العلم بالله تعالىمن رواية رجاء بن حيوة عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ بن جبل قل:..» فذكره، كان في «تخريج الإحياء»، وفيه: «قال العراقي: قوله (يعني ابن عبد البر في الحديث المرفوع): حسن، أراد به الحسن اللغوي لا الحسن المصطلح عليه بين أهل الحديث، فإن موسى بن محمد البلقاوي كذبه أبو زرعة وأبو حاتم ونسبه
[ ٦٢ ]
العقيلي وابن حبان إلى وضع الحديث، وعبد الرحمن (كذا) بن زيد متروك وأبوه مختلف فيه، والحسن لم يدرك معاذًا. وأبوه عصمة المذكور في الموقوف ضعيف أيضًا، كان يقال له: نوح الجامع. قال ابن حبان: جمع كل شئ إلا الصدق. ورجاء بن حيوة أيضًا لم يسمع من معاذ. وروى الموقوف: سليم الرازي في «الترغيب والترهيب» من طريق آخر، وفيه كتابة بن حبلة ضعيف جدًا. قلت (القائل: الزبيدي): ولكن صرح أبو طالب أن رجاء بن حيوة سمعه من عبد الرحمن بن غنم عن معاذ. هذا أشبه (كذا) والله أعلم » الخ.
قلت: ومن طرق كنانة بن جبلة أيضًا رواه الطوسي عن أبي المفضل بسنده إليه عن عاصم بن رجاء بن حيوة عن أبيه عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ.
أما أبو عصمة - في الطريق الأول - فليس ضعيفًا فحسب، بل هو كذاب متهم بالوضع. قال البخاري: «قال ابن المبارك لوكيع: عندنا شيخ يقال له: أبو عصمة، كان يضع، كما يضع المعلى بن هلال» . وقال أبو حاتم ومسلم والدارقطني والدولابي والساجي: متروك الحديث. زاد الآخير: عنده أحاديث بواطيل. وذكر الحاكم أنه أقر بوضع حديث في فضائل القرآن من أوله إلى آخره. وكنانو بن جبلة كذبه ابن معين، فقال: «كذاب خبيث» . قال تليمذه عثمان ابن سعيد الدارمي: «هو قريب مما قال يحيى، خبيث الحديث» . وقال الجوزجاني السعدي: «ضعيف جدًا» . أما أبو حاتم الرازي ﵀ فكأنه لم يخبر أمره فقال: «محله الصدق، يكتب حديثه، حسن الحديث» .
(وأما) أثر علي، فرواه أبو طالب الحسنى في «أمالية» كما في «تيسير المطالب» (ص١٤١) قال: «أخبرنا أبو أحمد محمد بن علي العبدكي (في الأصل: العبدي، والصواب الأول كما تكرر كثيرًا في الكتاب) فذكره بسنده المسلسل بآل البيت، وفيه: قال أمير المؤمنين لأصابه، وهو بحضرته: تعلموا العلم » الخ. والعبدكي، واسمه: «محمد بن علي بن عبدك - واسمه: عبد الكريم»، قال الإمام برهان الدين الحلبي في «الكشف الحثيث»
[ ٦٣ ]
(٧١٢): « وكان إمام أهل التشيع في ومانه، ذكر له ابن الجوزي في «موضوعاته حديثًا في فضل علي عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن جبريل: يا محمد علي خير البشر، من أبى فقد كفر. قال ابن الجوزي: والمتهم به الجرجاني الشيعي» وهو في «الموضوعات» (١/٣٤٧-٣٤٨) من طريقه عن علي بن موسى الفقيه القمى عن محمد بن شجاع الثلجي قال: حدثنا حفص بن عمر الكوفي عن أبي معاوية عن الأعمش عن أبي وائل ابن مسعود به» وقال (١/٣٢٩): «وأما حديث ابن مسعود، ففيه حفص بن عمر، وليس بشئ، ومحمد بن شجاع الثلجي، وقد سبق في أول الكتاب أنه كذاب، والمتهم به الجرجاني الشيعي» .
وأورده السيوطي في «اللآلئ» (١/٣٢٧-٣٢٨) وأقره، فلم يتعقبه.
وفي اتهام الجوزي له - بهذا الحديث خاصة - نظر، لوجود الثلجي وغيره في الإسناد، وإن كان اتهام بن عبدك به أليق لمكانه من الإمامة في الرفض. لكن اتهامه - عامة - في محله، فإن أبا طالب المذكور روى له بلايا في (أمالية» وباله التوفيق. وهو أعلى وأعلم.
[ ٦٤ ]